حديقة "الأمريكان في بيتي" وشجرة الألوان
"لأجل أن يفرح قلبك أيتها الملكة"
ضحى عبدالرؤوف المل
بدءًا من الإهداء الذي وضعه نزار عبد الستار لروايته "الأمريكان في بيتي"، تتشكل إرادة مستخلصة من عالمين. إرادة تبدو قوية في مزج كولونيا أمريكية في "عطر روحاني للإيحاء بالالتزام"، فيتخطى القبول والرفض الحاضر، والمستقبل، وعنفًا بدأ بالتهديد بركلة على مؤخرة حسن: "قلت لها سأركل حسن على مؤخرته إذا تفوه بكلام لا يعجبني". إن اللغة عند نزار عبد الستار مختلفة، فهي لها خصائص شكلية ترتبط بالصورة وتعتمد على التقنية المتبعة للحركة داخل النص: "أمسك بربطة عنقه المارونية"، و"أكثر ما أغاظني أن الأمريكيين دمروا قمصاني المكوية"، و"إنها تحتفظ في البنك برصيد كبير يجعلني أنفر من طيبتي الحمارية".
رؤية فكرية في تجسيد زمني بدأ في تموز عام 2005، "بعد مرور يوم واحد على نشري تقريرًا عن قصف بالصواريخ". الراوي يحدد الزمن بتاريخ حدث بدأ في مطار الموصل، محاولًا وضعه كإشارة للانطلاق في وعي زمني وواقعي حقيقي في نفس القارئ.
تماهي في شخصية الصحفي جلال الذي يحتل الأمريكيون بيته كي يراقبوا من غرفة نومه الشارع، وهو أيضًا نفور من الجينات الوراثية العربية التي تتطابق العائلة فيها كأنها في استنساخ يشبه "قطع البسكويت"، لتستقطب مناسك ملامح كوندليزا رايس القادرة على إخصاء أكبر شنب في غموض روائي بدأ به، وكأنه يؤسس لسبق صحفي يحقق له الانتشار والانتصار على الفكر الأمريكي.
يقول بودلير: "في بعض الحالات النفسية، التي تكاد تكون غير طبيعية، ينكشف عمق الحياة كلها في مشهد من المشاهد، يقع تحت البصر، مهما يكن عاديًا". "تدرك أنني أقدر لها تضحياتها في أن تكون مختلفة تمامًا عن كل نساء الموصل." فهل نسي هنا نزار عبد الستار أنه جلال؟ أم أنه يبرز الموصل كوجود حضري وحضاري؟ وهل خلقت المرأة لمناهضة شراسة الحياة؟ أم أننا أمام فيلم أمريكي مصور في العراق؟ فالشخصيات عند نزار عبد الستار في روايته "الأمريكان في بيتي"، الصادرة في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أهم من الحدث، بل هي الحدث نفسه لبلوغ العقدة الروائية. "نعم إنهم يريدون قلادة الملكة شمشو"، وكأن قلادة الملكة هي شخصية متفردة لها خاصية الملوك وتحتاج لحماية ملكية متفردة. بصيرة قوية وثقة أسلوبية في إتقان خلق أبعاد فيزيولوجية وسوسيولوجية في حقائق واقعية تصويرية وحدس أدبي متين استطاع أن يخترق مشاعرنا لنتشارك مع مناسك قوتها، وسندس أنوثتها الأربعينية، وحنان المرأة العربية البسيطة، لكنه لم يُلغِ الكوتا، بل وقف خلفها بقوة. "إذا كان بيف سان لوران يفتخر بأنه وضع النساء في السروايل، فأنا أتباهى بأنني وضعت مناسك على منصتها الحقيقية"، ومن ثم تكريمًا لها أعطاها القلادة كحرز ثقة لتطمئن، وفي هذا فهم عميق لماهية المرأة. لكن هل ننسى كينونة شعب مقهور في نقص يعاني منه جلال؟ أم أنها السخرية المبطنة؟ "هبطت إلى الطابق الأرضي وثيابي ينقصها بوكسر رالف لورين الإغوائي"، وكأن الغرب يبهرنا بمنتجاته وبمقتنيات نلهث خلفها وننسى القضية الأساسية. كلما توغلنا في صفحات رواية "الأمريكان في بيتي" للروائي العراقي نزار عبد الستار، اكتشفنا حقائق مخيفة ولقطات لا تخلو من أدب ساخر يخلق الدهشة في عقلانية إبداعية، ليعي العقل حقيقة الذات العربية التي تفتقد الوعي ويصيبها الرعب: "تساءلت ساخرًا، تريدني أن أكتب عن الكبة الموصلية والناس يذبحون في الشوارع؟" و"رفاقك في المهنة قتل نصفهم، ومن نجا اعتزل خوفًا وجلس في بيته.. نحن نريد المحافظة على ما تبقى لنا"... لنضحك في قرارة أنفسنا ونسأل: ماذا تبقى للوطن العربي غير التفجيرات والتشرد والصراع المذهبي؟
لغة سينمائية إبداعية حركية زمنية سريعة تجعلنا نتبع عدسة خاصة يمسكها صحفي متمرس بتوظيف تقنيات فنية في تناول شخصيات حقيقية، يلقي الضوء عليها في جرأة تحفز المتابعة، فيستدرجنا بذكاء لنشعر بقيمة شخصيات عراقية مغمورة مثل هرمز رسام وشخصية إنجليزية مرموقة مثل هنري لايارد وغيرهم في توثيق روائي شديد التكثيف والاستيعاب لقضايا ثروات الوطن الأثرية والمدفونة في الأعماق، فكمال لم يكن شخصية ذات وجود استثنائي في الرواية بل هو البطل المتخفي خلف جلال، وهو الماضي العراقي المؤتمن عليه الحاضر في جلال: "لا أعرف لماذا ينتابني الخذلان أمام الشخصيات التي تتمتع بغرور قوي، وما هو سر الثقة التي تجعل كمال محاطًا بعدد كبير لا يرون عيوبه؟".. فهل أفعال الزمن الماضي المتوحشة هي التي وضعت النهايات المأساوية لكثيرين من أهل السياسة؟ وهل أبرز الأسباب هي إخفاء عيوب الرؤساء ممن حولهم من المقربين؟
تضامن وتعاون بين الرجل والمرأة في العمل الصحفي في واقع تفجيري مخيف يسعى إلى إبراز دور المرأة في صنع الحدث، وقوة الحب في تحديات الموت في تناسق سردي تفاعلنا معه ليضعنا بدبلوماسية أمريكية على مسرح الصراع في العراق في قوة الشخصية العراقية القادرة على احتواء وجود أمريكي فرض نفسه بالقوة في الرواية عبر خلق حوار يستنزف كل الجهود لحماية الإرث الوطني.
