أنا لم أكن عابراً!.. سلالم الشرق.. أمين معلوف
ضحى عبدالرؤوف المل
قرأت خبر دخول أمين معلوف إلى الأكاديمية الفرنسية، فقلت في نفسي: ربما دخلها لأنه يتبع سياسة ما ورائية مخفية! فهل كل الأدباء المخلدون هم استثنائيون كأعضاء أكاديميات؟ وهل القدرة التعبيرية السياسية في العمل الأدبي تحتاج إلى نظم محكومة بإديولوجيات معينة؟ المفاتيح اللغوية نكتشفها خلال القراءة، ونفتح أفق الخيال لترتبط العوالم الروائية ببعضها في حلقة دائرية إقليمية يصعب أن نتخطاها، لكن يمكن وضعها في قالب روائي.
إن ما نعيشه في الوطن العربي قرأه أمين معلوف بصلابة وقوة، ووضوح شديد في روايته سلالم الشرق، وهذا ما أثار إعجابي بمضمون الرواية التوحيدي الباحث عن الحقيقة التاريخية للشرق. والغريب أن أغلب الروائيين حين يتحدثون عن اليهود يزوّجون بطل الرواية ليهودية أو بالعكس، بينما القضية هي قضية كونية بامتياز ولا ترابط بين هذا أو ذاك، فكلنا أبناء الله، وما فرق قابيل وهابيل أو إخوة يوسف هو ما فرق عصيان وسالم، وهو ما فرق العرب عن إسرائيل.
إن الراوي في رواية سلالم الشرق ما هو إلا مستمع أمين يحاور بصمت القارئ، متبعاً أسلوب تدويني بمهارة فرنسية حذفت فيه "قال الراوي" وبدأت بنفي صفة الحكاية واستبدالها بالكاتب الأمين، الذي يمتلك قدرة مطابقة أحداث تاريخية ذات تقنية تجمع بين قوة الملاحظة ودقة الحوار في ابتكار يعتمد على الإصغاء، ليفصل بين الحكاية وقوة حبكتها بتفنن مميز، لنشعر أنه مجرد كاتب روائي لعنصر سردي اكتشفته قدرة احترافية مفتونة بالسرد: "لا تحمل هذه الرواية شيئاً مني، بل تروي حياة إنسان آخر، بكلماته الخاصة التي قمت بترتيبها، إذ بدت لي مفتقرة للوضوح أو الترابط". وهذا تماماً ما أحسسته في القراءة: هو الافتقار لوسيلة الإقناع المنطقية، لأن طريقة استدراجه للقارئ فيها تناقضات عديدة، لأن كلامه "أن الرواية لا تحمل شيئاً مني" مبالغ فيه، فكل الأفكار العميقة هي منه، كما أنهما عاشا معاً ولا تربطهما علاقة مباشرة: "لا أدري في أية لحظة راودتني فكرة جعله يسرد قصة حياته من البداية إلى النهاية، يبدو لي أنني منذ أحاديثنا الأولى كنت مفتوناً بذلك الطريقة التي كان يسرد فيها بعض الوقائع، أمام عيني المدققتين، ومعطياً انطباعاً من يريد الاعتذار".
ميزة الرواية أنها ذات ملامح واقعية تاريخية استمدها من عناصر مجاورة للأدب ربما، ليصحح مغالطات تاريخية أو ليبرز مساوئ حكم دام "أربعة قرون من زمن السيطرة العثمانية، وفجأة لم يعد أحد يريد الاستماع إلى التركية"، وكأنه يريد القول إن الحكم الأساسي لأي مستعمر على أرض ما هو إلا اللغة التي تفرض نفسها للتواصل مع الغير. فهل ما زالت اللغة الغربية فتنة لسان شرقي يتطلع إلى الغرب؟ "إن العالم يحتاج لإيقاظه وإنارة دربه بعض الرجال المميزين والثوريين، الذين يثنون أقدامهم في الشرق ويتطلعون إلى الغرب"، وهذا ما يحدث سياسياً وأدبياً في الوطن العربي.
