من أين لي بفاطمة؟
ضحى عبدالرؤوف المل
نتذوق الفن الأدبي فطرياً، ونميل إلى ما يستثيره العقل من تحليلات نفسية ولغوية واستنتاجات تطرح تساؤلات صامتة، تجعلنا نكتشف الغاية من العمل الأدبي وأهدافه. إنه الفكر المجرد الهادف والخالي من السلبيات، فالعلاقة البناءة بين الروائي والقارئ تستفيق لتفتح أبواب الاندماج النفسي الهادئ، والممتع. هكذا جاءت رواية "اليهودي الحالي" للروائي اليمني علي المقري كتجربة عاطفية نفسية وكجو روحاني لطيف، وذلك بمفهوم عميق للفكر الإيماني القائم على جوهر الدين في توليفة فطرية بين ذكر وأنثى.
حملت الرواية صبغة توجيهية وإرشادية مع تراكيب بلاغية أدبية تجسد المودة التي نشأت بين فاطمة، ابنة المفتي، واليهودي في اهتمام حسي مع إشارة محببة لفارق العمر بينهما. "أحياناً تأخذ رأسي بين يديها، تضمه إلى خصرها، أو تنحني إلى مستواه ليلامس صدرها". شخصية أحادية منحوتة لا يمكن أن تحقق الواقع المعيشي الذي نطمح إليه، ولا البعد التاريخي والديني، لكنها استطاعت توليد حركة سردية لغوية تناولت موضوع التوحيد الكوني في قالب عاطفي ودلالات إيحائية.
محو أمية نحتاجها ثقافياً لنزداد معرفة بالأديان أو بجوهر الحياة الروحية، فكلنا من آدم وآدم من تراب، واليهود أبناء الله في فلسفة حملت عناوين "ابن رشد" و"محيي الدين ابن عربي". ولكن! في رسم فني لم يتساو فيه البطل مع الراوي، بل اهتز الفكر المنطقي في سرد لم يخلق أدباً صادقاً، إنما حمل حكاية ذات تراكيب بلاغية في حبكة مركبة لم تخل من حمل مفاهيم حياتية نحتاجها في زمن لا يمكننا فيه إيجاد بديل للوطن، "فاطمة لم تكن وطني، بل هي بالنسبة إليّ البديل من الوطن".
يقول آرشو: "لعل التوجيهات الخاصة المحددة لرسم الشخصية أشبه بتلك القواعد التي ينصح باتباعها قصار القامة من أجل أن يصبح طولهم ستة أقدام". فهل ينصح "علي المقري" بإعادة النظر إلى وضع اليهود في العالم؟ وهل هي نغمة تشجيعية لفن روائي يحمل مفاهيم إلغاء الهوية القومية في عصر العولمة والانفتاح نحو الفن الواحد، ولو حمل هذا الفن الفساد الاجتماعي؟ وهل يجمع الزنى اليهودي والمسلم ويفرقهما الزواج؟ "فلم يمر سوى يومين فقط حتى اجتمع يهود ومسلمون لينفذوا حد الزنى برجم المرأتين الأخريين بالحجارة حتى الموت". وهل يقاوم منطق الحكاية عاشقاً يهودياً أعلن إسلامه، ومن ثم يتحدث عن خداع من حوله بوعده لهم كل يوم سبت؟ "أعدهم من سبت إلى آخر، ولم ينتبهوا إلى أن اليهود لا يعملون في هذا اليوم". فهل استطاع "علي المقري" أن يقدم لنا سرداً موضوعياً؟ وأدباً صادقاً منسجماً مع نظام السرد في كلام مشحون فقدنا فيه العناصر المنطقية الحسية المطلوبة؟ "الحب والمسامحة والسلام هي طريقها. شعرت باطمئنان إذ استعدتها، تذكرت حكاية روتها لي عن محي الدين ابن عربي، كما تسميه". "عندنا الولد يتبع أباه، لا يتبع أمه يهودي ابن يهودي". تأثيرات عاطفية ابتعدت عن المعاني العقلية في ألفاظ انفعالية انصهرت تدريجياً وتلاشت في نفس القارئ...
