فلسفة التجريد وعمق التحكم بحالات الأشكال المختلفة

ضحى عبدالرؤوف المل

تجمع الفنانة التشكيلية "منى بومونت" (Mona Beaumont) المفاهيم التجريدية، وتربطها بالحقيقة والمادة والناتج عنهما، مما يساعدها في تكوين السمات الفنية المتصلة تشكيليًا بالنسب الدقيقة في إظهار معنى الخطوط والفراغات، لاستخراج الباطن الحسي بالتفكيك الفعلي المتكيف مع واقع المساحة. فالاسقاطات المؤثرة بشكل كبير على خصائص الحركة تؤدي إلى زيادة مدى قوة الانعكاسات الداخلية والخارجية على الخطوط. وبتبسيط منطقي يعتمد على الاحتكاك البصري، وبتفاوت يمنح القيمة الجمالية في أعمالها فلسفة التجريد وعمق التحكم بحالات الأشكال المختلفة. لإبراز مميزاتها من حيث الطول والعرض واللون، ونقاط وجود كل منهما اختزاليًا إن صح التعبير، تاركة للتجاذب الذهني فسحة من الاستنتاجات والإيحاءات المثيرة للدهشة، والغنية تخيليًا بالأشكال ومدلولها الوظيفي للأشياء المنبثقة عن الشكل الإنساني الذي جردته ومنحته صياغة تمثل الظاهر والباطن وبالعكس. متمسكة بالمقومات القوية للخط ومعناه في اتجاهاته وتوازناته في حال تم تجريده أو تفكيكه ووضعه في المكان المناسب. فهل تحاول الفنانة "منى بومونت" التمرد على شخصية الإنسان وتجريدها من الزيف لتضعنا أمام الحقائق من خلال لوحة توازنت فيها الرؤية الفنية التشكيلية؟

تتجرد الفنانة "منى بومونت" من الثانويات، وتلتزم بالأسس الجوهرية للخط حيث التبصر بالفهم والوعي، واستنباط مسألة التفكيك والتعرية. لتكشف عن جزئيات المادة وتشكلاتها، وعلائق الحركة المتخذة من الفراغات أشكالها المختلفة، وبتحليل بصري يتشابك مع الذهن من خلال النقاط الثابتة في لوحاتها بشكل يحتوي عدة خطوط وبمقاييس انقلابية. مما يؤدي إلى تصحيح الرؤية الإنسانية لما تميل إليه الخطوط من انسجام وتآلف وتضاد، وتناغم وإيقاعات فردية ذات منهجية تؤسس لطروحات وجدليات تصطبغ بالتجريد والتفكيك والشكل، والانسلاخ عن المادة والتقارب الحسي بين الوعي والإدراك والنفي. لتظهر منطقية الأشكال التي توازنها مع بعضها البعض، وبفلسفة تسعى إلى التأثير البصري على المنطق التأويلي للفكرة وما تحمله الزوايا من تغيرات، بحيث كيفما وضعنا اللوحة نجد أنها تمتلك النسب الصحيحة جيومتريًا، وبدقة متناهية تنبع من مزاجية تنطبق على الظل والنور والفراغات معًا. فهل تزخر الدلالات برياضيات تتسم بمرونة الحركة رغم الاختزال الشديد للشكل الهندسي لتحقيق الانسياب في الرؤية وتحولاتها دون مبالغات لونية أو تمرد على التجريد بالتفكيك الاختزالي في النسب والأشكال وبتضاد بين شكلين ولونين وتسطيح وعمق؟ فهل تحاول "منى بومونت" انتزاع الشخصية الإنسانية وسلخها عن المادة حسيًا وبتوائم مع الجوهر؟

معادلة شديدة الحساسية تنتجها "منى بومونت" في رسوماتها كنقطة انطلاق تمثل البنية المعرفية لفهم اللوحة أو لفهم ذاتها من خلال التوافق بين شكلين أو بين عدة تراكيب هي لثلاثية أو أكثر، كتحسينات تضفي جمالية على الاختزالات التي تقوم بها، كنوع من إبراز الآراء والأفكار في الوجود من خلال آلية تتضح فيها فلسفتها عبر الأسلوب الذي تنتهجه مبتعدة عن الشكل المطلق بالجزئي أو بتجزئته إلى كتل يمكن نحتها. لتكون كدراسة لآلية التجريد والتفكيك، ونقطة الاتصال والانفصال بينهما. ترتبط الألوان في لوحاتها بالحالة العقلانية قبل العاطفية برغم أن اللون هو حالة عاطفية وجدانية. إلا أنه في لوحاته يمثل استكمالًا للخطوط، بتقاطعات تحقق جمالية تهيمن على التصنيفات المتنوعة في اللوحة للتحرر من المادة والخروج عنها بالمزيد من أشكال التواصل المختلفة لإزالة هاجس الامتلاء في اللوحة التشكيلية بشكل عام.

