تقنية الصورة وإبداع العين في التقاط الحركة الزمنية

ضحى عبدالرؤوف المل

نخطئ لو اعتقدنا أن الصورة الفوتوغرافية هي مجرد التقاط آلة تعكس الصور، دون الاهتمام بالنواحي الجمالية القادرة على تخصيص ظهور عناصر تعتبر بمثابة رسالة زمنية نحتفظ بها. لكن ما يحدث الآن هو تلاعب خطير بالصورة الإعلامية دون الاهتمام بدورها المهم ثقافيًا في الحياة كتاريخ له ماضٍ وحاضر. فاللحظة الزمنية الملتقطة في الصورة تحتفظ بالحدث دون مواربة، ولكن يمكن تجميل المنظر المتسع بعد وضعه داخل مساحة أصغر تهدف إلى جمع كل العناصر ضمن إطار إبداعي يجذب عين المشاهد ويتسم بالوعي الجمالي الهادف والبناء.

يقول الدكتور مصيب محمد الجاسم: "تستطيع الصورة الفنية أن تحكي أكثر من شهرزاد." ويقول أيضًا: "قطعًا، الظل والضوء قادران على تحريك مشاعر أصلب البشر." فالحكاية في كتاب "تحولات بيروت" هي مقارنة الماضي مع الحاضر، لنتفادى الأخطاء في المستقبل. لأن تناقضات المدينة خلقت عند "سامر معضاد" تعددًا في الرؤية، لكنه جمعها في صور وضعها في كتاب يشبه الرواية الفوتوغرافية في فصول تعريفية، وصور حددها زمنياً. يقول "سامر معضاد" في كتابه: "كنت أعلم منذ البداية أنه سيأتي يوم أحكي فيه قصة هذه المدينة التي أنظر لها نظرة قريبة وبعيدة في الوقت ذاته." فهل تحكي الصور الفوتوغرافية فعلاً حكاية الحرب والسلم في لبنان من سنة 1985 وحتى 2012؟

كتاب "تحولات بيروت" للمصور الفوتوغرافي "سامر معضاد" هو كتاب دفعني للتأمل في كل صورة فيه بتمعن. فالتحولات الزمنية الحقيقية هي تلك التي تحدث من خلال عين كاميرا تفتش عن المواجع والأفراح، عن البيئة الاجتماعية بكل تفاصيلها، عن تفرد العين التصويرية القادرة على رصد كل حدث والتقاط المعالم التي تبقى ضمن ذاكرة فوتوغرافية تحتفظ بعمق المضمون البصري لحالة إنسانية أو اجتماعية. كما تعتمد على قراءة البيئة في الصورة الملتقطة التي تجذب اهتمام المشاهد، لتخلق الحوار والمقارنة المرتبطة بين زمن وزمن، فنتساءل: هل نتشابه زمنياً مع فارق تقني؟

عنوان يتناسب مع مضمون كل صورة، لكن بعض المقارنات الفوتوغرافية هي تحولات حقيقية قلبت المقاييس من يد تحمل السلاح إلى يد تحمل عدسة ضوئية، تلتقط ما يعانيه الشعب من حمل السلاح. وهذه ليست مجرد معايير تقنية لالتقاط صورة، إنما هي حكاية مدينة تحولت من الدمار إلى البنيان، ومن الأبيض والأسود إلى الملون. فالصورة مرآة للأفكار والرؤى التي تستطيع تجسيد التحولات الأساسية التي تطرأ علينا قبل الآخرين، فكيف بتحولات مدينة بيروت؟

فصول تعريفية مع فصول زمنية، أنتجت حكاية حملت تاريخًا مقروءًا بصريًا، لتبقى في الذاكرة لفترة زمنية مستقبلية كي لا نعيد إنتاج حرب أخرى تجعل من لبنان كتابًا ممزقًا يحمل غلافه صورة الدمار في ساحة الشهداء. بينما يحمل كتاب "تحولات بيروت" غلافًا ميلودراميًا تباينت ألوانه، وعلاقات مترابطة بين الكتل والعناصر المركبة في صورة تعج بلقطات قريبة وبعيدة، متسعة وضيقة، مما زاد الإحساس بحدة الحركة ما بين رفع الأعلام وطفل من الزمن الماضي يترقب الزمن القادم.