يقول العالم الفرنسي باستور: "إذا أخبرني أحد أنني ذهبت بعيداً عن الحقائق للوصول إلى هذه النتائج، فإنني أجيب: أجل، هذا صحيح، لقد أسلمت نفسي حراً طليقاً بين الأفكار التي لا يمكن البرهنة عليها بجلاء، تلك هي طريقتي في النظر إلى الأمور". فحقائق الوصول عند أمين معلوف تتشابه مع باستور، فهو سمح لشخوصه بالحركة، وكأنها الأفكار الحرة الطليقة من تاريخ يشبه تاريخ السيطرة العثمانية، لتتخطى الزمان والمكان وتصبح أكثر اتساعاً، فتتحاور الأزمنة فيما بينها وتتصارع، لكن ضمن مشهد واحد حين اجتمع خال كارلا اليهودي مع زوج عفت الفلسطيني المسلم، لنشعر بأن الدولة الفلسطينية ما زالت قائمة، والخلاف الوجودي بينهما لم يكبر، وفكرة المصالحة قائمة: "ألا تعتقدين أنه لا بد من إيجاد وسيلة للمصالحة؟ انظر حولك، خالي ستيفان، نحن متصالحون"، ليعلن بعدها أنه "اجتمع مجلس الشعب اليهودي في متحف تل أبيب معلناً ولادة الدولة الإسرائيلية، ثم دخلت البلدان العربية الحرب بعد ساعات".
تحمل الرواية دلالات أدبية سياسية مركبة، لأنها تقدم وعياً يتحكم في قدراتنا على استيعاب الأحداث التاريخية التي كان يصعب فهمها في ذلك الزمان، والتي تتحول إلى أداة تكشف الماضي وتمسك الحاضر في أذهاننا، لنعيد اكتشاف اللعبة السياسية بأكملها في الشرق. فبصيرة الأدب الروائي قوية، لتغوص ما يكفي، وتستكشف ما يعجز عنه السياسي نفسه من تحليلات ورؤى، فالترابط في كل فصل أثرى مخيلة المتلقي وجعله يشعر بقلق الراوي السامع لعصيان بأمانة، وهو أسلوب يخدع القارئ في البداية، لأنه يحمل أفكاراً مألوفة ما تلبث أن تتلاشى بين السطور التي تتحدث عن أحداث تاريخية ثانوية: "أوهانس باشا الموظف العثماني القديم الذي ارتجل خطاباً يتوافق مع المناسبة، متحدثاً فيه عن الأخوة بين شعوب أرجاء الإمبراطورية: أتراك، أرمن، عرب، يونانيين، يهود، الأصابع الخمسة ليد السلطة المبجلة". فالعناصر التاريخية التي يذكرها تجعلنا مناضلين ونرفض الهروب، لتصبح مقاومة الاستماع لعصيان في سلالم الشرق هروباً لا يحل عقدة الرواية: "لم تكن المعركة عادلة بين أخي وبيني، لذا اخترت الهرب، نعم الهرب، ولا توجد كلمة أخرى". فهل من معارك عادلة بين الدول الشقيقة التي تتواجد في كف الوطن العربي؟
لم ينسَ دور التربية والتعليم في الثقافات الماضية، وكأن الزمن الحالي يحتاج ذلك في نقد بناء، ربما! هو يطرح فكرة البرامج المدرسية التي تحتاج إلى تحرر: "وأن المدرسة تحولهم إلى كائنات خاضعة ومنقادة وقابلة للترويض، لا يمكن لقادة المستقبل الثوريين أن يتبعوا مثل هذا الطريق"، ليربط دور التعليم بمعلمين يمتلكون صفات خاصة: "فالمدرسون الحقيقيون هم أولئك الذين يدرسون حقائق مختلفة". ولا أجد من هؤلاء المدرسين في أوطاننا إلا في بيوت الزعماء أو في الأحياء الفقيرة التي تجعل من الحي مدرسة حياة كبرى. "فمدرس اللغة التركية إمام مطرود، ومدرس اللغة العربية يهودي حلبي طردته عائلته، أما مدرس اللغة الفرنسية فكان بولونياً حطت به الأقدار". فهل هذه شيفرة تربوية جديدة علينا اكتشافها؟
