قبلة من هجير

ضحى عبدالرؤوف المل

تساقط الثلج ليلتها في كل أنحاء المدينة الغافية، والبرد أصبح شديداً، فانخفاض درجات الحرارة بدا ظاهراً من مداخن المدافئ المشتعلة في البيوت، وكأن المدينة يلفها ضباب أنفاس كآبة مخنوقة داخل الصدور، ولهيب الثلوج المتراكم في الطرقات.

غمر يدها في باطن كفّيه، وكأنه يبعث الدفء في شرايينها، بل يحاول أن يبثّها الحب قبل أن ترحل صباحاً حاملة معها حقيبة ذكرياتها، وتطير رافعة جانحي الزمن، وهي تنفض عن المكان وجودها، وعن جسدها تلك القبلات التي بقيت عالقة في روح ترفرف دائماً، معلنة الرحيل في كل محطة باردة عاشت فيها قصة حب تعيدها إلى وجه افتقدته دائماً.

تجمعت الثلوج وتراكمت، وحوّلها برد الليل إلى جليد قاسٍ. أزرار قميصها الرمادي مفتوحة، تظهر الصدر الجميل وتلك القلادة التي ترتديها منذ عرفها أول مرة، وهي تزور عيادته النفسية. أمسكت بتنورة قصيرة وهو يتأملها، والدمعة حبيسة في عينيه. كأن الروح تغادر الجسد في هجير يوم تاريخي، فأصابع قدميها تشير إلى توترها النفسي، وكبت تخفيه عنه كي لا يشعر بضعفها، وهو من اختار البقاء مع مرضاه ومع زوجة اختارها لبناء أُسرة فقط، بعد أن فقد أي إحساس بالحب.

أحسّ بقوة حبّها، وأصابع قدميها مشدودة على بعض، وهي تتنقل أمامه كعصفورة سترحل للبعيد. أشعلت سيكارتها الرفيعة وهي ترتب حقيبة سفرها. أمسكت بيدها إطار لوحة سداسية فارغة من أية صورة. سألها مستغرباً: لماذا تضعين الإطار فارغاً من أية صورة؟ أين صورتنا معاً؟

ضحكت بصوت عالٍ وكأنها تبكي اللحظة الأخيرة قبل أن تنطلق دون أن تنظر للخلف، لتحيا الآن في كل لحظة جعلتها تخسر قلباً أحبّها.

لا أحتاج لصورتنا معاً، فصورتنا في ذاكرتي ستبقى، متى أريدها أستحضرها، والإطار لأضع فيه صورة أخرى أحملها معي كل مرة حيث أكون.

تجمعت الغيوم، والفجر يشق وجه السماء، فالصورة من النافذة الكبيرة في ذاك البيت الجبلي البعيد تتماهى بألوان عينيها قبل أن يبدأ الصباح. ارتمت على صدره وهي تمسك بربطة العنق التي تحبها لتربطها له، لترحل إلى المحطة الأخيرة في وطنها الحقيقي.

تعالي إليّ...

رمقته والأهداب السوداء كأنها سنونو مغادر في سمائه التي امتلأت برحيل نساء لم يشعر معهن كما يشعر الآن، كأنه يموت في حرب كان يخافها. فالجثث من حوله تخيفه، وهي تتناثر، والموت يأخذ كل من يُحب، لكن الحياة كانت أقوى من أي هيكل عظمي مرّ من قربه في تلك الحرب الباردة التي عاشتها بلاده قبل أن يصبح طبيباً.

شدّها إليه بقوة، أفلتت منه وأمسكت برغيف خبز وضعته على المدفأة، وبدأت بتحضير كوبين من الحليب، فالصبح بدأ يتنفس بعد أن هدأت العاصفة الثلجية في الخارج، لتبدأ عاصفة الحزن في قلبه لرحيلها.

رائحة رغيف الخبز ملأت حواسه، تذكّر أرغفة الخبز وهو طفل يمسك بثوب أمه، وهي تحضّرها في كوخ صغير يشبه هذا البيت حيث الهررة تموء من برد الشتاء. فالذكريات لا تغادرنا مهما حاولنا النسيان.

كم تشبهين أمي... وأنت تمسكين بكوب الحليب ورغيف الخبز الساخن، تمالكت نفسها ولم تحرك شفتيها، بل أمسكت بحبال الصمت في ثواني اللحظات الأخيرة قبل أن تلامس شفتاها الكوب، وهو يتأملها. نظرت إليه بصمت مخيف، وعيناها مثقلتان بالعتب والأسى، قالت: لماذا علّمتني الحب؟

وقفا والحزن يبكي دمعة اختبأت خلف جفن الرحيل، وهما شاردان على مقربة من الباب، قبل أن ينطلقا في سيارته الصغيرة التي جمعته بها مرات ومرات، والعيون تحمل تفاصيل كل لحظة مضت. كأن كل شيء مات أصبح حياً، فالجليد في الخارج كأنه مرايا ذكريات تتكسر وتذوب قبل أن يظهر الربيع فاتحاً يديه مستبشراً بقصة حب جديدة يعيشها كل منهما.

امتلأ المكان بعبق الرحيل، وهو يفكّ ربطة عنقه لتسمح له بمرور هواء بدا كأنه يمتنع عن الدخول لرئتيه. فتح لها باب السيارة لتدخل وتجلس قربه في صمت، وهي تلملم شعرها وترفعه للخلف كما كانت تفعل كل مرة. ارتفعت الشمس قليلاً عند الضحى وهما وسط زحام المدينة.

دنت منه ورسمت قبلة على خده، قبل أن تنطلق إلى محطة القطار دون أن تنظر إلى الخلف نظرة تجعلها تندم على الرحيل.

نظر إليها وصورة زوجته وأولاده تتراءى أمامه، ليمسك نفسه من اللحاق بها، فهي تسكن فيه إلى الأبد...

لحظات عاشها ولن ينساها، لكنها زرعت على خده قبلة من هجير...

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://www.azzaman.com/%D8%B2%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D9%80-%D9%82%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%B1-%D9%80-%D8%B6%D8%AD%D9%89-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%88/