الصورة الأولى في الكتاب تتحدث عن مجتمع يذكرنا به، وهو التعايش المحبب. فخطوة السيدة تتوافق مع خطوة الطفل الممسك بيدها، واضعًا الهدف أمام المركز البصري للمشاهد مع ألوان شديدة الشفافية، تبرز الضوء وغموضه في الوقت نفسه، وكأنه يضع بصمات العين على عناصر يريد منا الاهتمام بها والتركيز عليها، مما يضفي بعض الغموض على الإحساس بالزمن، والفوارق الاجتماعية التي بدأ بها الكتاب.

صور تدفعك للمقارنة رغماً عنك وضعت في فترة زمنية 1985-1987، وهي فترة بعد بداية الحرب اللبنانية بقليل. نشاهد فيها الدمار والخيم المسكونة من قبل مهجرين فقدوا منازلهم، كما يحدث الآن في سوريا التي تعيد ذاكرة الماضي للبنان. فهل تتكرر الأحداث المأساوية من حروب وما إلى ذلك؟

تميزت صور هذه الفترة بالأبيض والأسود، وإظهار نقاط القوة والضعف في الالتقاط السريع، وهذا ما جعلها قابلة للتأثير، وكأن سلبية الأحداث انعكست على إيجابية الصورة، لنحصل في النهاية على ذكريات عنوانها الدمار قبل أن نقلب الصفحة ونبدأ بالطموح مع فترة زمنية جديدة تبدأ من 1988-1993. في هذه المرحلة، فتح الزوايا وخفف من حدة اللون، مظهرًا الفترة الزمنية وما حصد منها لبنان في صورة شاب يحمل السلاح، ومن خلفه يظهر رجل مصاب يتكىء على عصاه، كأنه يخبرنا بحصاد الحرب في هذه الفترة. فالصورة مريحة للعين وبسيطة، لكنها تحرك المشاعر والأحاسيس المؤلمة الناتجة عن رؤية حصاد الحرب. فهي تتميز بقوة التعبير لأنها ساعدت على إبراز الأمامية بنفس مستوى الخلفية مع تخفيف حدة اللون، فالنظر تسابق ليقارن بين من حمل السلاح وبين من يتكىء على عصاه، كما حملت بقية الصور في هذه الفترة نفس المعايير مع الإيحاء بالمتناقضات، وإرشاد العين نحو الهدف الذي يريد منا "سامر معضاد" رؤيته لنفهم الحكاية.

في الفترة الزمنية 1993-2003، فترة متناقضات ذات مناظر، نقل تفاصيلها وفق صور متسعة الزوايا تجعل لرؤية الوسط مدلولاً تقنيًا يختزل الحدث، ويولد الانسجام المتوازن ليجذب اهتمام المشاهد لبؤرة تفاصيل تظهر الفروقات التي بدأت تظهر في تلك الفترة والمعاناة بين الحرب والسلم. بين امرأة تلتقط مظلتها وامرأة تسعى لتأمين الاحتياجات، ومرحلة الانتقال من الخراب إلى العمران، وهي الفترة الانتقالية أو الفترة الحريرية، وهذا ما يشعر به فعلاً من ينظر إلى الصور بأبعادها التكوينية المتساوية في الظلام والنور تبعًا لالتقاط الحدث.