أسلوب خبري فقد توازنه حين ترك موقع القول متجهاً لموقع الفعل، ليؤكد لنا عمق الصدق في إثارة الشك لدى القارئ في لعبة تكنيكية مستحدثة تاركاً جوهر الرواية، وهي السلالم الزمنية التي يتسلقها عصيان في لحظات انتظاره لمستقبل لا يعرف تفاصيله بعد: "أنا مقتنع أن عصيان كان صادقاً في تقليله من قيمة مآثره.. لذلك كان يستفيض بالرأي المخالف، بحيث أن نفيه الحاد يضع مستمعيه في حالة من التردد والشك". فالأسلوب الهادئ يختلف عن ثورة السارد! والشك يختلف عن اليقين! والكذب يختلف عن الصدق! "وخلال شهر مليء باللقاءات المدهشة والاستجوابات الساذجة والتقاطعات، أوصلني كل ذلك إلى اليقين بوجود أسطورة تتعلق باسم باكو". "لقد فصلنا شهراً عن أربعة أيام جعلتنا نستغرق بالسمع ما بين صبح ومساء، وكأن هذه الأسطورة مركبة من مجموعة أحداث ربطها بشخصية واحدة، وكأنه يعلق عدة مفاتيح في سلسلة واحدة هي لباب واحد، ولا أعرف ما هو سبب هذا التشويش كله لعمل يحمل الفكرة كنقطة ضوء يستولد منها الحقائق". "لقد قطعت عهداً على نفسي بألا أسعى وراء التحقيق والتعمق في البحث، وأن أكتفي فقط بكلامه وبدوري كمستولد للحقائق والأساطير".
يقول جان فريفيل: "إن لغة الأثر الأدبي وأسلوبه وتركيبه وطابعه الجمالي تتحدد بمضمونه، أي بالتصوير الذي يكونه الفنان عن الواقع، وبالتجربة التي يمتلكها، وبالأيديولوجيا التي يعبر عنها". مفردات حملت صفة الجنون والحكمة، وتصوير جميل لواقع اجتماعي نمر به غالباً في كل الأزمنة من خلال تجارب حياتية لا ندرك قيمتها إلا بعد فوات الأوان: "لو كان في رأس ذلك الشاب الذي كنته صوت العجوز الحكيم الذي أنا عليه اليوم.." أغلقوا أبواب الجنة ورائي ولم ألتفت نحوها.
هكذا يتحول الماضي السياسي إلى حاضر أدبي، فيتكون المستقبل الجديد تبعاً لزمن مخلّق في نطفة معلّقة بالماضي والحاضر، ولأن التاريخ يكتب حاضرنا ليصبح ماضياً علينا استرجاع أحداثه لتصحيحها: "مما نصنع المستقبل إن لم يكن من توقنا إلى الماضي". فالرواية تكتب المستقبل وتسخر من الماضي والحاضر في حركة تعبر عن وعي الروائي المستبطن والمكثف تاريخياً، في علاقة توثيقية يربطها بحبكة تماسكت أحياناً، ليدفعها نحو هدف إقليمي يشير إليه بقوة وذكاء نافياً أي انتماء سياسي لا ينتمي لملكية قوية تجعلنا نتمسك بالوجود: "قال: أبي منزلك واسع، لكن البلاد ضيقة، أنت تملك أراضي وقرى بكاملها، ولقب الإمارة، أما أنا فلم يبق من منزلي الفقير المتواضع جداً سوى كومة من الحجارة!". فالتاريخ العثماني أدهش الماضي، وأصاب المستقبل بالذهول من ضعف ووهن أصابه يشبه ضعف الأب وطموحه بثورية ابنه. وما تحمله رواية سلالم الشرق ربما هو نظرة تاريخية يجسدها "أمين معلوف" في تضاد عائلي واحد من خلال سالم وعصيان، بينما تتوحد العاطفة والرؤية بين اليهودية وعصيان، لنعيد ترتيب أيام الأسبوع من الخميس إلى الأحد، ونشعر أننا في عطلة أسبوعية أمضيناها مع عصيان وهو يقص حكايته، ومع "أمين" وهو يرويها في أربعة أيام متنقلاً بنا من عائلة حكمت الشرق طويلاً إلى "لم أكن عابراً". فهل ستمسك القلم أيها القارئ وتعيد كتابة ما ستسمعه من أمين يوماً ما؟
