فرنسواز ساغان خوف المرأة من عمر الأربعين..
ضحى عبدالرؤوف المل
تتغير الهرمونات، وتتقلب مزاجية المرأة في سن النضوج، يجعلها ترى الماضي وفق قياسات زمنية محكوم عليها قدريا، فالصبا مرحلة لا يتم فيها النضج الفكري، وهي فترة سلبية أو إيجابية، ولكنها تحدد مسيرة عمر مقبل على كهولة لا مفر منها، لهذا تعيش المرأة صراعا نفسيا، وهي على مشارف الأربعين، فخوفها يزداد من التغييرات الفسيولوجية التي تبدأ بالظهور مع قوة تفكيرها واتزانه، ومع إدراكها قيمة الحياة، وهي في قمة النضج التكويني الذي يبدأ بالتراجع.
ترجم معن عاقل رواية "امرأة عند حافة الأربعين" وعاش أحداث ما كتبته فرنسواز ساغان في معان اخترقت عمق أحاسيس المرأة في عمر جعلها تقترب من الانهيار بعد قلق جعلها تخوض غمار الماضي، لتناقش مع نفسها أخطاء حب عاشته "وهي تعبر بصعوبة من طور الصبية اليانعة إلى طور المرأة الناضجة" لكن الفراغ يجعلنا نشعر كأننا لا نمتلك جاذبية الصبا، بينما عكس ذلك هو الصحيح، فهي خطأ السلوكيات الاجتماعية المكتسبة التي تجعلنا نخسر المعادلة الحقيقية للحياة.
استطاعت فرنسواز إبراز خوف المرأة في تعبير متماسك، وتصوير يدل على فهم دقيق لواقع المرأة في هذا العمر الذي يمثل اليأس، أو بالأصح بداية عقلانية المرأة، ومعرفة عميقة بنفسها وبالآخرين، لنبدأ الرواية مع بول وهي" تتأمل وجهها في المرآة، وتتفحص الإخفاقات المتراكمة عليه طوال تسعة وثلاثين عاما، إخفاقا إثر إخفاق، دون أن يخالجها أي أثر للخوف أو النكد المألوفين في هذه الحال، إنما بهدوء يكاد لا يلحظ كما لو أن البشرة الباردة التي تشدها بين إصبعيها أحيانا، لتستوضح تغصنا وتبرز ظلا "وكأنها تتفقد جمالها وهي تصارع أفكارها فتتساءل:" أية صورة عن الشباب يضعها الناس في الأربعين من عمرهم؟"
تركت فرنسواز المساحة الذهنية عند القارئ مفتوحة، كما وضعت الفكرة الرئيسية في لغة سردية متماسكة، ونقطة متحركة هي بول، لنتحرك معها في مشاهد حسية مترابطة أخرجتها فنيا بجاذبية امرأة أربعينية ناضجة، تحاور نفسها عن علاقتها بشاب يصغرها، لتنفي المكان، وتكرر الزمان في كل تفاصيله من فصول وأيام وسنين وساعات، بل حتى ثواني" وكأن الزمن حيوان رخو ينبغي ضغطه"
لم أستطع تتبع الشخصيات الرئيسية كما تتبعت بول، لأنها جعلتني أشعر بالفهم العميق لأحاسيس امرأة تشعر بضآلة عمر بدأ ينكمش، ويضيق عليها، كأنها في قلب معركة تحدد مصيرها، وفي كل لحظة تشعر بالسقوط صريعة في تحديد أهداف المستقبل، فالجوانب الفنية في الرواية تتنوع مع الوصف تاركة بصمة أنثوية، ما زالت الحياة تنضح من أعماقها.
بول أغرقتنا بتفاصيل علاقة تسترجع ماضيها، وتعيش حاضرها، وتخاف من مستقبلها، لتتلاشى احتياجاتها خارج الزمن الذي تجمعه في المكان عند الخيانة فقط، وكأن الخيانة لها زمانها ومكانها، والحب لا مكان له، إنما زمن مفتوح نحو كل الأمكنة، وربما يكون المكان هو الذكريات" لكن ينبغي لهذه الخيانات ألا تنحصر في الزمان والمكان".
