كل ما يهم هو من يقود في مصير الغاضب
ضحى عبد الرؤوف المل
"السرعة والغضب" (The Fate of the Furious) فيلم من كتابة "كريس مورغن" و"غاري سكوت تومسون" (Chris Morgan, Gary Scott Thompson).
يبقى فيلم "السرعة والغضب" (The Fate of the Furious) على مفاهيم الأجزاء السابقة من الفيلم، وهي العائلة الواحدة في أي عمل نقوم به، وتماسكها في الاتحاد والقوة والفهم، والقدرة على التركيز والتوازن في الظروف الصعبة التي تطرأ على الإنسان، وخاصة على المحاربين الأقوى على الكوكب الذين يدافعون عن الإنسان، ويواجهون قوى الشر لمحو الخوف من العودة إلى العصر الحجري من خلال الاستخدام المفرط للقوة، أو بالأحرى القوة التقنية والعلمية، لمن يمكنهم التلاعب بالأنظمة العالمية أو الهجمات الإلكترونية المجهولة القادرة على تحويل أي مدينة إلى منطقة حرب. لأن الجيل القادم من قنابل الصدمات تعطل الحواس، وتطغى على أدمغة تولد الألم والذاكرة البنائية.
يبدأ الفيلم بسباق سيارات للحصول على سيارة مرهونة مقابل سيارة أخرى يكون مصيرها الاحتراق بعد أن تؤدي دورها المطلوب. مشهد البداية يحفظ معنى الروح الكوبية والميل الكوبي في أخلاقيات رجل يعيش وفق قواعده الصارمة، والمبدأ الذي انطلق منه ليبدأ السباق مدركاً أنه الرابح منذ البداية، والمؤمن بمقولة "إنهم العشر ثوانٍ بين إشارة البدء والانتهاء". بعد الفوز، يقول للمتسابق والمراهن: "احتفظ بسيارتك، يكفيني الاحترام" عندما شاهد علم أميركا في كوبا، وكأنه يشدد على الروح الأميركية في أي مكان يتواجد فيه. ومن ثم، يقف المراهن إلى جانبه في نهاية الفيلم، محدداً ما هو مستهدف ومثير.
إنما قوة مشاهد الملاحقات وتحطيم السيارات، وبمبالغات صوتية نوعاً ما، أرهقت سمع المشاهد وجعلته يبحث عن استراحات سمعية، فلا يجدها موسيقياً كما ينبغي، رغم جمالية موسيقى "برايان تايلر" التي لم تتواءم مع المشاهد إلا ضمن مساحات ضيقة جداً في الفيلم الذي عالج بشكل رئيسي حميمية العائلة الوطنية أو الدفاعية القادرة على مواجهة الصعاب، وتحدي التقنيات الحديثة المبهرة في كثير منها والتي تواجه آلة الحرب المدمرة للعالم.
رؤوس نووية وقاعدة في القطب المتجمد، والدخول في صراع مع المخابرات الروسية وتمرير شيفرات وتلغيز، في فيلم ما هو إلا تسابق بين عوالم مخابراتية وعصابات تسلح واختراعات تقنية، وما إلى ذلك من صراعات تشتد وتحتدم للحصول على فرد من عائلة تكونت لرجل يمضي حياته في الدفاع عن مبادئ وطنية تحتم عليه الحفاظ على العائلة الكبيرة، وهي الوطن، والعائلة الصغيرة، وهي أفراد الأسرة، في محاولة لاسترجاع الطابع الديني برموز تمر مرور الكرام مع الفكرة التي انطلق منها الفيلم المحمل بعدة رؤى.
إن فتحت المشاهد على جماليات اختلفت في تنوعها، إلا أن التصوير استطاع إبراز قوة الممثل في تكوين المشهد الذي يلقي الضوء على معنى واحد في كل مشهد. وربما اعتمد هنا المخرج على ثبات بعض الأبطال في جدارة سينمائية قادرة على الالتقاط، والجذب والمتابعة حتى النهاية التي حملت مفاجآت لا يمكن توقعها في حل الألغاز التي زادت من تساؤلات المشاهد.
