حلوة وكذابة
ضحى عبدالرؤوف المل
يتطلب السيناريو الكوميدي الاجتماعي تدفقًا خصبًا قادرًا على تقديم الحلول الإنسانية والاجتماعية من خلال كتابة حوار هزلي بناء، وهذا يتطلب مهارة عالية، لتصبح المادة المرئية ذات أهداف وظيفية قيمة، ليتنفس المتفرج المأزوم معيشياً، ويبتعد عن الإحباطات النفسية، فيستمتع فنياً بما يتلقاه تلفزيونياً. إلا أن "كارين رزق الله" تركت للفكرة المستمدة من المسلسل التركي "أسميتها فريحة" أن تتشعب لتصبح لبنانية مع عائلة ضومط (جورج دياب) والأم بديعة (مارسيل مارينا). فبراعة جورج دياب بالأداء التمثيلي كانت بمثابة إطار حافظ على تماسك المسلسل نوعًا ما. فداليدا (داليدا خليل) لم تحاول إضحاك المشاهدين رغم ما وضعته "كارين رزق الله" في المسلسل. لكن استطاع الأطفال إبراز العفوية في الأداء أحيانًا.
إن الأكاذيب المنسوجة في المسلسل غالبًا ما تكون موجهة لشخصية تستطيع التقاط الصورة من المعنى، لتجسد الشخصية بقدرة تحمل وكفاءة عالية. لكن اللغة المحكية اللبنانية والخروج من نمط العائلات اللبنانية الأرستقراطية أعطى نكهة متواضعة أحبها المشاهد، رغم أنها لم تقنعه تمامًا. فالفنان اللبناني ما زال يحتاج لفن إخراجي يضعه في صورة عالمية أو على الأقل داخل إطار عربي شامل، لتراه العين وتسمعه الأذن، وتستقبله الحواس بقناعة، بدون أن يلجأ إلى تتبع الأحداث من خلال الدعاية الإعلامية للمسلسل فقط.
لعل المخرج السوري "سيف شيخ نجيب" استطاع إبراز عائلة ضومط بتقنية جعلتنا نشعر بالحيوية والعفوية التمثيلية الجميلة للممثلين (جورج دياب ومارسيل مارينا)، ليحث المشاهد على المتابعة، أو ليجعلهم نقطة القوة التي جعلت النوع الكوميدي يرسم الضحكة الممزوجة مع الألم على وجه "جورج دياب"، والتي وصلتنا على نحو جعلنا نلتقط الفكرة ومضمونها وما أرادته "كارين رزق الله" الوصول إليه من خلال كتابتها لسيناريو يحاكي الواقع نوعًا ما. لأن محاكاتها للمتلقي كانت ترتكز على واقع الفن وما يعيشه الفنان حياتيًا، متناسية أن الواقع الفني بات يعصف بالفنان وما يعانيه من إرهاق في تأمين قوت يومه، مظهرة فقط الفنان المشهور أو بالأخص المغني النجم، وما يحياه النجوم من مغامرات عاطفية تحت الكواليس.
ما نتمناه من "كارين رزق الله" في حال متابعة محاولتها تقديم سيناريوهات كوميدية، هو أن تتقن صقل موهبتها الأدبية، وأن تحاول إيجاد قواسم مشتركة تربط الواقع مع المتخيل الفني، مع حبكة متماسكة وقوية لا تقف عند كذبة التقطتها من مسلسل تركي، لترسم لنا شخصية تناسبها هي. فنحن نحتاج إلى تقديم كوميديا اجتماعية تحافظ على جمال الشكل البصري، والحوارات الكوميدية، داخل المشهد المضحك، ولكن دون أن ننسى النقد اللاذع للوضع الاجتماعي العام الذي تعيشه كافة شرائح المجتمع.
تكرار التفاصيل في أكثر من جانب، اعتمدت على إطالة المدة الزمنية للمسلسل، مما جعل المشاهد يتأرجح في حضور الحلقات كلها. فالاستخفاف بذوق المشاهد لا تبرير له، ولا تحكمه حوارات تركت حواس المشاهد بعيدة عن الأحداث الحقيقية، وحرفية كاميرا لم تستطع التقاط حركة وتتبعها في أكثر المشاهد، لنفقد تذوق جمال رؤية بصرية تتوازن مع الحواس، وهذا لا يحتاج إلا لعين تستطيع رسم صورة عالية الجودة جماليًا، وحركة تضفي على المشاهد الحس الوجداني، ليشعر برؤية بصرية متكاملة العناصر تقريبًا.
