كاستاليا

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في كتاب "لعبة الكريات الزجاجية" للروائي "هيرمن هسة"

بدأ الروائي "هيرمن هسة" بعادات حياتنا الفكرية في كتاب ترجمته إلى العربية "دكتور مصطفى ماهر"، لنعيش مع "يوزف كنشت" بداية ونهاية مغامرة نستكشف من خلالها الأمور الإنسانية الدقيقة التي يصعب فهمها في الحياة. ذلك الإنسان الذي تمكنت الطبيعة والتربية من تنمية شخصه تنمية توشك أن تكون كاملة. وهذا يقتضي معرفة المزيد من الاختبارات التي تؤدي إلى الفشل أو النجاح، وفي كلتا الحالتين هي لعبة كرة زجاجية مجموعة بخيوط وهمية مع كرات أخرى، وما هذه الكرات إلا الإنسان الشبيه بفقاعات صابون نتأملها بفكر ندرك من خلاله جمالياتها، قوتها، بريقها، خفوتها، وهشاشتها حسياً. فالادراك الفكري هو اليقظة الأساسية في لعبة الكريات الزجاجية التي "تطورت تحت الزعامات المتعاقبة للعلوم والفنون حتى أصبحت شيئًا أشبه بلغة عالمية يتمكن بها اللاعبون من التعبير في رموز ذات معنى عن قيم مختلفة".

إن منطقية الأفكار في كتاب "لعبة الكريات الزجاجية" لها انعكاساتها المرتبطة بدلالات معنوية وإنسانية تحتفظ بغموضها أحيانًا. لأن كفاح العقل تحرره جواهر الأشياء التي ينتمي إليها، أو بالأحرى كما يقول هيرمن هسة في كتابه "إلا مع من عرف روح الدنيا"، فهل نستطيع معرفة روح الدنيا ونحن لا نعلم من أمر الروح شيئًا؟ أم أن كاستاليا هي حلم ما فوق الطبيعة الإنسانية أو القرية النموذجية المملوءة بنظريات لا يمكن تطبيقها في الحياة تطبيقًا كاملاً؟ لأن التسامي فوق العالم الملموس ترفضه الطبيعة الإنسانية في واقع محفوف بالسلبيات والإيجابيات، ولكن تبقى الفلسفة الإدراكية للحس الذي يعلو نحو الصفاء والنقاء هي من الإنسانيات أو من التخلي عن الماديات الملوثة للفكر، الشبيهة بالأعشاب الضارة. لهذا تساءل "هيرمن هسة" على لسان يوزف: "أيظل الإنسان دائمًا أبداً يكافح الأخطاء عينها ويقتلع الحشائش الضارة نفسها؟" إن الفلسفة المحملة بالتساؤلات في هذا الكتاب هي من النوع المثير للفكر. فالقارئ ينشئ نوعًا من الحوارات الصامتة بينه وبين يوزف، وأحيانًا يشعر باستفزاز لمدينة يوزف الفاضلة أو الكاستالية التي يستقيل منها ليبني الإنسان الكاستالي كما يشاء أو الإنسان الفاضل، ولكنه يموت دون تحقيق ذلك.

جعل "هيرمن هسة" من اللعبة هدفًا ومثالًا لحياة نموذجية أوحى لها بمضامين تربوية اجتماعية ذات دلالة مألوفة، في لعبة ما هي إلا لعبة حياة. أو مغامرة نخوضها منذ الولادة حتى مغادرة الحياة. إلا أن طريق المعرفة المحفوف بالمخاطر قد يؤدي إلى اتخاذ خطوات جريئة كتلك التي اتخذها يوزف انطلاقًا من مبدأ "إنه ينبغي على الإنسان أن يهتم بكل شيء، لأن الإنسان يستطيع تفسير كل شيء". وهذا يرتكز على البناء الفلسفي في رواية تتميز بوجوه فكرية متعددة، مبهمة أحيانًا، وتحتاج إلى تفكيك لمعاني إنسانية تهدف إلى بناء الإنسان المثالي الخالي من الأخطاء. وهذا مستحيل، لأن "رسالتنا هي التعرف على الأضداد"، فاستثارة الفكر من خلال الأفكار التي يطرحها كآراء وخبرات مبنية على مبادئ فلسفية بحتة تهتم بالإنسان وكينونته الذاتية الشبيهة بروح الموسيقى كظاهرة كلاسيكية تعني: "العلم بمأساة الإنسانية وقبول مصير الإنسان". فالتشابه في العناصر الحياتية يدحض أي انتقادات موجهة للإنسان نفسه. فالغلبة الحسية على الناحية الروحية تحتاج إلى تمرينات توازن كتلك التي نتعلم من خلالها "سوناتات أندريا جابريلي"، لأن تشكيل اللحن "المأخوذ من خط سير التطور ينعكس انعكاسًا رقيقًا". فهل جعل هيرمن هسة من الإنسان هدفًا لبناء الحياة المعافاة من الشرور؟ وهل فعلاً من ترقى زادت مهماته؟