قال ابن رشيق: "أبلغ الوصف ما قلب السمع بصراً". "منذ أربعة أيام وتلفزيون الموصل يعلن عن موعد الافتتاح، وكرر مرارًا عرض تقرير مدته نصف ساعة".. الصحافة الأمريكية تحدثت عن تقديم الميجر ويمبر للمحاكمة العسكرية..."وصلني صوت عنبر مخنوقًا ومتقطعًا".
وحدة بناء في ترابط موضوعي انطباعي لعناوين فصلية فنية مؤلفة من كلمتين غالبًا، من بداية قطع البسكويت وحتى ظهور الملائكة في دقة عنوانية إيحائية، حرص نزار عبد الستار على اختيارها في توظيف طريف يطمح لومضة عنوان رشيقة نطوف من خلالها في بناء دائري يعتمد على الرؤية المصاحبة، وبهذا جعل الراوي مساوياً للشخصية في فهم دقيق وعميق لتحولات العمل الصحفي في الوطن العربي. "الأمريكان في بيتي" هي رواية الزمن القادم، زمن سمعي بصري يعتمد على ثقافة الصورة الفنية التي وظفها نزار عبد الستار وكأنه يزرع شجرة ألوان من المعاني والكلمات التوثيقية تاريخيًا في حديقة الأمريكيين أمام البيت الأبيض وأمام القارئ ليقول بعدها، بكل انفعال: "الأمريكان في بيتي".
برؤية أخرى تحديثية تتجلى في رواية "الأمريكان في بيتي" لنزار عبد الستار قدرة الكاتب على المزج بين الواقعية السياسية والاجتماعية بأسلوب سردي يتسم بالعمق والشاعرية. تطرح الرواية سؤالًا مركزيًا حول الهوية، الفقد، والتعايش مع القوة الغاشمة، ما يجعلها تعكس تجربة مجتمعية شديدة التعقيد في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق.
يسعى نزار عبد الستار من خلال روايته إلى تقديم صورة واقعية لمأساة الشعب العراقي، ولكنه يبتعد عن السرد التقليدي الذي يركز على الأحداث، ليغوص في العمق النفسي والاجتماعي لشخصياته. يظهر جلال، الصحفي، كرمز لهذا التشتت بين التمسك بالجذور والاندماج في عالم جديد قاسٍ، مما يعكس التوترات الداخلية التي يعيشها الشعب العراقي.
تتراوح شخصيات الرواية بين القوية والضعيفة، بين المتمردين والخاضعين، مما يعطي القارئ نظرة شاملة عن التفاعلات الإنسانية في ظروف غير إنسانية. جلال، الذي يعيش في بيت الاحتلال، يمثل الكثير من المثقفين العرب الذين يجدون أنفسهم عالقين بين ولاءاتهم الوطنية وضرورات الحياة. تتجلى تلك الصراعات في مشاعر الخذلان، الهزيمة، والرغبة في المقاومة.
كما أن شخصيات مثل مناسك تجسد المرأة العراقية القوية، التي رغم كل التحديات، تسعى للتميز والوجود. هنا، يبرز عبد الستار أهمية دور المرأة في النضال من أجل الهوية والحياة الكريمة، مما يجعل الرواية ليست مجرد تصوير للواقع، بل دعوة لإعادة التفكير في الأدوار التقليدية للجنسين في المجتمع.
يعتمد نزار عبد الستار على لغة سينمائية حركية، حيث تخلق الجمل القصيرة والعبارات المؤثرة تأثيرًا دراميًا يحاكي وتيرة الحياة اليومية في العراق. هذه الأسلوبية تعزز من الانغماس في الأحداث، وتسمح للقارئ بالتفاعل بشكل أعمق مع الشخصيات ومعاناتها.
تجمع الرواية بين الموضوعية والانطباعية، إذ يستعرض الكاتب الأحداث بموضوعية واضحة، ولكنه في الوقت ذاته يترك المجال للقارئ ليتأمل التجارب الشخصية والعواطف المرتبطة بها. هذا التوازن يسمح للقارئ بأن يشعر بالحنين والألم الذي يعانيه الشخصيات، مما يعكس الواقع العراقي المليء بالصراعات.
"الأمريكان في بيتي" ليست مجرد رواية عن الاحتلال، بل هي استكشاف عميق للإنسانية في أحلك الظروف. يسعى نزار عبد الستار من خلالها إلى توجيه رسالة قوية حول الهوية، المقاومة، والقدرة على التكيف في عالم متغير. تحمل الرواية في طياتها أملًا ورغبة في السلام، لكنها أيضًا دعوة لتذكر التاريخ والاعتراف بالمعاناة المستمرة للشعب العراقي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com