عليك أن تتأقلم مع الارتفاع

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم "الارتفاع" (Altitude) للمخرج أليكس ميركين (Alex Merkin) لم تنضج فيه فكرة الفيلم كما يجب، إذ بدت الطائرة وهي على الارتفاع كالمكان الضيق لكاميرا لم تتأقلم مع السيناريو كما ينبغي، ولم تتوازن الأحداث كما يجب، مما أدى إلى عدم تقديم رؤية فكرية أو فنية تمنح المشاهد قوة الفكرة المبنية على مفهوم خدمة الوطن.

تدور القصة حول امرأة تنتمي إلى جهاز (FBI) أو إلى المخابرات القوية القادرة على الوصول إلى عدة حلول. ومن رؤية فردية، تتقارب الفكرة التصويرية مع الحدث الذي يجبرك على الوقوف بشجاعة أمام قوى الشر في كل مكان، سواء كنت في عزلة أو في استجمام. لأن من تم تأهيله ليكون على أتم استعداد عند أزمة ما، عليه أن يكون جاهزًا تمامًا ليؤدي خدمة الإنسانية. ربما في هذا بعض الإيجابيات في الفيلم، الذي لم يتوسع فيه كاتب السيناريو بالفكرة لتكون متماشية مع النظرة السينمائية للفيلم وروافده المخفية، مع الأخطار التي نبعت من سرقة بيولوجية قد يتأثر العالم بها. لكن يبقى السؤال: إلى أي مدى تؤثر الأفلام التجارية في مصداقية الفكرة السينمائية التي ينطلق منها الفيلم؟

تمثيل وظيفي مسخر لفيلم اعتمد على قوة الأداء والقدرة على منح الوجوه التمثيلية قوة وبراعة في المشاهد. لتكون الطائرة هي المسرح الحقيقي لكل المشاهد التي لم تتغلغل في العمق الساخن الذي بدا متوترًا قبل أن تشتد صناعة الخوف من الاختراعات العلمية التي ستكون بمثابة السلاح الأخطر في الكون، ولا يمكن إلا أن تكون متعددة الوجوه. ولكن ما رأيناه في الفيلم هو توظيف الممثل القوي الأداء في خدمة بناء الفيلم التجاري البحت، والذي كان من الممكن أن يحمل عدة جماليات تمكنه من استفزاز الذهن والصراع مع المشاهد فكريًا لإيجاد عدة حلول، إضافةً إلى ما يمكن استغرابه من تصرف طاقم الطيران الذي منح البطلة الجلوس في درجة رجال الأعمال قرب الرجل الغامض الذي تلتقيه لأول مرة ويطلب منها حمايته، وتخبره أنها من المخابرات. وهذا بالطبع مستغرب من امرأة مهيأة لقيادة دفاعية عن الإنسان، وبسرية تامة.

إذ لم نشعر أنها كانت حذرة في البوح لمن جلست قربه في الطائرة التي تم خطفها لاحقًا من عصابة سرقة وقع الخلاف بين أعضائها على ما سرقته من اختراع بيولوجي قد يؤذي أو يفيد العالم. فهل من أهداف بين حماية منظمة الصحة العالمية؟ سؤال تطرحه وأنت تشاهد الفيلم، ولا تدرك أين يكمن الجواب، لأن ما يتم الصراع عليه بدا غريبًا أو سورياليًا.

بين مفاوض كرهائن لمكتب تحقيقات فيدرالية، من خلال الجنس عبر الهاتف، ومفاوضات لا تخلو من نظرة نحو النفس في عالم الجريمة ومفهوم مداواتها بالجنس، ولا أعرف إن كان هذا الحشو هو الركيزة الأساسية لهذا الفيلم الذي بدأ مع امرأة تفاوض القاتل المهووس من خلال حديثها الجنسي معه عبر الهاتف، لتشعر بتعاطف معه، ومن ثم الخروج عن أوامر مدير المكتب الفيدرالي وتحاول حمايته، وكأنها تعلقت به عاطفيًا أو اندفعت نحو حمايته من مبدأ إنساني بعيدًا عن حدوث القتل. وهذا أبعدها عن العمل الميداني لفترة كعقاب عن عدم طاعتها الأوامر. لتصبح في الطائرة حرة دون قيودها الفيدرالية في طاعة مدير المكتب الفيدرالي، لتصل إلى النتيجة المرضية، وهي القضاء على أفراد العصابة لحماية الرجل، وإن كانت تخفي الشيء الكثير في أبعاد نظرتها الفيدرالية عن موضوعية الفيلم الذي قاده المخرج بالاعتماد على قوة التمثيل الوظيفي الذي أتقنه أبطال فيلم "الارتفاع".