انفصال ظاهر ضمن ملحق حوليات اليهود اليمانية اعتمد على إبراز أحداث تاريخية في عمل سردي اعتمد الوصف في بانوراما وثائقية اقتحمت الذاكرة في مقاييس روائية تقطعت فجأة عند حفيد اليهودي الحالي، إبراهيم. "فأنا من فاطمة واليهودي الحالي، وإليهما أعود. هما أصلي القديم، وسلالتي القادمة". فهل السلالة القادمة هي العلمانية الإبراهيمية؟
يقول عبدالمنعم تليمة: "إن الفن لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة، إنما يتخطى هذه المعطيات إلى إدراك جديد لها فيبدو الواقع في صورة جديدة له: صورته الفنية"... صورة فنية أخفق في إبرازها معنوياً وتاريخياً ليحقق التعاطف الديني، فمن أين لنا بفاطمة أخرى؟ بأناس يشبهونها بإسلامهم؟ ويهودي يتذبذب في شخصية مهتزة فقدت صفاء التوحيد الإبراهيمي وتبحث عن روح الإيمان في شخصية ابنة المفتي ليصرخ في عمل حكائي: أين لي بفاطمة؟ وأنا أصرخ: متى يتحرر العمل الروائي العربي الحر ليقدم لنا أدباً صادقاً مجرداً من مقاييس بوكر الهزيلة؟
برؤية أخرى تعتبر رواية "اليهودي الحالي" للروائي اليمني علي المقري تجربة أدبية فريدة، تمزج بين السرد العاطفي والتحليلات النفسية والاجتماعية. تتناول الرواية قضايا الهوية، والانتماء، والتسامح، في سياق تاريخي معقد يعكس الواقع الاجتماعي اليمني المعاصر. يسعى المقري من خلال روايته إلى تقديم رؤية تتجاوز التصورات النمطية عن اليهود والمجتمعات الإسلامية. يتناول مسألة الاندماج والتفاعل بين الثقافات، حيث يظهر اليهودي كفرد يعاني من صراعات داخلية تتعلق بإيمانه وهويته، في حين تمثل فاطمة، ابنة المفتي، رمزية للحياة الروحية والإنسانية التي قد تجمع بين الأديان.
تتميز الرواية بأسلوب سردي يتنقل بين الفصول عبر مناظير مختلفة، مما يسمح للقارئ بالتعمق في الشخصيات وتفاعلاتها. يعكس الحوار الداخلي للشخصيات عمق التوترات الاجتماعية والسياسية. فالفصول التي تتحدث عن علاقة فاطمة باليهودي تظهر كيف يمكن للحب أن يتحدى الأعراف الاجتماعية، رغم التحديات التي يواجهها الثنائي.
تنطلق الرواية من واقع مجتمعي يتسم بالتعقيد. فالحديث عن التمييز الديني والثقافي يجعلنا نتساءل: إلى أي مدى يمكن أن يتجاوز الأفراد هذه الحواجز؟ يظهر ذلك من خلال شخصية اليهودي، الذي يعاني من تصورات مسبقة عن هويته، ويبحث عن قبول داخل مجتمع يبدو أنه يقف ضده. وفي المقابل، تسلط الرواية الضوء على فاطمة التي تواجه صراعاتها الخاصة كابنة مفتي، مما يعكس التوترات بين الواجبات العائلية ورغبات الفرد.
تستعمل الرواية لغة شاعرية غنية تعكس الأحاسيس العميقة للشخصيات. فالقلق والخوف والحب تتداخل في تجارب فاطمة واليهودي، مما يمنح القارئ إحساساً بالتعاطف معهم. إن تصوير اللحظات الحميمة بين الشخصيتين يكسر الحواجز الثقافية ويجسد مفهوم الإنسانية المشتركة. تترك الرواية انطباعاً قوياً لدى القارئ، حيث تشجع على إعادة التفكير في قضايا الهوية والانتماء. تطرح تساؤلات حول معنى الوطن والتضحية، وتحث القارئ على التفاعل مع تلك الأسئلة في سياق حياته اليومية. وتبرز أهمية الحب والمسامحة كقيم ضرورية في بناء علاقات إنسانية متينة.
تعد رواية "اليهودي الحالي" تجربة أدبية تسلط الضوء على قضايا معقدة، من خلال سردٍ إنساني يجمع بين العاطفة والتحليل الاجتماعي. يسعى المقري من خلال عمله إلى إعادة تعريف الحدود بين الهويات المختلفة، ويقدم دعوة للتسامح والتفاهم، مما يجعل الرواية تعبيراً عن أمل إنساني في عالم يعاني من الانقسام.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com