في الفترة بين 2004-2012، بدأت الألوان تظهر والكثافة في العناصر داخل الصور التي تعج بالحركة والتركيز على المشاكل الاجتماعية من الصور الإعلانية على الطرقات، ومشكلات السير مع الشاحنات وما رافقها من حوادث مؤلمة، والإعاقة الناتجة عن الحرب، الفقر والغنى، مشكلات الشباب، وظهور تيارات دينية سلفية، والعودة إلى المظاهرات دون أن ينسى أهمية العديد من الأماكن حول وسط بيروت، والتي شهدت امتلأت بالمتناقضات مع تقنية رقمية أظهرها وأخرجها من إطارها القديم في الصفحات الأخيرة.

بالنهاية، أقول: حكاية فوتوغرافية اقتربت من الرواية عن أحداث مر بها لبنان، إلا أنه لا وجود لصور جثث أو موت. فالكتاب يبرز ثقافة "سامر معضاد" وفهمه لقدراته الذاتية التي استطاع من خلالها إبراز المحور الأساسي لهدفه من الكتاب مع ميزات تقنية لها مفاهيمها الفوتوغرافية من حيث المضمون والإتقان، وتجميد المشهد في لحظة معينة رصد فيها قوة الحرب وتأثر الشعب بها، مظهرًا تخوفه من تحولات أخرى في مدينة بيروت.

برؤية أخرى تتجاوز الصورة الفوتوغرافية كونها مجرد لحظة موثقة؛ إنها تعبير عن رؤية فنية وواقعية في آن واحد. من خلال العدسة، يمكن للمصور أن ينقل مشاعر وأفكار عميقة، معبرًا عن التجارب الإنسانية والبيئات المختلفة. سنستعرض هنا بعض الجوانب الفنية والجمالية للصورة، مع التركيز على التأثير البصري والانطباع الذي تتركه في نفس المشاهد.

يعتبر التكوين أحد العناصر الأساسية في الصورة الفوتوغرافية. يحدد كيفية تنظيم العناصر داخل الإطار. يمكن استخدام قواعد مثل قاعدة الأثلاث أو الخطوط المتناهية لتوجيه نظر المشاهد وتعزيز تأثير الصورة. على سبيل المثال، يمكن للصورة التي تحتوي على عنصر مركزي واضح أن تركز الانتباه وتخلق تأثيرًا دراميًا. كما أن توزيع العناصر بشكل متوازن يمنح المشهد إحساسًا بالانسجام.

تلعب الإضاءة دورًا حاسمًا في تشكيل الصورة. يمكن للإضاءة القوية أن تبرز التفاصيل وتخلق ظلالًا مثيرة، مما يضيف عمقًا وبعدًا إضافيًا للصورة. من جهة أخرى، يمكن للإضاءة الخافتة أن تخلق أجواءً من الغموض أو الحميمية. تكمن القدرة الفوتوغرافية في استغلال الإضاءة لتحقيق التأثير المطلوب، مما يسهم في تعزيز الرسالة التي يرغب المصور في إيصالها.

تؤثر الألوان بشكل كبير على المشاعر والانطباعات. يمكن أن تثير الألوان الزاهية مشاعر الفرح والحيوية، بينما يمكن أن تنقل الألوان الداكنة مشاعر الحزن أو التوتر. التباين بين الألوان، سواء في الخلفية أو في العناصر المكونة للصورة، يمكن أن يعزز التركيز ويجذب العين. استخدام الألوان بشكل مدروس يمكن أن يحوّل الصورة إلى تجربة بصرية غنية ومتنوعة.

يمثل الموضوع قلب الصورة. سواء كان ذلك مشهدًا طبيعيًا، أو لحظة إنسانية، أو تجسيدًا لمفهوم مجتمعي، يلعب الموضوع دورًا في نقل الرسالة. يضيف السياق التاريخي والثقافي عمقًا للصورة، مما يمكن المشاهد من التفاعل مع المحتوى بشكل أكثر معنى. الصور التي تتناول مواضيع اجتماعية أو سياسية تحمل قوة أكبر، حيث تستطيع أن تعكس قضايا إنسانية معقدة وتدفع المشاهد للتفكير.