سيناريو لم يُكتب بحرفية أدبية وفنية عالية، فالقصة التي اعتمدتها "كارين" كانت تحتاج لقوة أداء، وهذا لا يحتاج لميزانية إنتاجية كبيرة، إنما يحتاج لفنان يستطيع توصيل الأداء التمثيلي من خلال الحركة والتعبير والإيحاء، بدون ابتذال مثل الفنان "جورج دياب" الممتع فنياً، والزاخر بالقدرة الكوميدية والتراجيدية، وهذا منحنا متعة فنية بمتابعته.
في مسلسل "حلوة وكذابة"، لم تغادرنا علامات التعجب في كل حلقة لم تأسرنا في نهايتها، لتجعلنا في رغبة لمتابعة الحلقة الأخرى. لكن ما زال الأمل يكبر للوصول إلى كوميديا اجتماعية لبنانية تحمل مزايا ومواصفات متينة قادرة على الوصول إلى الشاشات العربية، خصوصًا حين نرى قدرة بعض الوجوه القديرة التي تحافظ على المعنى الحقيقي لفن التمثيل، أمثال: جورج دياب، مارسيل مارينا، وداد جبور، وجناح فاخوري.
برؤية أخرى المسلسل "حلوة وكذابة" يعكس واقعًا اجتماعيًا معاصرًا في لبنان، متناولًا قضايا إنسانية متنوعة من خلال قالب كوميدي. يبرز السيناريو تفاعلات العائلة والعلاقات الاجتماعية، مما يجعله يعكس صورة حقيقية لمجتمع يعاني من الضغوطات الحياتية، ولكن يسعى للفرار من واقعها من خلال الضحك.
تتجلى الشخصيات الرئيسية، مثل عائلة ضومط، بشكل واضح، حيث تمثل كل شخصية وجهة نظر مختلفة حول الحياة. تتصارع الشخصيات مع أكاذيبها وأحلامها، مما يخلق حالة من التوتر الدرامي الذي يسهم في جذب المشاهد. هناك صراع بين المثالية والواقع، حيث يحاول الأفراد التظاهر بعيش حياة أفضل مما هي عليه.
إخراج "سيف شيخ نجيب" يتميز بالقدرة على توظيف التقنيات الحديثة في التصوير، مما يضفي روحًا حيوية على المشاهد. استخدام الكاميرا القريبة يتيح للمشاهد أن يتفاعل مع المشاعر الحقيقية للشخصيات، مما يعزز الانغماس في القصة. كما أن تنوع زوايا الكاميرا يساعد في إبراز الديناميكية بين الشخصيات.
الحوارات تتميز بخفة الدم والطابع اليومي، مما يسهل التواصل مع الجمهور. هناك توازن بين الكوميديا والدراما، حيث تُستخدم النكات والعبارات الفكاهية لإضفاء جو من المرح، بينما لا تغيب الجوانب الجادة عن المشهد. اللغة المحكية اللبنانية تعزز الأصالة، مما يجعل القصة أكثر قربًا من الجمهور.
تعبيرات الوجه وحركات الجسد تعكس بوضوح المشاعر الداخلية للشخصيات. مثلاً، أداء جورج دياب يجسد الصراع الداخلي بين الضحك والدموع، مما يعكس قدرة الفنان على إيصال المضمون بطريقة مؤثرة. المشاهد التي تركز على التفاصيل الصغيرة، مثل النظرات أو التعابير العابرة، تضفي عمقًا على العمل الفني.
على الرغم من وجود بعض الثغرات في السرد والزمن، إلا أن "حلوة وكذابة" يعتبر تجربة فنية ذات طابع جمالي يعكس الواقع اللبناني بشكل مبدع. المسلسل يمتلك القدرة على جذب المشاهدين من خلال مزيج من الفكاهة والدراما، مما يعكس أهمية الفن كوسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية. إن كانت هناك حاجة لتحسينات، فهي تتعلق بتعزيز الحبكة وتطوير الشخصيات بشكل أكثر عمقًا، لتصل الرسالة بشكل أعمق وأوضح.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com