تؤسس الفنانة "منى بومونت" لثلاثية التنظيم والكيان والسمة، وبترتيب ملموس بغض النظر عن البناء البصري ومجازيته الفكرية. مما يمثل الاتجاهات الفكرية في الخطوط، ويشكل حيويًا مقارنة بصياغة ذات قوانين هندسية مسكونة بنزعة النقطة وحركتها ومؤثراتها على التراكيب التكوينية التي تطلق منها الأشياء وتعود إليها، وبشكل أساسي ومتكيف مع التقسيمات الجيومترية والصياغة الكيميائية في لوحة ذات نسق فكري يرعى الحس الفني التشكيلي وأبعاده، بتكامل وتماسك، وبوعي غامض وثابت يتراوح بين اللغة والتشكيل والهندسة، ومجازاتها الحسية الملامسة للتجريد والتفكيك وقدرة المزج بينهما فنياً ضمن العوامل البنيوية تشكيليًا. فهل من تطلعات للفنانة "منى بومونت" لضبط الشخصية الإنسانية من خلال ذهنية الجوهر وقوة التحكم بالشكل؟

توحي بنية اللوحة ببساطة الشكل. إلا أنها مركبة هندسيًا بأسلوب ذهني بحت يعتمد على المتناقضات الرياضية والهندسية، وبمستويات ذات مفارقات نفتح فضاءات تخيلية، وكأنها تستنكر اللامتناهي، وإنما بمفهومي المحدود واللامحدود عبر مستقيمات ومنحنيات والتواءات منطقية بناءة في مسارها التشكيلي المختزن لصفة الاختلاف والائتلاف، والعلاقات الثنائية وأهميتها في ترجمة فيزيائية رياضية للشكل، وعناصر انعكاس الحركة على كل ذلك. فهل للخطوط في أعمالها نظرة إنسانية تجردها من المادة وتتجه بها نحو الحركة الحسية؟

لا يمكن إغفال الدور التحليلي للخطوط في أعمال الفنانة "منى بومونت" وتضافر العناصر لتكوين حركة متناقضات مؤثرة في الاختلاف الطبيعي بين الثنائيات والجزئيات، بتناسب إيقاعي ذي فهم لمعطيات حركة الخطوط والتلاعب بها لخلق المعنى والارتقاء بجوهر العمل الفني نحو الإدراك والتماثل والتضاد والتحليل، ليتسم بالنسب المثالية وبطابع فكري جمالي ذي أسس فنية.

برؤية أخرى يتناول هذا التحليل الإيقاع البصري كوسيلة تعبيرية في الفنون التشكيلية، حيث يُعَدّ الإيقاع أحد العناصر الأساسية التي تسهم في خلق تجربة جمالية فريدة. الإيقاع لا يقتصر على الحركة الزمنية، بل يمتد ليشمل تكرار الأشكال والألوان والفراغات، مما يسهم في تشكيل المعنى والتأثير العاطفي.

الإيقاع البصري يتشكل من خلال تنظيم العناصر الفنية مثل الخطوط، الأشكال، الألوان، والملمس. يتأتى هذا الإيقاع من تكرار العناصر، ولكن مع التغيير والتنوع، مما يمنح العمل حيوية وعمقًا. على سبيل المثال، يمكن للفنان استخدام تكرار شكل معين مع تغيير في اللون أو الحجم لإضفاء شعور بالحركة أو التوتر.

تُعتبر الألوان أحد الأدوات المهمة في تحقيق الإيقاع. الألوان الساخنة مثل الأحمر والبرتقالي تُضفي شعورًا بالحركة والنشاط، بينما الألوان الباردة مثل الأزرق والأخضر تُعطي شعورًا بالهدوء والاستقرار. عند دمج الألوان بشكل متوازن، يمكن للفنان خلق إيقاع يُشعر المشاهد بالتناغم أو التوتر، مما يعكس حالة نفسية معينة.

الإيقاع البصري يُعزز التأثير العاطفي للعمل الفني. على سبيل المثال، في لوحة تتميز بخطوط متقطعة وألوان نابضة بالحياة، قد يشعر المشاهد بالطاقة والحيوية. في المقابل، اللوحات ذات الخطوط السلسة والألوان الهادئة قد تُعبر عن السكون والراحة. هذه التحولات العاطفية تُعزز من تجربة المشاهد وتجعله يتفاعل مع العمل بشكل أعمق.

يُظهر الإيقاع البصري كأداة تعبيرية قدرة الفنان على التحكم في العناصر البصرية لخلق تجارب جمالية مختلفة. من خلال التنظيم الذكي للأشكال والألوان، يمكن للفنان ليس فقط نقل فكرة أو مفهوم، بل أيضًا التأثير على المشاعر والاستجابات النفسية للمشاهد. إن فهم الإيقاع البصري يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا في تقدير الفن ويعزز من تجربة المشاهدة.

الإيقاع البصري يُعتبر حجر الزاوية في الفنون التشكيلية، إذ يعكس التفاعل بين العناصر الفنية والعواطف الإنسانية. إن الإبداع في تنظيم هذه العناصر يمكن أن ينتج أعمالًا فنية تتجاوز السطح وتغوص في أعماق التجربة الإنسانية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

من مجموعة متحف فرحات