برؤية أخرى تحديثية تتجاوز رواية سلالم الشرق لأمين معلوف مجرد كونها عملاً أدبيًا، لتغدو مرآة تعكس تناقضات المجتمع العربي وتاريخه المعقد. يقدم معلوف من خلال أسلوبه الروائي الفريد مقاربة متعددة الأبعاد للأحداث والشخصيات، حيث تتشابك الحكايات الشخصية مع الخلفيات التاريخية والسياسية.
يستثمر معلوف السرد كوسيلة لفهم الهوية العربية، مستخدمًا شخصيات تتراوح بين الفلسطيني واليهودي، مما يعكس تداخل المصائر وتعارضها. من خلال شخصية "عصيان" و"سالم"، يقدم معلوف صورة حيّة عن الصراعات الوجودية التي يعانيها الأفراد في مواجهة قضايا أكبر منهم. هذا الازدواج يعكس التحديات التي تواجهها الهوية العربية في ظل الاحتلال والصراعات التاريخية.
تكشف الرواية عن أبعاد اجتماعية وسياسية عميقة. تتناول كيف يمكن للغة أن تكون سلاحًا أو جسرًا للتواصل بين الثقافات المختلفة. يستخدم معلوف التوتر بين الشخصيات كأداة لتعزيز فهم القارئ للعلاقات المعقدة في الشرق الأوسط. فمثلاً، عند تصوير العلاقات بين اليهود والفلسطينيين، يكشف معلوف عن تشابك المصالح وتداخل العواطف، مما يدعو القارئ للتفكير في الحاجة إلى المصالحة والتفاهم.
يركز معلوف على البعد الإنساني للمعاناة، حيث يجعل من الشخصيات تجسيدًا للصراع الأعمق. فهو لا يقدم الحلول السهلة، بل يُظهر الصعوبات التي يواجهها الأفراد في البحث عن السلام الداخلي والخارجي. يمكن أن نرى في الحوار بين "عصيان" و"خاله ستيفان" مثالاً على هذا الصراع، حيث يتجلى السؤال الوجودي: هل يمكن للفرد أن يجد سلامه في عالم مليء بالاضطرابات؟
من الناحية الفنية، يستخدم معلوف أسلوبًا يتسم بالمرونة، حيث ينتقل بين الزمان والمكان بسلاسة، مما يعكس تداخل الأحداث التاريخية مع الحياة اليومية. يستخدم الحوار بطريقة تجعل القارئ يشعر كأنه جزء من النقاشات والأحداث، مما يزيد من تأثير الرواية.
يسعى معلوف من خلال سلالم الشرق إلى تقديم نظرة أكثر عمقًا إلى الأحداث التاريخية والاجتماعية التي شكلت الواقع العربي. هو لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يرغب في تحفيز القارئ على التفكير في العلاقة بين الماضي والحاضر، وكيف أن التاريخ لا يزال يؤثر على هوياتنا اليوم.
في نهاية المطاف، تعد سلالم الشرق دعوة للتفكير والتأمل، حيث يجسد معلوف من خلالها صراعات الهوية، الانتماء، والتاريخ، مما يجعلها عملاً أدبيًا خلاقًا يحمل في طياته العديد من الرسائل الإنسانية والاجتماعية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com