فعل وقول في لغة سردية ذات تعابير زمنية تطرقت فيها إلى الماضي وعدد السنين، والساعات والثواني، حتى شكل بول ولباسها، وكل تفاصيلها الدقيقة التي تجعل العمل الفني ذا إخراج سينمائي قادر على جعلنا رؤية المشاهد الحسية التي تربط كل شخصية بالأخرى من خلال تناقضات أمسكت بول بها " دخلت الحمام، انحنت لتلمس الماء في المغطس، فذكرتها هذه الحركة فجأة بأخرى حدثت قبل خمسة عشر، كانت بصحبة مارك يقضيان عطلتهما معا للسنة الثانية" فساورها إحساس حينئذ بأن كل ذلك لا يمكن أن يدوم، هي بدأت بملامح الذكريات لتنتقل بمراحل ذكرياتها كلها عبر الزمن قبل أن تبدأ بالتحضير للانتقال إلى علاقة آمنة تجعلها تنتصر على اليأس من الانتظار المحزن كل ليلة، فتتعلق بشاب يصغرها أعواماً حين التقته، فسألها عن عمر تضعه في دائرة محصورة بألف علامة تعجب" إنه نوع من الأسئلة التي دأب الفتية على طرحها عليها عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها." استطاعت فرنسواز تجسيد ما تشعر به المرأة فعلا في عمر يفصلها عن الأزمنة، ويجعل من تفكيرها يتجه نحو المنطق رغم أحاسيسها الناضجة التي تجعلها بقيمة جمالية عالية من أحاسيس زكية ، وعقل، وفهم، وتحليل، وحنان تحتاج أن ترتوي منه، كلما أحست بالوحدة والفراغ..
وصف حواري، ودلالات معنوية وإيحائية قدمتها بتفاعل أثرى الوجدان عند القراء، فجعله يعالج معها شخصية بول التي تعاني من تذبذب يحزنها، ويجعلها في قصة حب ترفض أن تغادرها، كما ترفض البقاء فيها، فعالم بول الداخلي هو عالم كل امرأة تعاني من صراع الذات في انعكاس روائي تحليلي يقنعنا بأن وضع المرأة لا يختلف عن وضع الرجل، لكنه يتجاوز كل ذلك بالكبرياء، بينما هي تخضع للمتغيرات الحسية والفيزيولوجية للزمن.
يقول ابن كثير في تفسير آية قرآنية" ابن الأربعين لا يتغير غالبا عما يكون عليه، يتناهى العقل، ويكمل الفهم والحلم، وتقوى الحجة، وليس أدل على ذلك من أن الأنبياء بعثوا إلى أقوامهم بالرسالة بعد بلوغهم الأربعين."
استطاعت ساغان خلق تدرج تعبيري في روايتها مع نقطة بداية انطلقت منها، وعادت إلى بداية النهاية كأنها في دورة العمر، وقفت عند سن الأربعين، لترضى بالواقع من خلال فهم المستوى النفسي لاحتياجات المرأة حين" اعترتها للحظة رغبة في أن تهتم بأمره، لأنه بالضبط فتى من النوع الذي يستثير مشاعر الأمومة لدى امرأة في سنها."
يحمل العنوان إيحاءات بالمخاوف المنتظرة عند حافة أو طرف، وكأن العنوان ينقسم إلى قسمين، أو مرحلة انتقالية من إلى، يتخللها نقطة هي حافة الأربعين التي تخيف الكثير من النساء، أو بالأصح الكثير من الشابات اللواتي يتساءلن:" أية صورة عن الشباب يصنعها الناس في الأربعين من عمرهم؟" فالعنوان رمزي، لكنه تعبير اخترق معاني الرواية، واستطاع إيصال مفهوم المحتوى قبل القراءة، لكن تبقى قوة السرد التي استطاعت جذب القارئ، ليكملها حتى آخر حرف بعد التخلي عن سيمون لأسباب نفسية جعلتها ترفض الحب لشاب يصغرها أعواما، لتصرخ مستسلمة سيمون: إنني عجوز الآن، عجوز.. عجوز...عجوز ..
Doha EL Mol