ما من ميثاق بين اللصوص، وما من وفاء بين خيانات لا تعد ولا تحصى، بينما في المكاتب الفيدرالية تدرجات وظيفية تتعلق بالأمن والمصلحة العامة. وهذا ما عكسته الفكرة البسيطة للقصة التي انطلق منها كاتب السيناريو والمخرج. لتكون البقية عبارة عن مشهد تجزأت فيه عدة مراحل تصويرية إلى مشاهد صغيرة ارتبكت في التصوير الخارجي نهاية الفيلم. أي التصوير خارج الطائرة الذي كان بمثابة إضافات يمكن حذفها، ما عدا مشهد النهاية المحمل بخاتمة غامضة جعلتنا نشعر أننا بين أفراد مكتب فيدرالي ولصوص، انفردت الأدوار بينهما. دون توضيح تام للمادة المسروقة أو أهميتها العلمية كاملة. فهل العمل السينمائي الأمريكي الرديء يتأثر بالميزانية الإنتاجية المنخفضة؟ أم أن القصة اعتمدت على بسالة أعضاء المكتب الفيدرالي وهم على ارتفاع تتأرجح مشاعرهم بين الموت والحياة والسماء والأرض؟ أم أن المخرج متأثر بأفلام جيمس بوند؟

برؤية أخرى فيلم "الارتفاع" (Altitude) للمخرج أليكس ميركين يتناول موضوعات إنسانية معقدة تتعلق بالولاء، الشجاعة، والصراع مع قوى الشر. يقدّم الفيلم رؤية درامية تتمحور حول شخصية رئيسية تواجه تحديات كبيرة في سياق قصة مليئة بالتوتر والإثارة.

الشخصية الرئيسية، التي تمثل المرأة القوية، تعكس قدرة الإنسان على مواجهة الأزمات. يظهر تطور الشخصية بشكل واضح من خلال الصراعات التي تخوضها، حيث تتجاوز الحدود التقليدية للدور النسائي في أفلام الأكشن، مما يمنحها بُعدًا إنسانيًا عميقًا. هذه الديناميكية تعزز من قوة السرد وتساهم في تعزيز التعاطف مع الشخصية.

يُستخدم التوتر الدرامي بشكل فعال من خلال مواقف متصاعدة تتطلب من الشخصية اتخاذ قرارات صعبة في ظل ضغط الوقت. ينجح المخرج في بناء مشاهد قادرة على جذب انتباه المشاهد، مستخدمًا تقنيات تصوير تتراوح بين القرب والبعد، مما يساهم في تكثيف الإحساس بالعزلة والخطر.

السينما في "الارتفاع" تعتمد على تقنيات تصوير معاصرة، تُبرز الأماكن المغلقة، مثل الطائرة، لتجسد الإحساس بالحبس والخوف. يُظهر المخرج مهارة في توظيف الزوايا والإنارة لإبراز الأجواء المتوترة. تُعزز هذه العناصر الإخراجية من الفكرة العامة للفيلم، حيث تُظهر كيف يمكن أن تكون الظروف المحيطة عنصراً مساهماً في الصراع الداخلي للشخصية.

الموسيقى التصويرية تلعب دورًا حيويًا في تعزيز اللحظات الدرامية، حيث تُستخدم لإضفاء طابع من التوتر أو الإلحاح على الأحداث. تساهم المؤثرات الصوتية في تعزيز الشعور بالخطر، مما يزيد من تفاعل المشاهد مع الأحداث.

يمثل الفيلم دعوة للتأمل في مفهوم الوطنية، الولاء، والشجاعة. من خلال عرض الصراعات الداخلية والخارجية، يطرح الفيلم تساؤلات حول ما يعنيه أن تكون إنسانًا في زمن الأزمات، كما يشجع على التفكير في مسؤولية الأفراد تجاه المجتمع.

يتميز الفيلم بأسلوب بصري قوي يعكس التوتر والقلق. تتداخل الألوان الداكنة مع الإضاءة القاسية لخلق جو مشحون بالمشاعر. هذه الاختيارات الجمالية تعزز من الرسائل الدفينة في القصة.

في النهاية، يقدم "الارتفاع" تجربة سينمائية غنية تمزج بين الدراما والإثارة، مما يجعله عملًا يستحق المشاهدة. تتجلى فيه مهارة الإخراج والكتابة في خلق عالم متكامل يجذب المشاهد ويدفعه للتفكير في قضايا إنسانية عميقة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com