لوليتا وأصابع الزمن في ذبابة نابوكوف، ولوحة واسيني الأعرج.
ضحى عبدالرؤوف المل
تتكرر عملية البناء الروائي لتؤسس نظرية حياتية متتابعة، وكأن الحدث في المستقبل يحاور حدث الحاضر، ويمسك بالماضي في أعمال أدبية وفنية، لتولد أحداث معاصرة يهتدي إليها القارئ حين يستخرجها من أعمال أدبية متغلغلة في ذاكرته هذه المرة في" امرأة خرجت من بين أوراق كتاب مفقود" أو كأنها خرجت من لوحة استشراقية بألوان زيتية متهادية نحو النعومة والسكينة، أو امرأة من بياض الورق وحبر الكتابة تنفلت من عمق كتاب، وتتحول إلى كائن يشبهها في كل شيء بل يتجاوزها" وهنا أخرج واسيني بطلة روايته من لوحة المجدلية، وهي للفنان جورج دولاتور، فنان لعب في الضوء والعتمة، والموت والحياة، وشعلة الولادة في بطن يتكور، وامرأة تشبه الحور لرقة متناهية، وهي تضع يدها على جمجمة قبل أن يفجرها واسيني في نهاية منطقية تعطي تفاصيل أمة غرقت في مفاهيم الاستشهاد، وتقديم الذات، لتنقذ الرجل الذي رفض الزواج منها رغم حبه لها، لكنه استعمل الإيحاء بأنه أخرجها من رواية قرأها قبل ثلاثين سنة، ليخدع القارئ ويتابع الرواية بشغف، كي يستكشف تفاصيل طفلة تركها في عمر الزهور" أليس غريبا أن تلتقي بامرأة تخرج أمامك من كتاب قرأته منذ ثلاثين سنة، والتصق بذاكرتك كعقرب الصخور البحري؟ تقف أمامك خارجة من رحم اللغة، رامية عرض الحائط بكل الأغلفة والأغطية التي كانت تحبسها وراء قوقعة صلبة، وتتحول إلى كائن بشري من لحم ودم، هي لوليتا بعدما خرجت من مراهقتها بسلسلة من الصدف المجنونة"
عنوان حمل "أصابع لوليتا" تلك الأعصاب الحسية التي تتواجد بقوة في رؤوس الأصابع، وهي بالتالي المسؤولة عن الرسائل السريعة التي تصل المخ مباشرة، فيقرؤها، وكان لها عيون ذبابة لما تحمله من خلايا عصبية بصرية " شعر بإرباك شديد وبنعومة أصابعها الطفولية، الأصابع لغة قبل الكلام، قرأ هذا عند كاتبة صينية قديمة" هكذا دائما في كل تفاصيل الرواية جعلنا نشعر أن بعض الأفكار مستمدة من قراءات معلقة في ذاكرته متسائلا:" كيف يمكن أن يتحول شخص لا نعرفه إلى جزء من الضوء الذي ينير ظلمات الداخل الذي يشبه حالة تيه بلا نهاية"
بدأ الرواية بجملة قالها إيف سان لوران الجزائري الأصل:" لا شيء أجمل من جسد عار، أجمل لباس في العالم يمكن أن ترتديه امرأة هو ذراع رجل تحبه، لكن بالنسبة للواتي لم يحالفهم هذا الحظ، فأنا هنا إيف سان لوران" لندخل بعدها عالم الأزياء ومعرفة أسراره وألوانه مع امرأة لم يحالفها الحظ، في بحثها عن رجل بمواصفات امرأة تبحث عن دفء جسد منحوت من عطر خاص، كما بحث زوسكيند عن عطر كان السبب بموته، لندخل عالم أحمد بن بلة دون أن نشعر، ونتأثر بالذبابة والفراشة، فقد استطاع تحويل البنية السردية إلى عالم يضج بمجتمع تتآكله سياسة جعلته يعيش في حفرة تحوي امرأة يري فيها الدنيا التي عزل عنها ليدرك " إن الإنسان ليس كيانا هائما في الفراغ، ولكن مقاومة مستمرة ضد الإذلال" فيتمسك بالقدر، ويتشبث بامرأة عرفها من أصابعها، ليدفنها في ذاكرته، وينفي لوحة العالم ليبقيها خارج لعبة آدم وحواء باحثاً عن المجدلية في كل امرأة، لتتقد الحكمة كشمعة مع أول امرأة اخترقت عذريته، قبل أن يدخل الجسد في متاهات الحزن، فما عاشه أحمد بن بله أو الرايس بابان، وما رافقه من انقلاب عسكري، وعزلة في زنزانة رافقته فيها ذبابة تحميه من سموم أطعمة في رمزية عنكبوتية