مذهب من مذاهب متعددة مغمورة بتفاصيل عديدة داخل رواية تجذبك لقراءة مختلفة، إذا تعصف بالمخيلة حين تتبدل معانيها بين كرة وكرة. فالاعتكاف على قراءة كتاب "هيرمن هسة" هو استنباط لمفاهيم تتكون تدريجياً لتصل إلى الذروة عند موت يوزف، الذي لم يتمكن من بناء إنسان. "في الوقت الذي يتورط الإنسان فيه في مشاكل وينحرف عن الطريق المستقيم وتشتد حاجته إلى التصويب، يحس الإنسان في نفسه بعزوف شديد عن العودة إلى الطريق السوي والتماس التصويب الصحيح".

اتساق في الأفكار وتضادها هو تكتيك كتابي اعتمده ليمنح القارئ "التوافق المتجدد بين الفكر والروح"، ولكن "تضاد الدنيا والفكر" معادلة لا يمكن أن "تعتمد على الفكر وحده"، لأنها ستكون كرة وحيدة منعزلة، وتتصف بالجرأة والخطر والعقم، إذ يصعب أن تنسجم مع الأفكار الأخرى أو أن تتناقض معها، لأن "أمرنا لا يقتصر على اختلاف طريقتنا في التعبير، واختلاف لغتنا اختلافًا يجعل من غير الممكن الترجمة من أيهما إلى الأخرى". فكنه لعبة الكريات الزجاجية تحتاج لقدرات ما ورائية لا تخلو من صوفية ذات قوة روحية ومعايير لضوابط نفسية تتهادى في النفس. فرسالتنا "هي التعرف على الأضداد وحق التعرف"، أي هو أن نعرف أنها أضداد أولاً، أقطاب وحدة متحدة ثانياً، وهذا شأن لعبة الكريات الزجاجية.

إن القدرة على امتلاك معرفة اللعبة لا يتعدى النظريات التي تؤهل الإنسان إلى الإدراك أن هذه اللعبة "لا تزيد عن أن تكون فناً شكليًا ومهارة ذكية، وتركيبًا لطيفًا، وكان الأحرى بالإنسان أن يترك هذه اللعبة ولا يلعبها، ويشتغل بالرياضيات النقية البحتة وبالموسيقى الجيدة". ولكن، ألا يتعارض هذا مع إنسانية مشغولة بالجوع والقوت؟ أم أن "هيرمن هسة" يزرع الأفكار الإيجابية والسلبية ليرتقي في كتابه ويسمو فوق قمة الحياة الفكرية؟ تلاؤم أسلوبي متوافق مع المضمون الذي يصعب فهمه أحيانًا ما لم نحاول تفكيك اللعبة وفهمها، "لأن من أحس بمعنى اللعبة في ذاته إلى نهايته، ينتهي أمره كلاعب ويرتفع عن التعدد، ويفقد القدرة على التمتع بالابتكار والبناء والتركيب". وهذا هو تمامًا أسلوب "هيرمن هسة" في كتابه هذا "لعبة الكريات الزجاجية"، البناء والتركيب وصبها في المعايير الحسية الخاصة بيوزف وصديقه، وابنه الذي يشبه يوزف مع اختلاف زمني يصعب فهمه، وكأن الأزمنة تشبه تحولات الإنسان من حال إلى حال. فالسبب الحقيقي في التغيرات التي حصلت مع يوزف هي الصراع الذي نشأ بين صديقه وابنه، لإحساسه بأن السبب الحقيقي لتحوله إلى شخص غريب في فالدتسل، ولرغبته في الانصراف، ليس هو معرفته بالأخطار التي تحدق بكاستاليا والاشفاق على مستقبلها، بل هو وجود جزء في قلبه وفي روحه ظل خاليًا عاطلاً زمنًا. ثم قام يطالب بحقه في العمل.

إن النزعة الفكرية في الرواية ترتكز على لاعب محصن بالعلم والجمال والتأمل. كما أن الصفاء والمرح فيه "مثل الثمرة الناضجة" المتميزة بعصارة روحية حلوة لها مذاقها الحسي، وهذا يدفع بالإنسان نحو المعرفة الكاستالية المرتبطة "ارتباطًا جوهريًا بحالة البلاد وبإرادة الشعب". إلا أن العقل العالمي هو من يقود العالم نحو الإبادة والاقتتال، إذ تعتمد عليه الدول التي تصنع التاريخ. "كما أن التاريخ لا يمكن أن ينشأ بغير مادة وديناميكية عالم الخطيئة والأنانية والغرائز". لهذا يضعنا هيرمن أمام تناقض بأن "لعبة الكريات الزجاجية لا تزيد عن أن تكون فنا شكليًا ومهارة ذكية، وتركيبًا لطيفًا، وكان الأحرى بالإنسان أن يترك هذه اللعبة ولا يلعبها، ويشتغل بالرياضيات النقية البحتة وبالموسيقى الجيدة". وفي هذا نفي لانعدام وجود الإحساس التاريخي المؤدي إلى نشوء الصراعات التي من شأنها أن تؤدي إلى محو الإنسانية.

