حتى نكتشف الحقيقة

فيلم السور العظيم (The Great Wall) للمخرج زانج ييمو (Yimou Zhang) وموسيقى رامين جوادي.

ضحى عبد الرؤوف المل

اعتمد فيلم السور العظيم (The Great Wall) للمخرج زانج ييمو (Yimou Zhang) على سرعة الحركة، بتحديث لمفهوم أسطوري قديم جديد يجمع قيمة الزمن في المكان الذي حدده الكاتب سور الصين. لنستمتع بحوارات بصرية تشتد كلما اشتدت أسرار النظام غير المسمى في مملكة هي جزء من إمبراطورية لحاكم يختبئ خلف كرسيه خوفًا من مخلوقات "تاوتي" التي تنهض كل 60 عامًا. ليدرك القائد أن الأعداء الذين يواجههم أذكى بكثير من أولئك قبل 60 عامًا، حيث يجب حماية أسرار السور، أحد أكبر عجائب الإنسانية ديمومة، فالسور مجهز بوسائل دفاعية لا تعتمد فقط على السيوف وقتال الأبطال، وإنما على خطط قتالية منظمة أدهشت مقاتلاً حارب في البداية من أجل الطعام، وحارب من أجل العديد من الرايات، والآن هو يحارب من أجل الإنسان، ومن أجل أهداف الحماية التي تتصدى لمخلوقات تتغذى على أي شيء تفترسه. لتحقق بقاء الملكة التي تتغذى على الجثث، بانعكاس يؤكد أن جشع البشر لا يختلف عن وحش "تاوتي". وما هذه المخلوقات التي خلقها الله إلا نتيجة يقين صيني بأنها عقاب على ذنب مضى عليه دهور.

إلا أن مبدأ المقاتل الذي يساعد القائدة "لين" هو أن الأقوياء يأخذون ما يريدون. فبعد مسيرة حياة طويلة بدأها طفلاً في أرض معارك ينظفها من الجثث، تصل به إلى سور الصين ومعرفة مدى أهمية المسحوق الأسود الذي يسعى له لص مأسور من قبل الجيش الذي يتحضر لمعركة منذ ستون عامًا، فيقنع أحدهم بقيمة المسحوق الأسود لو أخذوا منه وباعوه في البلاد التي جاءوا منها. فيخون الصديق صديقه، في حين أن مخلوقات "التاوتي" تخدم بعضها البعض لتحصل الملكة على الغذاء ليحافظوا على البقاء. فهل يحاول كاتب الفيلم إظهار جشع الإنسان الذي يفتقد الأهداف المشتركة ليحافظ على وجوده؟

"أخبر العالم بما رأيت، وأخبرهم بما هو قادم" جملة ليست في النهاية، وإنما لتكون بمثابة الشعلة التي يحملها الفيلم كرسالة موجهة لعالم يتعرض للحروب تباعًا. ليقوم بتحديث أسلحة الدفاع عن النفس، لتكون الممالك بمنأى عن الشر الذي يوجه إليها من قبل مجموعات غير منظمة تتكاثر كما تتكاثر الأوبئة والأمراض التي تفتك بالبشر، وكما مخلوقات "التاوتي" القادرة على الفتك التي تحاول تطوير اكتشافاتها كلما أدركت قيمة ما تحمله الطبيعة من ذخائر. بينما يبحث اللصوص عن المسحوق الأسود، يبحث علماء المملكة عن الحجر المغناطيسي الذي يضعف قوة حيوان "التاوتي"، لتطوير أسلحة جديدة يدافعون بها عن أنفسهم. ويحاول "ديمون" إدراك القيمة القتالية في وسط أولئك الذين يقاتلون من أجل وجودهم جميعًا، وليس من أجل راية ما، بل من أجل حمايتهم من "التاوتي" الذي يخرج للتكاثر ويهدد البشر بالانقراض.

فالتصوير المفتوح على عدة أبعاد جمالية كان بمثابة حوارات بصرية مفتوحة على جدليات كثيرة وشفرات تستفز الذهن وتدفعه نحو معرفة الهدف الحقيقي للفيلم، الذي يحمل في طياته أسطورة حيوان "التاوتي" أو ما يشبه أسطورة "يأجوج ومأجوج" التي نقرأ عنها ويقال عنها الشيء الكثير.

استطاعت موسيقى رامين جوادي رفع قيمة الحس السمعي، المقترن بالمشاهد التصويرية. لتتوائم بأسلوب سلس قادر على ترك المشاهد في حالة سمعية لا نفور منها، بل! تساعد في الانسجام مع المناظر الطبيعية والمشاهد القتالية المبنية على أهداف السور الذي يمتد بليونة، وبارتفاعات لم تمنع حيوانات "التاوتي" من الوصول إليها. ليكتفي المخرج بالحركة التصويرية والحركة السمعية في هذا الفيلم، الذي استطاع أن يحتفظ بمؤثراته الأسطورية بصريًا، لتكوين المفاهيم التي تساعد في تطوير الصورة السينمائية، كتحديث ناتج عن متابعة الأسطورة والتصدي لها في كل زمان ومكان، وعبر أسلحة هي بيد الإنسان الذكي القادر على خلق فرص النجاة من غيبيات لا يمكن توقعها. إلا أن يتوقف الإنسان عن الجشع والقتل ليعيش دون الجماعة، وهذا تم التركيز عليه بشكل رمزي، سواء بالتصوير أو بالحوارات المقتضبة التي تستكملها الحركة البصرية والسمعية في المعارك التي تشتد بعد أن استطاعوا أسر حيوان "التاوتي" ووضعه في القفص وإرساله إلى المملكة الكبرى. ليقوم العلماء هناك بتحليل الحجر المغناطيسي الذي يشير إلى الكوكب الأسطوري الذي انفجر في جبل خرجت منه حيوانات "التاوتي"، برمزية تشير إلى إمكانية وجود مخلوقات أخرى قد تضرب الأرض وتأتي من كواكب أخرى.