استطاع أن يجعل منها لطخة سوداء، ليصاب بالكآبة بعدها، ونشهد تعرية لالة الزهراء في مشهد أصابني بالقشعريرة، فالحواس الحيوانية لم ترحم امرأة تآكل جسدها بفعل السنين، فهل هناك أقسى من أم تتعرى لترى ابنها في سجن، وهي لا تستطيع النظر لعينيه" كمن ارتكب جرم زنا المحارم" ليحمل حميمد كوفية أمه التي فقدت عقلها من عمليات التعذيب، والتي حرقت قلبه كلما شم رائحة أمه في الكوفية، ليبدأ رحلته الكتابية، والخلايا التفجيرية تلاحقه، ليضع كل هذه الأحداث السياسية التي عاشها أحمد بن بله في مضمون نفسي لإنسان يحمل الماضي كجزء من مستقبله، وهو يرى الأم والحبيبة والعشيقة التي يحتاجها كعطر لا يفارقه أبدا، فهل ما تعلمناه بعد كل هذا يحتاج إلى كنس حقيقي فعلا؟
صناعة دقيقة ذات تقنية على درجة عالية من التماثل المنطقي الملموس من واقع روائي لأعمال اجتمعت في باقة ورد واحدة، وعطر تجاوز حاسة الشم ، واخترق الورق، ليحترق في مصطلحات ومفاهيم ولدت من ذاكرة نابوكوف وترعرعت على يد زوسكيند، واستقرت في لوحة المجدلية ليتغنى بها مالك حداد، ويحررها من القيود كلها واسيني الأعرج في خريف بدأ في فرانكفورت، كما استعاد خلق الأفكار مع "امرأة وفية بلا جسد ولا هوية، تنام بين مئات الجمل المشحونة، وآلاف التراكيب" لنندمج في متخيل سردي تدريجي مرتبط بوقائع سياسية متعلقة بيونس مارينا، وكأنه يستخرجه من مخزون ذاكرته، ويخلطه في أحداث شرقية سياسية، ليؤسس مع القارئ تفاعلا متقاطعا مبنيا على ترقب لحظة يتحرر فيها هو من لوليتا نابوكوف المسعورة "أن التحسس بالزمن يستند إلى مجرى الدورة الدموية، ويتوقف تحسسه بذاته وإدراكه لها، وهكذا فإن العقل يتوزع بين قطبين، قطب أحداث الماضي المخزونة في الذاكرة، وقطب أحداث المستقبل القابلة للاختزان"
إن الصناعة الذهنية هي الخطوة الأولى التي اعتمد عليها نابوكوف، وزوسكيند، واستخدمها واسيني الأعرج، لتتحول المادة الإبداعية إلى حقل تجارب يعتمد على الفكرة النواة، ويستمد الباقي مما حولها أو بمؤثرات انطبعت في ذاكرتنا من قراءات رسمنا خارطتها الباطنية بذكاء، وهذا ما توقعه نابوكوف" ألا تؤثر الخلجات الباطنية الخفية التي كنت أسرتها في مستقبلهن في هذا العالم المتفاعل بقاعدة العلة والسبب" فالعالم المتفاعل هو العالم الروائي المتأثر الأساسي الذي تنتج مخيلته أنواعا من الشخصيات التي ترتبط فكريا بالبيئة التي عاش فيها، فيقارنها بالبيئات المختلفة، ليكتشف نوعا جديدا يعتمد عليه في طرح قضاياها التي يريد إخراجها للضوء في عملية خلق جديدة، فالأول أمسك بكل الخيوط النفسية التي نسج منها شخصياته كلوليتا الأولى التي تحيا في العقل الباطن فقط " لقد صببت فيها حسيا كل لواعجي، ولكن دون أن أدنسها، فما امتلكته بجنون لم يكن لوليتا الواقعية إنما كانت لوليتا الخيالية" والثاني استجمع عطرها من موت فتيات في زجاجة واحدة هي رائحة الموت في عطر مزق جسده تمزيقا لتأثيره الساحر، لينهي روايته بجملة واحدة" فلأول مرة في حياتهم فعلوا شيئا عن حب " لتفجر نفسها نوَّة أو لوليتا كما يسميها واسيني في عملية انتحارية، سببها الحب والوفاء لرجل لم يوفر لها الأمان الذي تبحث عنه "هل تدري يا مارينا أن الإحساس بالأمان هو أهم شيء بالنسبة لأية امرأة في مجتمع لم يقطع علاقته بذكورته" وهذا الإحساس هو ما تبحث عنه المرأة في الرجل غالبا، فإذا فقدته فقدت الحياة رونقها، بل فقد الحب روحه..
