لوحات تميزت جمالياً بصمت المعنى المنبثق من الفراغات.
ضحى عبدالرؤوف المل
تحبك "كنانة الكود" خيوطها في فراغ تسبح فيه الكتل، بنسب تتناغم معها الأشكال والأحجام حيث يسود إيقاع الصمت المخيم على اللوحات بأكملها، وكأنها تمارس مسرح دمى إيمائي يوحي بالمعنى التفاعلي لأدمغة معلقة رمزياً في رؤوس استدارت، وفق رؤية هندسية طمستها لا شعورياً بالشكل الإنساني المتخذ صفة كتلة نحتتها بريشة لجأت إلى توسيع الفراغ لتوحي بالصمت، وبالحد الفاصل بين أزمنة تتشابه، وإنسانية تعاني من الكبت المتضمن الصراع النفسي قبل الخارجي والعام. لأن "كنانة الكود" تركت للحدس عند المتلقي لذة الاكتشاف، لأن الألوان الحارة تضج ببرودة الألوان الباردة، فالأحمر يتصارع مع البعض ويتآخى معه، ولكن تظهر حدة التفاصيل كأنها نافرة أو محددة الخطوط. لأنها استطاعت مزج أسلوبها الفني بنحت بصري يعتمد على قيمة الفراغ في لوحات تميزت جمالياً بصمت المعنى المنبثق من الفراغات، وضجيج اللون المنادي بحقوق الإنسان.
تتأثر الألوان في شدتها وخفوتها ببنية الشكل اللاواعي، وبرسومات مولودة في بيئة تحتكر لغة توحي لها "كنانة الكود" بالمواليد الجدد أو بأطفال حديثي الولادة، فالتفاؤل الزمني هو في فراغ سبكته بدراما ذاتية حيث تتملك الخطوط مسارات الكتل النحتية التلقائية اللاواعية في جدلياتها مع النقد الفني التشكيلي للمجتمعات التي تنتهك حقوق الإنسان أو الحريات بشكل خاص. فمكنون لوحاتها التشكيلية يشتكي ظلم الإنسانية جميعاً لجيل حديث الولادة، ليتشكل وفق الألوان المتناغمة مع ذاته بموضوعية جمالية ذات محتوى سيكولوجي مبطن نوعاً ما. لكنه بمجمله ذي محتوى انتقادي لبيئة تحافظ على تلقين من حولها ما هو محدد ضمن الخيوط المعلقة التي يتم تحريكها بأيدي مجهولة الهوية والانتماء، فهل هذا التضاد بين الجزء والكل هو انسياب إيقاعي لصمت تشكيلي يجعلنا نتبين قيمة الإنسان؟
اتجهت "كنانة الكود" في لوحاتها الفنية نحو الطفولة اللاواعية، لتعيد تشكيل الإنسانية من خلال ثنائية ما هي إلا صدى ارتداد الخطوط في الفراغ الذي منحته صفة جزئية من حقيقة ترتبط بالعقل الإنساني، وقدرته على التخطي والقفز عن جسور اللاوعي نحو وعي ينتج عنه تثاقل في كتلة متراصة، هي عبارة عن رأس ذي طبيعة بشرية تختلف في هيأتها الناضجة، لتبدو حليقة كالأطفال ومتوازنة بين الخيوط الرفيعة المبهمة في حركتها واتجاهاتها ومساراتها البصرية الانفصالية عن بعضها البعض، والمتصلة بنقاط ينجم عنها رتابة ضوئية شبيهة برتابة الفكر المستسلم لحركة خارجية وداخلية تؤدي إلى صراعات نفسية تؤدي إلى تغييرات في الأشكال والأحجام والمساحات، وحتى الخيوط نفسها التي قد تتشابك مع بعضها البعض. لأن نفحة السريالية في رسوماتها غرائبية المعنى ومجهولة الاتجاهات، فما بين برود ألوانها وحرارتها تحاورات تشكيلية بين الضوء والظل، والخطوط والألوان، وهي بمثابة تناقضات رياضية ذات جمالية سيكولوجية أنبثق عنها لغة تشكيلية تنقل الصراع بصرياً داخل لوحات تتجدد زمنياً ومحتفظة بأبعادها الخاصة.
تتبوأ صياغة الكتلة العنصر الأهم في أعمال الفنانة "كنانة الكود" من حيث توازنها وقدرتها على التناغم مع الفراغ واللون، فهي تحاول بث روح الوزن الثقيل لرأس الإنسان الذي تعتمد عليه في منحه القدرة على الاستدارة، والانطلاق نحو الأبعاد المبهمة التي تركتها ذهنياً في عمق لوحاتها الزمكانية، وحتى منحوتاتها التي تمثل الإنسان وشكله البنائي الذي يرمز إلى المعنى المتناقض بين الإنسان ونفسه، ومن ثم الإنسان والآخرين، فاللاوعي في التشابه والتماثل يرتبط بالبيئة التي تأثرت بها أو بالأحرى الأحداث السورية بشكل خاص، فهي مزجت بصمت محبوك الألوان والملامح مع التفاصيل الفنية المتعلقة بتعابير الوجوه والخيوط التي تحركها، ومع جمالية الصياغة الفنية المنبثقة من الخطوط الغليظة والرقيقة، ودقة المسارات البصرية من خلال مرئيات تشكيلية ذات سينوغرافيا خاصة تيثها الأفكار المتعلقة بالصمت حول ما يجري حولنا بشكل عام.