يمكن للصورة أن تنقل إحساسًا بالزمن أو الحركة، مما يعزز التجربة البصرية. يمكن تصوير لحظات متسارعة أو مشاهد هادئة لتوفير تباين بين الحركة والسكون. الصور التي تُظهر الحركة تعكس ديناميكية الحياة، بينما الصور الثابتة تعكس اللحظات الحميمة والتأمل. القدرة على التقاط تلك اللحظات تتطلب حِرفية ودقة.

تمثل الصورة الفوتوغرافية أداة قوية للتعبير الفني، تجمع بين الجوانب التقنية والفنية. من خلال التكوين، والإضاءة، والألوان، والمحتوى، يمكن للمصور أن يخلق تجربة بصرية غنية وذات معنى. إن الانطباع الذي تتركه الصورة يعتمد على قدرة المصور على نقل رؤيته الخاصة، مما يجعل كل صورة تجسيدًا فنيًا فريدًا يعكس جزءًا من الإنسانية وتجارب الحياة.

يُعتبر سامر معضاد من أبرز المصورين الفوتوغرافيين الذين استطاعوا دمج الفن بالتوثيق، خاصة في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية في لبنان. تقدم أعماله رؤية عميقة للمجتمع اللبناني، مستعرضة التناقضات بين الماضي والحاضر من خلال عدسة فنية دقيقة.

يتسم أسلوب معضاد في التصوير بالتوازن والتنظيم المدروس للعناصر داخل الإطار. غالبًا ما يستخدم قاعدة الأثلاث لتوجيه الانتباه نحو العناصر الأساسية في الصورة، مما يعزز من تأثير الرسالة المراد إيصالها. تكويناته تجمع بين العناصر الحضرية والطبيعية، مما يخلق تباينًا بصريًا يتحدث عن الهوية الثقافية للبنان.

تعتبر الإضاءة عنصرًا محوريًا في أعمال معضاد، حيث يستخدمها بمهارة لخلق دراما بصرية. الضوء والظل يساهمان في تشكيل الأجواء، مما يضيف عمقًا وحيوية للصور. من خلال اللعب بالإضاءة، يستطيع معضاد أن يبرز المشاعر الإنسانية ويعكس حالة المكان.

تستخدم ألوان معضاد بشكل استراتيجي؛ حيث يمزج بين الألوان الزاهية والألوان الداكنة لتجسيد المشاعر المتناقضة. الصور التي تعتمد على تباين الألوان تضيف طابعًا ديناميكيًا، مما يجعلها أكثر جاذبية وتأثيرًا. الألوان لا تعكس فقط الواقع، بل تعزز التجربة العاطفية للمشاهد.

تتناول أعمال سامر معضاد مواضيع إنسانية واجتماعية عميقة. يبرز من خلال تصويره معاناة الناس وأفراحهم، ويعكس التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها لبنان. رسالته ليست فقط توثيقية، بل تتجاوز ذلك لتفتح نقاشًا حول الهوية والانتماء، مما يجعل المشاهد يتفاعل بشكل أعمق مع الصورة.

تجسد صور معضاد الإحساس بالحركة والديناميكية، حيث يشعر المشاهد وكأنه يعيش اللحظة المعاشة. تنقل صور الحياة اليومية والمواقف الإنسانية إحساسًا بالزمن وتدفق الأحداث، مما يجعل الصور ليست فقط مشاهد ثابتة، بل حكايات متكاملة.

يمكن القول إن فن سامر معضاد يمثل تجسيدًا للروح اللبنانية، حيث يجمع بين الدقة الفنية والرؤية الإنسانية. من خلال أعماله، يقدم مشهدًا متكاملًا يجمع بين الجمال الفني والواقع الاجتماعي، مما يجعله واحدًا من أبرز المصورين الذين استطاعوا التأثير في المشهد الفوتوغرافي المعاصر. تعكس صور معضاد عمق التجربة الإنسانية وتنوعها، مما يجعلها غنية بالمعاني والدلالات.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com