فانتازيا ناطقة لونية بوجوه حيوانات هزيلة تتناقض داخل أجساد إنسانية.

ضحى عبدالرؤوف المل

يجبرنا الفنان السوري محمد عباس على التأمل في لوحات بألوان حيادية داكنة، تغرق في فانتازيا ناطقة لونية، بوجوه حيوانات هزيلة، تتناقض داخل أجساد إنسانية تتحول في مواقف غير اعتيادية إلى أشياء غير مفهومة للمتلقي. فيحاول فهم شيفرات مطموسة وجدانياً قرأناها في الأدب، ونحن أطفال على مقاعدنا الدراسية، ولمسناها في حياة رمزية تدفعنا حسياً، لنمزج لغة "كليلة ودمنة" مع لوحات الفنان محمد عباس.

تحرر إنساني يسعى إليه فكرياً من خلال لون رمادي فاتح وداكن، وأبيض مكتحل مع الأسود، وربما مع جرحة لون بسيطة يرمز إلى الأمل الضئيل في مواقف تجبر الفرشاة على استعمال اللون البرتقالي أو الأحمر. كما نجبر على الفكر على التفكر كي يرتقي من حيوانية إلى إنسانية، لكن هي مواقف هزيلة لأن الحركة تحتاج لبنية قوية. كما أن الحركة في لوحة محمد عباس تحتاج لضوء مكثف، وربما لو وضعناها تحت الشمس لأتجهت حيواناته المتقمصة لأجساد الإنسان إلى عزلتها خوفاً من مواجهة ضوء الحياة.

فراغات لونية قصيرة المدى لا محاكاة فيها. بل لغة فرشاة متعطشة للون ينبثق بين الحين والآخر من ربطة عنق أو أنف خنزير أو أذن أرنب، فهي لم تقف عند حدود لون انقطعت عنه، بل فتحت حدود اللوحة نحو حوارات تتميز ببرودة تمس اللوحة وسعة مساحتها. لنبدأ التصنيف بربط المعاني الدلالية والرمزية كالحمار والغباء، أو كالحمار والمناهج التعليمية التي تحتاج إلى فكر مستقبلي يتجدد، أو أرنب خائف تولد بيننا وبينه علاقة جدلية هزلية، وكأننا نسمع قصائد "لافونتين".

توظيف فنتازي في لوحات باردة لونية، وبسيطة اعتمدت على حكايا تراثية، وعلى اللون الواحد وتدرجاته المتعلقة بالوحدات الفنية والرمزية المتناقضة مع مخيلة دمجت الحيوان مع الإنسان، لتظهر الفكر الملوث اجتماعياً وسياسياً، والضعف الفردي المؤدي إلى سلبية قد تصل إلى التلاعب بالأحجام، وعدم توازنها داخل المساحة. وكأن المجتمع ما زال غير مؤهل ليرتقي ويخرج عن عادات اجتماعية وسياسية، وكأن الأغنام كالفرشاة لا تتخطى اللون الأحمر، بل تتركه يبرد بين الألوان الباردة التي اختارها، لترافق سرديات قصيرة تنتقد الوضع المعيشي لمجتمعات ما زالت تحت خط الفقر، وتعاني من الاضطهاد والحروب.

معرض محمد عباس هو انتقاد غير مباشر لأفكار مسلطة على الإنسان الهزيل، لتوسيع مدارك الوعي عند المتلقي، وتركه في بؤرة لون سلبي ينتظر شعلة من لون أحمر يتوهج بالحقيقة، وكأن محمد عباس يعاني من قهر وظلم جعله يستمد من حكايا ابن المقفع لوحات تنطق جمالياً بلغة معاكسة ونغمات حزينة ويائسة، لكنها تسعى إلى التعقل والتبصر، لنبتعد عن حيوانية تجعلنا لا نتساوى مع مستوى الإنسانية كمخلوقات تحيا في أحسن تقويم.

