التأملات الفنية الغارقة تشكيليًا بالمعالم الحياتية
ضحى عبدالرؤوف المل
تعتمد الفنانة التشكيلية "فخرية اليحيائية" في لوحاتها التشكيلية على الانعكاس الضوئي والبصري، وتجريد الواقع من مادته الرؤيوية الجافة، لتمنحه صفة فنية جمالية تتآلف فيها العناصر الفنية مع المتناقضات المرئية. محتفظة بذلك بالمعنى الموضوعي لفكرة فنية غير مألوفة تعكس من خلالها صورة الواقع، ولكن بلغة لونية تشتد ضوئها بين الألوان الفاتحة ذات الشفافية اللونية، المنفصلة عن معايير الانعكاسات التي تلعب دورًا مهمًا في تحقيق التعادل اللوني المنسجم مع الأشكال، والفراغات المؤثرة على خلق انفعالات حسية تتناسب مع جمالية التفاصيل وتكويناتها المغايرة، من حيث توزيع الضوء بما يتناسب مع درجة كل لون من حيث قيمته التكنيكية وسطوعه، وترابطه مع الخطوط وعلاقاتها الهندسية التي تخاطب الوجدان وتحاكي الحواس. ليشعر المتلقي بجمالية الرؤية الفنية في لوحات ذات وقفات موسيقية تختزل من خلالها "فخرية اليحائية" التأملات الفنية الغارقة تشكيليًا بالمعالم الحياتية.
تعادل القيمة التشكيلية في لوحات "فخرية اليحائية" قيمة الضوء من حيث التوزيع النسبي للأشكال، والألوان، والفراغات التي تتمتع بخصائص تأثيرية تتوازن فيها الأبعاد التي تنطوي على ملامح تكوينية، بوصفها حالات شكلانية تتجانس مع بعضها البعض، وتتنافر حركيًا لتشكل حوارات بين الكتلة والكتلة، وبين الفراغ والفراغ. مما يضفي على التعبيرات مرونة تجريدية تتناسب مع التعبير الإنساني المساعد في خلق جو من الانسجامات المرئية ذات المساحات التأليفية المسطحة لونيًا، حيث تتضافر المشاهد الإيهامية المبهمة التي تؤثر على الدلالات الفنية، والألوان ومدى انعكاساتها التفاعلية التي لا تخلو من الرموز التخيلية المؤدية إلى خلق أيديولوجيات إنسانية، اجتماعية تحمل في طياتها نفحة تصويرية ضوئية تثير البصر، وتدفع المتلقي إلى تأمل الفكرة المندمجة في المعاني الفنية.
تآلف بصري رصين المشهد يحقق بطبيعته حيوية تعتمد على الغموض في التشكيلات التي تتضمن المعاني الاجتماعية والإنسانية، فالخطوط الرئيسية تظهر وفق سيمترية تتشابه كنوتات لونية ذات فضاءات عشوائية. تتميز بقوتها الضوئية وتخيلاتها المستوحاة من البيئة والموضوعات المحيطة بنا، والمتلاحمة في تراثياتها العربية مع الرؤية الشرقية وومضاتها المتباينة، والشديدة الوضوح حيث تظهر الأشكال كتخيلات تتشكل تبعًا لأحاسيس الرائي. فكنه اللون الأبيض يتضاد مع البني، إلا أنه يتوازن في الرؤية معه حيث تظهر الكتل وفق أبعاد لونية مدروسة دقيقة بتبايناتها وتلقائيتها الحركية، لتكشف عن العمق الفني الممزوج بالموضوعية وجمالية التحاور، والتجاور، والسطوع، والهارمونية، فنشعر بتلاشي الألوان وضبابية الرؤية أحيانًا، لتوحي بالأبعاد المتناغمة داخليًا وخارجيًا، وكأنها تمتلك منظومة ضوئية تتشكل تبعًا لريشة ازدواجية في مقاييسها وأبعادها المؤدية إلى خلق رؤية تخيلية ذات واقع تجريدي. تنفتح تعبيراته على مساحات تتضمن امتيازات شاعرية تميل نحو الإنسانية.
أسلوب فني تشكيلي يتميز بهوية إنسانية تحمل من الواقع صفاته الحياتية المرسومة برمزية جردتها من زمكانية خاصة، ومنحتها صفة عامة. لتتيح بوعي ذي ترجمة فنية تشكيلية، مقروءة بصرية في أي زمان ومكان، فخاصية كل لوحة هي جزء من الفكرة التي تعالج بها المواضيع الساكنة في حياتنا اليومية التي نشاهدها أو نشعر بها أو ندركها بصريًا من خلال الاحتكاك بالبيئة والمحيط. لهذا نلامس في أطُر لوحاتها الفضاءات التأويلية المفتوحة على سيميائيات متعددة. إلا أن لوحاتها تفوح منها العاطفة، والعقلانية المتأججة مرئيًا والمتأرجحة بين الضوء والظل، والحركة والسكون حتى إنه في بعض الأحيان تبدو الخطى كإيقاع رتيب عميق بجدليته وتموجاته التخيلية التي تبدو كتصفيق نسمعه في الخطى الساعية نحو كسب قوت يومها، ولكن تركت اللون يترجم الأحاسيس المشتركة بينها وبين اللوحة والمتلقي.
