حركة فنية تتناقض مع السكون في لوحة تمتد بصرياً نحو الأفق اللامتناهي.

ضحى عبدالرؤوف المل

يمتزج الحس الجمالي مع المعاني الفنية والمضمون الإنساني الذي يتوجه الفنان "نيكول أغابيان" بالألوان الزاهية والنافرة، بمعاجينها السميكة، المنسجمة مع الحركة والمسارات الضوئية ذات التفتيح المتوازن، والتعتيم النسبي المتأرجح مع ظل متماسك بين الفواصل الانطباعية أو التأثيرية الحركية التي تتخذ من بعض المعاني التصويرية أسسها الأولية لمنظور اللقطة الهندسية وجماليتها. ولكن وفق حداثة معاصرة ناشطة بصرياً تهدف إلى خلق رؤية سلام تنبعث من داخل اللوحة، لتتسرب إلى وجدان المتلقي وفق قاعدة محاكاة ثلاثية تزهو بها سكين الرسم أو تلك الريشة القاسية والرقيقة القادرة على إبراز تفاصيل الشكل، والالتزام بتوزيع النسب الفراغية، ومزج الألوان وفق إيقاعات متناغمة تشكيلياً، متدرجاً من الجزء إلى الكل، حيث الأجزاء ما هي إلا الكتل المتناغمة مع الخطوط والفراغات، والألوان، والمساحة، بالإضافة إلى الفضاءات التخيلية الملموسة تعبيرياً وانطباعياً. خصوصاً في لوحة "أرمينيا" ولوحة الزهور، فاللون الأصفر والبرتقالي يبعث على الفرح والسرور. كما أن حلقات الشمس الدائرية ذات حركة فنية تتناقض مع السكون في لوحة تمتد بصرياً نحو الأفق اللامتناهي.

فراغات ذات نسب مدروسة، لتتوازن مع الضوء وحركة كل لون وتدرجاته الزاهية، والحركية بصرياً. لتتوهج حدة كل لون تبعاً للكتلة ومعناها، والقدرة على تشكيلها وجدانياً من حيث المضمون الواعي انطباعياً. كزهرة دوار الشمس الحزينة، وما ينطبق عليها رياضياً من مفاهيم التضاد وبيولوجية الذبول الطبيعي. لكائنات تبتعد عن مكنونها الذاتي الذي يرمز فيه إلى الإنسان الذي يحيا في بيئة هو جزء منها، ولكنه يبحث عن وطنه داخل العوالم الأخرى. فاللون الأصفر والأزرق والأخضر هو تأكيد على أساسيات لونية انطلق منها "نيكول أغابيان" ليؤكد على الثبات رغم التغيرات، خصوصاً تلك التي حدثت للشعب الأرمني، والمترجمة بقوة في لوحة أرمينيا. فهل من رسالة يحملها كل فنان أرمني يشعر بحب وطنه، وهو يحيا في وطن هو أيضاً بمثابة البيئة الحاضنة له؟ أم أن قوة الألوان الزيتية في لوحات "نيكول أغابيان" هي تأكيد على جمالية لونية خاصة تعتمد على رفع حدة درجات اللون من خلال تكنيك لوني يمتزج مع المشاعر الوجدانية؟

إن طبيعة الألوان في أعمال الفنان "نيكول أغابيان" تتخذ صفة المتانة البصرية التي تبتعد عن الشفافية، وتلامس الخطوط من خلال الثبات المتأثر بالمعنى الرمزي. للتمسك بالوطن وبالمفاهيم الفنية المتوجة بجمالية نسبية ذات مقاييس خاصة، وتكنيك جريء أو بالأحرى واثق من قدراته في بث المعنى الفني عند المتلقي، جمالية لها معانيها الانطباعية الحداثية المتمردة على الدلالات المصبوغة بالجمال والسلام وحب الوطن. فأسلوبه المستقل عن الريشة في بعض اللوحات، والمعتمد على الكتل النافرة وخشونة الملمس هو بمثابة حفر على قماش. يؤكد من خلاله "نيكول أغابيان" على الجرأة والقوة، والجمال التشكيلي المبني على جمالية الضوء المنبعث من الألوان الزيتية، وشدتها الحركية وقوة اندماجها مع الألوان الأخرى.