لوحات ذات دلالات اجتماعية تبحث عن حقوق الإنسان، من خلال مفردات كتل جامدة، وألوان سلبية بصرياً تستمد جمالها من فكاهة تدغدغ الحواس، ببراءة لها جوهرها الفني المستقل عن ما تنقله الريشة من واقع مرير أو فوضى اجتماعية مرتبكة، كأجساد خاوية ارتسمت في ذاكرة أخرجت شخوصها الإنسانية، واستبدلتها بأخرى حيوانية، لتحاكي الإيقاع والشكل واللون بلغة كرتونية تخرج محمد من عزلة استكملها بأبيض مفتوح في وجوه حيواناته الأليفة.

ريشة تهذي، وأسلوبية تعكس مزاج مخيلة تتمادى في صياغة غرائبية. تقتنص من الواقع الواعي ما تعيد تشكيله رمزياً وتعبيرياً، لتتجاوز إشكالية الكبت والقهر والظلم، وتتحرر من إنسانية ضعيفة، وتتجه نحو حيوانية تسعى لتأطير الحدس والإدراك، وفق دلالات لونية رمادية وخطوط مستقلة عن إيقاعات تنفي حركة الكائن المرتجف. بقدر ما تحتفظ بالعناصر التشكيلية الأخرى كالمساحة والشفافية، والتعبير الجدلي المرتبط بالأشكال العمودية، مظهراً سوء أناقة لحمار يرتدي بدلة مع ربطة عنق متخذاً من المستطيل كتلة تحريضية تعتصر الذهن، وتتركه في حالة من اللاوعي بين خطوط وألوان متوشحة بسواد تسيطر عليه موضوعية ذاتية يمنحها محمد عباس رؤية كرتونية، لكنها اقترنت بكليلة ودمنة. فلوحاته ذكرتني بحوار جاء فيه: قال كليلة: "كأنني بك يا دمنة تقول إن ليس فيهم رجل رشيد، وإن الأمة عقمت بطنها أن تلد من يسوسها أو يقودها."

برؤية أخرى يتناول النص تجربة فنية معاصرة للفنان محمد عباس، حيث تتداخل العناصر الحيوانية والإنسانية في لوحاته، مما يخلق تفاعلاً بين الرمزية والمعاني الاجتماعية والسياسية. يستعمل عباس ألواناً داكنة وحيادية لتعكس واقعاً معقداً مليئاً بالتحديات.

تظهر مشاعر الاغتراب والقهر في الأعمال الفنية، حيث يعبر الفنان عن صراعاته الداخلية من خلال تجسيد حيوانات بأشكال إنسانية. هذا المزج يعكس توترات نفسية عميقة ويتيح للمتلقي فرصة الانغماس في حالة من التفكير الذاتي.

يستخدم عباس تقنيات فنية تعزز من العمق الرمزي، مثل الفراغات اللونية التي تخلق أجواءً من الوحدة والعزلة. توظيفه للألوان يساهم في صياغة إيقاع بصري يوجه نظر المشاهد ويحفزه على التفكير في المعاني المحتملة.

تتميز اللوحات بتباين قوي بين الألوان الداكنة والفاتحة، مما يخلق تأثيراً بصرياً يجذب الانتباه. هذا التباين ليس فقط جمالياً بل يحمل دلالات عميقة تتعلق بالأمل واليأس، ويعكس ثنائية الحياة والموت، والفرح والحزن.الخطوط والأشكال المستخدمة تعكس حركية وتعبر عن مشاعر متضاربة. إن تعبيرية الأشكال الحيوانية تمثل حالة من الهزيمة أو الضعف، مما يحفز المتلقي على التفاعل مع العمل وفهم الرسالة الضمنية المتعلقة بحقوق الإنسان والوجود.

ينتج الإيقاع البصري من تكرار الأشكال والألوان، مما يخلق تناغماً أو تبايناً يتفاعل معه المتلقي. تتراوح الأعمال بين حركية ديناميكية وأخرى ثابتة، مما يساهم في تشكيل تجربة بصرية غنية تشجع على التأمل والتفكر.

تقدم أعمال محمد عباس تجربة فنية متكاملة تعكس الواقع الاجتماعي والنفسي، مستخدمة عناصر فنية وجمالية تعزز من الإيقاع البصري. يُعتبر هذا التداخل بين الحيواني والإنساني وسيلة فعالة لاستكشاف قضايا الوجود والحقوق الإنسانية، مما يجعل المشاهد ينغمس في تفكير عميق حول الحالة البشرية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com