كتاب ذو نزعة فكرية، عابق بالإنسانية وبرياضيات الحياة التي تدعو كل منا إلى التأمل والتحرر حتى من الذات، ولكن لا يخلو من نزعة صوفية تميل إلى تهذيب النفس، والاتجاه معها نحو ما تصبو إليه، ولكن بتفكر متزن وأسوب حياة لا نحتاج فيه إلى لعبة. لأن الحياة نفسها لعبة لا نعلم ما هي قدرها أو أسرارها كما نعلم سر لعبة الكريات الزجاجية. إلا أن الرابط المشترك بين كل ذلك "كاستاليا" الأسطورة "كاستاليا هي العالم، العالم الكامل المتنوع المتكامل". ولكن يبقى السؤال الأهم والذي أتى الجواب عنه تدريجياً حتى النهاية: هل يمكن لمن يتقن لعبة الكرة الزجاجية الإحاطة بالخطر القادم؟ أم أن الإرادة أقوى من الغريزة والنداء أقوى من التحذير؟

برؤية أخرى تعتبر رواية "لعبة الكريات الزجاجية" لهيرمن هسة تجربة أدبية فريدة تتجاوز حدود السرد التقليدي، لتطرح رؤى عميقة حول الإنسان والمجتمع والفكر. يسعى هسة من خلال هذه الرواية إلى استكشاف العلاقة بين الفرد ومجتمع كاستاليا المثالي، حيث يتناول قضايا الهوية، المعرفة، والبحث عن المعنى.

تعد "لعبة الكريات الزجاجية" لهيرمن هسة واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي تعكس عمق الفكر الإنساني وصراعاته في القرن العشرين. تتناول الرواية عالم كاستاليا، الذي يمثل مجتمعًا مثاليًا من حيث الثقافة والفكر، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن هشاشة هذا الكمال وافتقاره إلى المعنى الحقيقي.

تدور الأحداث في كاستاليا، حيث ينغمس المجتمع في ثقافة عالية ومعرفة عميقة. ولكن، رغم التقدم الفكري، يعاني الأفراد من شعور بالاغتراب والعزلة. يُظهر هسة كيف أن الانشغال بالفكر والفن قد يؤدي إلى تهميش القضايا الإنسانية الأساسية، مثل الحب، والروحانية، والتواصل البشري.

تتجلى هذه الظاهرة في شخصية يوزف كنشت، الذي يمثل الباحث عن الحقيقة والمعنى. رحلته تعكس الصراع بين الرغبة في المثالية والواقع المعيش، مما يجعل القارئ يتأمل في أهمية الروابط الإنسانية في حياة الفرد.

تستخدم الرواية الفلسفة كوسيلة نقدية تعكس تعقيدات الحياة. يقدم هسة تساؤلات حول مفهوم النجاح، الفشل، والحرية. في حين يسعى مجتمع كاستاليا إلى تحقيق الكمال من خلال المعرفة، يتضح أن هذا السعي غالبًا ما يأتي على حساب الإنسانية. من خلال الحوارات العميقة والتأملات الوجودية، يستفز هسة القارئ للتفكير في طبيعة الحياة ومعانيها.

يسعى هيرمن هسة من خلال "لعبة الكريات الزجاجية" إلى توجيه نقد اجتماعي وفلسفي في آن واحد. الرواية ليست مجرد سرد لمغامرة فردية، بل دعوة لاستكشاف التعقيدات النفسية والاجتماعية التي تواجه الفرد في سعيه نحو المعنى. هذا السعي يُظهر أن الحياة ليست لعبة يمكن السيطرة عليها، بل هي رحلة مليئة بالتحديات والمفاجآت.

تترك الرواية أثرًا عميقًا في نفوس القراء، حيث تشجعهم على التفكير في اختياراتهم الحياتية. يظهر هسة ككاتِب يربط بين الفلسفة والفن، ويجعل من "لعبة الكريات الزجاجية" تجربة تفكرية تفتح آفاقًا جديدة في فهم الذات والمجتمع. تعكس الانطباعات الإيجابية حول الرواية قدرتها على تحفيز الفكر، مما يجعلها عملًا خالدًا يتجاوز زمنه.

في ختام التحليل، تظهر "لعبة الكريات الزجاجية" كعمل أدبي يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليقدم رؤية متعمقة حول الإنسان ومكانه في المجتمع. عبر شخصياته وصراعاته، ينجح هيرمن هسة في خلق عالم يستحق الاكتشاف والتفكير، مما يجعل هذه الرواية واحدة من أهم الأ عمال الأدبية التي تسلط الضوء على طبيعة الوجود الإنساني

Doha El Mol

dohamol67@gmail. com