تكمن القيم التشكيلية في أعمال الفنان "نيكول أغابيان" ضمن التشظي اللوني وحركة الظل المتوازن مرئياً، والصورة التي تتخذ برمزيتها انطباعات تركها تنسجم مع الإيقاعات المتمثلة بالكتل السميكة، الصغيرة والكبيرة، والفراغات التي تنطوي على تناغم يجمع بين الشكل والمضمون. في كل لوحة هي عنوان لوطنية تستنكر إبادة الأرمن أو هجر أرمينيا أو حتى نسيانها أو المناداة بالسلام في العالم، وهذا يلمسه المتلقي في كل لوحات الفنان "نيكول أغابيان"، وحتى الزهور في الطبيعة الصامتة أو التجريد في نواحي أخرى أو حتى الانطباعية ذات السمات التعبيرية التي تتشكل منها موتيفات ممتعة بصرياً تتيح للمتلقي التذوق بها. فالسينوغرافيا اللونية تساهم في خلق حيوية زاهية تبث الإشراقة في الحواس. آلية الخطوط تتميز بليونة اللون رغم قساوة الخط العمودي أو الأفقي أو حتى المربعات المترابطة مع بعضها البعض. ولكنه يفصل بلون داكن المساحات الزاهية ليولد انعكاسات تزيد من جمالية اللوحة.

ألوان زيتية مشبعة بالضوء تنبض بخصوصية التضاد في طول الموجات اللونية أو قصرها، فالتوازي بين الأبيض والأزرق أو الجمع بين الحار والبارد هو بمثابة تحاور ذاتي بينه وبين الحركة في لوحاته الزاهية ضوئياً من حيث القيمة والمعنى والأسلوب، ومن حيث الإشباع البصري الملموس في الأشكال اللونية النافرة والخشنة الملمس أو الناعمة، كأنغام سابحة في فضاءات متخيلة نلمسها في أكثر من لوحة يؤلف فيها الضوء واللون سمفونية تؤكد على المعنى الذي تركه "نيكول أغابيان" يظهر مع كل حركة ولون وضوء بشكل درامي بارز أو انطياعي أو تأثيري بشكل حسي وجداني ذي معايير فنية تشكيلية يتميز بها "نيكول أغابيان"، فيخضع لوحته لسكين الرسم كي يلتزم بالمقاييس والمعايير الأكاديمية في فن تشكيلي تركه يتشكل تبعاً لحواسه، ومفاهيمه الجمالية التي تنادي باحترام حقوق الحياة وجمالياتها وبالعودة إلى الوطن وبالسلام.

برؤية أخرى الإيقاع البصري هو عنصر أساسي في أي عمل فني، حيث يعكس التوازن والتناغم بين الألوان والأشكال والمساحات. في الأعمال الفنية المعاصرة، يصبح الإيقاع أداة للتعبير عن المشاعر والأفكار، مما يعكس التجارب الإنسانية بشكل عميق.

عند النظر إلى الأعمال الفنية مثل لوحات "نيكول أغابيان"، نجد أن الموضوعات ترتكز على مكونات ثقافية وإنسانية غنية. تتناول اللوحات قضايا الهوية والانتماء، حيث يعكس استخدام الألوان الزاهية مشاعر الفرح والأمل، بينما تبرز العناصر الداكنة التحديات والألم. يُظهر المزج بين الألوان الساخنة والباردة تضادًا يعكس التوتر بين السعادة والحنين.

تستند الاستجابة النفسية للمشاهد على الانطباعات الحسية التي تثيرها الألوان والتكوينات. الألوان الزاهية تعزز مشاعر الفرح، بينما الألوان الداكنة تثير الحزن والتأمل. الإيقاع البصري هنا يعمل كوسيلة للشفاء، حيث يمكن أن تُستخدم اللوحات كنافذة للتعبير عن مشاعر معقدة، مما يساعد المشاهدين على معالجة تجاربهم الشخصية.

تتسم الأعمال بتقنيات استخدام الألوان، حيث تعكس الألوان المتعددة تناقضات الحياة. الأسلوب الانطباعي، مع التركيز على الحركة والضوء، ينقل المشاهد إلى عالم من الأحاسيس المتغيرة. تُظهر العناصر التشكيلية توازنًا بين الأشكال، مما يعزز من جمالية العمل. يمكن رؤية هذا التوازن في توزيع الألوان والمساحات، حيث يشكل كل عنصر جزءًا من إيقاع بصري متكامل.

تجسد الألوان والحركة مشاعر عميقة. كل لون يعبر عن حالة معينة، وكل حركة تنقل إحساسًا بالاستمرارية. الإيقاع البصري يخلق تجربة ديناميكية تجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من العمل، حيث يتيح له الانغماس في التجربة الحسية. يمكن للمشاهد أن يشعر بتذبذبات الحركة، مما يعزز التواصل بين العمل الفني والمشاهد.

من خلال الإيقاع البصري، تتمكن الأعمال الفنية من التعبير عن تجارب إنسانية معقدة. تعمل الألوان والأشكال كوسيلة لخلق تواصل عاطفي وفكري مع المشاهد. إن تحليل هذه العناصر يوفر فهمًا أعمق لكيفية تفاعل الفن مع النفس البشرية، مما يعكس الجمال والعمق في كل لوحة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com