هم لا يحاولون إنقاذ الصين فقط، بل! إنقاذ العالم، وهذا هو الفرق بين جشع حيوان "التاوتي" والإنسان. لأنه يمر بمرحلة البقاء ضمن دفاعات جماعية متراصة تبني أهدافها وفق القيم الإنسانية التي خرج عنها من حاول استخدام الأسرى في سرقة المسحوق الأسود، الذي جعل من الأول خائنًا لصديقه، ومن الثاني قتيلاً بالسلاح نفسه الذي يجهل ماهيته. قطاع الطرق الذين أسروا ورموا بالمسحوق الأسود في النار التي أحرقتهم، بينما بقي صديقه على العهد مع القائدة "لين". لتمنحه بعد الانتصار الاختيار بين الحصول على المسحوق الأسود أو على صديقه الخائن. ليختار صديقه ويخرج من سور الصين وقد انتصر مع الجيش على "التاوتي".

برؤية أخرى تحديثية يقدم زانج ييمو رؤية إخراجية متقنة لفيلم السور العظيم، حيث يمزج بين العناصر الأسطورية والدرامية بطريقة مبتكرة. يتميز أسلوبه بالتنقل السلس بين المشاهد القتالية والمشاهد الهادئة، مما يمنح الفيلم إيقاعًا متوازنًا يجذب المشاهدين. يساهم الإخراج في تجسيد الصراع بين الخير والشر من خلال تصوير الصراع المادي والداخلي للشخصيات، خاصة القائد الذي يواجه تحديات تتعلق بالولاء والجشع.

يتمحور السيناريو حول مفهوم البطولة والشجاعة، حيث تتداخل الأسطورة مع التاريخ لتقديم سرد متين. النص يطرح تساؤلات حول طبيعة الإنسانية وجشع البشر، مستخدمًا شخصيات متنوعة تعكس جوانب مختلفة من الصراع. الحوار متنوع، حيث يمزج بين الفلسفة والتشويق، مما يساهم في تعميق الفهم الشخصي والعاطفي للشخصيات.

تتجلى الخلفية التاريخية في تصوير سور الصين العظيم، الذي يرمز إلى الحماية والدفاع، مما يعطي الفيلم عمقًا تاريخيًا وثقافيًا. يتناول الفيلم الأبعاد الاجتماعية والسياسية للصين القديمة، ويعكس الصراعات التي مرت بها من خلال رمزية حيوانات "التاوتي". يتجاوز الفيلم الحدود الزمنية ليمس قضايا معاصرة تتعلق بالجشع والتعاون الإنساني.

الفيلم يتميز بتصوير بصري رائع، حيث يستفيد من المناظر الطبيعية الخلابة لسور الصين. الألوان والتصميم الفني يعكسان روح الأسطورة، ويعززان من تجربة المشاهد. الاستعمال الذكي للإضاءة والزوايا يساهم في بناء التوتر والإثارة خلال المشاهد القتالية. التعديلات الرقمية تعطي الحياة لمخلوقات "التاوتي"، مما يرفع من مستوى التأثير البصري.

الجمالية في الفيلم تتجلى في توازن العناصر الفنية، حيث تتداخل الحركة مع الموسيقى بشكل سلس. موسيقى رامين جوادي تضيف بُعدًا عاطفيًا، وتعزز اللحظات الدرامية، مما يجعل المشاهد يعيش التجربة بشكل أعمق. المشاهد القتالية تنقل إحساسًا بالسرعة والحركة، بينما المشاهد الهادئة تُظهر العمق الداخلي للشخصيات.

يعبّر الفيلم عن الصراع الإنساني من خلال شخصيات متعددة الأبعاد، تجسد معاني الشجاعة، الخيانة، والتضحية. تنقل الشخصيات مشاعرها وأفكارها بطريقة واقعية، مما يجعل المشاهد يشعر بالارتباط معها. الأسئلة الفلسفية المطروحة حول الجشع والإنسانية تترك أثرًا عميقًا على المشاهد، مما يجعله يتأمل في مفهوم البطولة.

في النهاية، يقدم فيلم السور العظيم تجربة سينمائية متكاملة تجمع بين الإثارة والفكر العميق. ينجح زانج ييمو في تقديم رؤية درامية تاريخية تستحق المشاهدة، حيث يتم دمج الأسطورة بالواقع، مما يترك أثرًا lasting في ذهن المشاهدين.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com