إن نسيج لوليتا يشبه نسيج أعصاب تعرضت لصدمة مراهق عاش لحظات حسية حقيقية تركها على شاطئ الريفيرا، ليعيد واسيني تحريك الزمن ويولدها بلحظة رأى فيها تلك الصبية التي تعلق بها، واستيقظت في ذاكرته تحت تأثير عطرها، لتنفلت من خيال نابوكوف، وتدخل بين أصابع واسيني، وهو يكتبها بقلم بنفسجي يشم منه عطر حبر جعله يشعر بوجودها " للمرة الأولى أرى امرأة من بياض الورق، وحبر الكتابة تنفلت من عمق كتاب، وتتحول إلى كائن يشبهها في كل شيء بل بتجاوزنا سلطان مرايا الداخل." فمرايا الداخل تعكس الصور، وتعيد بناء الضوء الذي فقدناه في عتمة رؤية دفناها في ذكريات استقرت في العقل الباطن، لتخرج فيما بعد بمشاعر انفعالية نرسمها بعفوية طفل ما زال يترعرع فينا " تساءل كيف يمكن أن يتحول شخص لا نعرفه إلى جزء من الضوء الذي ينير عتمات الداخل الذي يشبه حالة تيه بلا نهاية."
يقول وليم جيمس:" إن الذكريات والمشاعر والأفكار توجد خارج الوعي الظاهر لهو أهم خطوة حدثت إلى الأمام في علم النفس منذ أن كنت طالبا أدرس ذلك العلم".
إن واسيني يمتلك قدرة تخيلية تنتج أحداثا يمزجها مع الواقع معتمدا على عالمه الطفولي الخاص به، ليعيش في أبجدية رواية يستنبطها كل مرة من نسج أوهام انطوائية يخرج بها في لغة تعبيرية تحمل فلسفته الخاصة في إيحاء رمزي حديث يتحدى به من سبقوه ومن يلحقون به " لا عمل له فيها إلا تعذيب الأبجدية، التجربة علمته أن كل نص يأتي حاملا حياته وبذور موته ويقينه في داخله، ولا أحد يعرف السر، وهذا ما يراهن عليه واسيني سر صناعته الروائية التي يبتكرها من عمق الذاكرة الأدبية، فالتكنيك السردي جاء مندفعا مازجا بين عالمين في وعي ذهني داخلي وخارجي، هدفه الوصول إلى رؤية الحياة العقلية والعاطفية للكاتب، وهو يتخبط في مجالات الحياة الأدبية بمختلف مرافقها "جميل أن تكون الكتابة هي الحاسة التي توقظ أشياءنا الدفينة الرائعة، وربما تذكرنا أيضا بوحشيتنا المقيتة، وبأدفأ نقطة فينا."
في النهاية أقول: هذه رواية أجبرتني على قراءتها مرات عديدة، لأنه أراد فيها استعراض بطولاته الروائية متحديا كل رواية قرأها، وكل رواية تأتي بعدها مستعرضا الجهد الروائي" الكتابة حالة من الدهشة، تشبه لحظة عبور الدرج الأول من الجنة أو جهنم، لا يهم، وجهد ظالم يسرق الحياة، ويضعها بسخاء في أكف الآخرين بلا شروط، وأحيانا بسعر زهيد لا يتعدى سعر كتاب يقتنيه العابرون في إحدى المحطات" وهنا أقول لواسيني : إنه لمس جرح كل كاتب عربي، لكن لعل الجراح تحمل مداواة القلوب، فلولا السخاء العنكبوتي ما استطعت قراءة رواية استغرقت في تحميلها خمس دقائق ..
Doha El Mol