تحتوي لوحات "كنانة الكود" على نقد اجتماعي لبيئة تحتضن خيوطها أكثر من الأفكار المختبئة داخل أدمغة تم التحكم بها. كما أن منحوتاتها في ازدواجيتها تحاكي قيمة الإنسان الذي تؤكد على أهميته في كل أعمالها النحتية، والتشكيلية من حيث التورية والاستبطان، والقدرة على خلق جدلية إنسانية في فن تشكيلي يمارس بصمت بث صرخة للعالم، فالوجوه في منحوتاتها لم تفقد معالمها، وإنما تمتلك تحولات فيزيولوجية تأثر بها الوجه، ومقاييسه مقارنة مع الجسد أو مع العناصر الأخرى، وكأنها وضعت النقطة الرئيسية في لوحاتها في لزوجة الألوان. لتبقي على الإنسان كموتيف تحاكي به طبيعة الزمن الحاضر الذي نعيش فيه، والمستقبل كبصمة تتركها للأجيال القادمة من خلال فكرة الطفولة الحديثة الولادة، السابحة في مخيلتها والبعيدة عن أماكنها التي تتلاشى من خلال اللون الأحمر العاطفي، القوي بتوهجاته الرمزية، المثير بصرياً مع الأبيض الموسيقي أو الفراغ المحتضن لكتلة ما زالت عالقة بخيط مجهول مشبوك برأس كالدمى.
برؤية أخرى لوحات "كنانة الكود" تجسد رحلة معقدة عبر الفراغ، حيث تخلق تفاعلاً بين الأشكال والألوان يتجاوز السطحية البصرية. فهي ليست مجرد تجسيد للجمال، بل تمثل صراعاً نفسياً وتجربة إنسانية عميقة، تسلط الضوء على التوترات بين الفرد والمجتمع.
عند النظر إلى اللوحات، يستقبل المشاهد تنوعاً في الألوان، حيث تتناغم الألوان الحارة مع الباردة، مما يعكس تناقضات داخلية. يتمظهر الإيقاع البصري من خلال تباين الخطوط والأشكال، حيث تبرز الكتل النحتية في تنسيق يخلق إحساسًا بالحركة والديناميكية. هذا التوتر في العناصر البصرية يوجه الانتباه نحو المعاني المخفية وراء الظواهر السطحية.
يظهر التأثير النفسي في لوحات "كنانة الكود" من خلال تمثيلها لللاوعي والتجارب الشخصية. الأشكال المُعقدة والفراغات تشكل انعكاسًا للصراع النفسي والمعاناة الإنسانية. تمثل هذه اللوحات مشاعر الكبت والبحث عن الهوية، مما يعكس التحديات النفسية التي يواجهها الفرد في مجتمعات مُعقدة. الأبعاد النفسية تُعمق من تجربة المشاهد وتدفعه للتفكير في سياقات معاصرة.
تتسم أساليب "كنانة الكود" بالابتكار، حيث تمزج بين النحت والتصوير، مما يخلق بعداً جديداً في الفن المعاصر. استخدام الفراغ كعنصر جمالي يعكس القوة التعبيرية للعمل. تبرز الخطوط الغليظة والرقيقة تناقضات في التركيب، مما يعطي الشعور بالتوتر والحرية في آنٍ واحد. تعكس التقنيات المستخدمة رؤية فنية تتجاوز القوالب التقليدية، مما يجعل كل لوحة تجربة فريدة.
الجمال في أعمال "كنانة الكود" لا يقتصر على الشكل الخارجي، بل يتعمق في المعاني الرمزية. الألوان والخطوط تجسد مشاعر معقدة، حيث يشكل الصمت والصوت في اللوحات تناغماً خاصاً. هذا الحوار بين العناصر يخلق إيقاعاً بصرياً يعكس الحالة النفسية للفنان، ويدعو المشاهدين لتجربة شعور مشابه.
تعتبر لوحات "كنانة الكود" تجسيدًا لعلاقة معقدة بين الفن والإنسان. من خلال الإيقاع البصري، تثير الأشكال والألوان مشاعر وتأملات عميقة، مما يجعلها تجربة فنية تتجاوز الزمن والمكان. إنها دعوة للتفكير في دور الفرد في المجتمع وفي الصراعات النفسية التي تعكسها الحياة اليومية، مما يعزز من قيمة الفن كوسيلة للتعبير والتواصل.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com