ما بين المفاهيم الرياضية بين العلو والانخفاض تتطابق الأشكال، وتتماثل الخطوط لتبدو السيمترية كنغمة هندسية اندمجت مع كل لون تبعًا لموسيقاه أو تردداته الطولية أو درجاته الفاتحة والداكنة أو معايير الدمج اللوني، وديناميكيتها التي تتجلى على المسطحات الحساسة بخطوطها الدقيقة العمودية أو الأفقية أو الخطوط اللينة في انحناءاتها، وتشكلاتها المرسومة تبعًا لسمات العمل الفني، وكينونته الضوئية المنبثقة من إشراقات الألوان الباردة، كاللون الأبيض واللون الأزرق، والانعكاسات الحسية التي توحي بالأفكار التعبيرية الغارقة بهموم المجتمع، وبرؤيتها الإنسانية الهادفة إلى بث الجمال تكوينات ذات تأثيرات بصرية تتيح للمتلقي خلق حوارات ذهنية من شأنها توسيع الرؤية. لنشعر أن اللوحة كنص بصري سيميائي ذي عدة تأويلات ومتزن فنيًا.
تزيد الفنانة التشكيلية "فخرية اليحائية" من مساحات الظلال لتترك للضوء إسقاطاته الخاصة التي من شأنها تكوين الإحساس بالغموض والوضوح. لتتناقض المفاهيم التعبيرية في لوحاتها المرتفعة بدرجاتها التأثيرية على المتلقي، مما يمنحها صفة الانعكاس البصري المؤدي في تفاعلاته إلى خلق سرديات تتصف بصفاء اللون الأبيض، وبتزاوج الألوان المركبة التي من شأنها تضييق الزوايا لتتأثر الألوان الأخرى بالظل، بما يتناسب مع الضوء أو طبقاته العالية والمنخفضة، وهذا يجعل من اللوحة في تضاد لوني وحركي متناسق مع الأبعاد والأحجام الظاهرة للعين بتفاوت نسبي له موسيقاه البانورامية المبنية على تحديد نسبة التباين وإظهار السيمترية المتوازنة بصريًا.
برؤية أخرى تعتبر الأعمال الفنية التشكيلية، مثل لوحات الفنانة "فخرية اليحيائية"، تجسيدًا حيًا للرؤى الإنسانية والمعاني العميقة التي تتجاوز السطح. في هذا التحليل، سنستعرض الإيقاع البصري في لوحاتها من منظور انطباعي موضوعي نفسي فني جمالي تعبيري.
يتجلى الإيقاع البصري في أعمال "فخرية اليحيائية" من خلال تكرار العناصر، الألوان، والخطوط. يتكون هذا الإيقاع من تناغم بين الأشكال الهندسية والألوان الفاتحة والداكنة، مما يخلق حركة ديناميكية تجذب عين المشاهد. الإيقاع هنا ليس مجرد تتابع بصري، بل هو عبارة عن شعور بالتنقل بين الأبعاد، حيث تتداخل الأشكال وتتفاعل بطريقة تؤدي إلى خلق تجربة بصرية متكاملة.
تبعث اللوحات شعورًا جماليًا خاصًا يتمثل في كيفية تجسيد الفنانة للواقع بطرق جديدة ومبتكرة. تتباين الألوان، مما يثير مشاعر مختلفة، كالحزن، الفرح، أو التأمل. تساهم العناصر الفنية المختلفة في خلق عمق بصري يعكس تعقيدات الحياة اليومية، مما يجعل المتلقي يتفاعل عاطفيًا مع العمل.
تعكس الأعمال حالة نفسية معقدة تعكس القلق، الأمل، والتأمل. الألوان المستخدمة تعبر عن طيف واسع من المشاعر الإنسانية، حيث يثير اللون الأبيض شعور النقاء والصفاء، بينما ينقل اللون البني عمق التجربة الإنسانية. هذا التنوع النفسي في الألوان والأشكال يخلق توازنًا بين المشاعر الإيجابية والسلبية، مما يتيح للمشاهد فرصة لاستكشاف عالمه الداخلي.
تجسد اللوحات فكرة التجريد، حيث يتم تقديم الواقع بشكل مختلف. التعبيرات الخطية والتشكيلات الهندسية تتجاوز حدود المعنى التقليدي، مما يتيح للفنانة التعبير عن رؤيتها بطريقة مبتكرة. تعكس الأعمال تجارب إنسانية عميقة وتجسد التفاعلات الاجتماعية والنفسية في المجتمع، مما يجعلها تعبيرًا قويًا عن الهوية والانتماء.
يمكن اعتبار "فخرية اليحيائية" واحدة من الفنانات التي تسهم في تطوير الفن التشكيلي من خلال إدخال عناصر الإيقاع البصري، مما يعزز من جمالية الأعمال ويوفر تجربة فريدة للمشاهد. من خلال هذا التحليل، يظهر أن اللوحات ليست مجرد تجسيد بصري، بل هي رحلة تعبيرية تسلط الضوء على العمق النفسي والتعقيدات الإنسانية، مما يجعل الفن وسيلة للتواصل والتفاعل مع العالم من حولنا.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com