المراة الأم (Helen Mirren) أو تلك التي لجأ إليها فان ديزل (Vin Diesel) لتساعده في إنقاذ ابنه من مقايضة قد تودي بحياته، ليعكس مسيرة أي طريق يمشيه الإنسان بموازاة خطوط أخرى أكثر متانة تؤدي إلى تحقيق ما يخطط له، ويستطيع الوصول إليه بعيداً عن الغضب، بل بتركيز يبسط من خلاله رؤية ما بين إشارة البدء والانتهاء.
تتميز الحبكة بحبكة لسيناريو قوي التأقلم مع الفكرة الممزوجة بعقلية الإنسان المحافظ على قيم ضمن فريق تكتمل فيه عناصر المجابهة، والعزم على تحديات كثيرة للحصول على نتيجة مرضية إنسانياً ومشبعة بالأفعال الاجتماعية غير المرضية ضمن نفسيات مريضة تحاول خلق بلبلة، لتنغمس بالانتقام الذي أودى بها إلى نهاية غير معروفة، لترمي بطلة الفيلم نفسها من الطائرة، ويتم إنقاذ الطفل الذي حاول "فان ديزل" إنقاذه دون أن يخبر زوجته التي كان ما يزال معها في شهر عسل، خرج منه منطلقاً في مهمة استفزازية، لينقذ ابنه الذي لم يدرك وجوده سابقاً. كما جمع الفيلم بين الأفكار المتفرقة في العائلة أو المجتمع أو الوطن أو مكان العمل أو في الفريق واستعرض كل المراحل التفصيلية بغموض ترك الكشف عن ميزته في المشاهد النهائية، وجدلية القضاء على عناصر الشر في العالم.
برؤية أخرى تحديثية فيلم "السرعة والغضب" يتناول موضوعات القوة، العائلة، والتحدي. تدور الأحداث حول صراعات عائلية وعالمية، مما يعكس كيف يمكن للعلاقات الإنسانية أن تتأثر بالعوامل الخارجية. الشخصية الرئيسية، التي يؤديها فان ديزل، تعكس القوة والصمود في مواجهة الشر. ينقل الفيلم فكرة أن الوحدة العائلية هي السبيل الوحيد للتغلب على الصعوبات، مما يعزز القيم العائلية والتضحية.
دراما الفيلم تتصاعد بشكل جيد من خلال مزيج من الإثارة والتشويق. يبرز السيناريو صراعات نفسية داخل الشخصيات، خاصةً في لحظات الحسم عندما يجب على الأبطال اتخاذ قرارات صعبة. التوتر يتزايد مع مشاهد المطاردات وتحطيم السيارات، مما يُشعر المشاهد باستمرار الخطر.
أسلوب الإخراج يتسم بالحركة السريعة واللقطات الديناميكية التي تعكس روح الفيلم. استخدام زوايا كاميرا مبتكرة ومؤثرات بصرية تساهم في رفع مستوى الإثارة. الإخراج يبرز أيضًا اللحظات العاطفية من خلال تسليط الضوء على تعابير الوجه وتفاصيل المشاهد العائلية. المخرج يتقن خلق توازن بين الحركة والتوقف لتقديم مشاهد عاطفية مؤثرة.
الحوار في الفيلم يمتاز بالبساطة والوضوح، مما يسهل على الجمهور فهم المشاعر والدوافع. العبارات المؤثرة مثل "إنهم العشر ثوانٍ بين إشارة البدء والانتهاء" تحمل عمقًا فلسفيًا يبرز روح المنافسة والعزيمة. الكتابة تقدم شخصيات متنوعة، كل منها يحمل عبءه الخاص وتجاربه، مما يثري السرد.
الجمالية البصرية للفيلم تتجلى في التصوير السينمائي الرائع، حيث تُظهر المدن والمشاهد الطبيعية بتفاصيل دقيقة. التأثيرات البصرية، خاصة في مشاهد المطاردات، تخلق تجربة مشاهدة مثيرة. الموسيقى التصويرية لـ"برايان تايلر" تضيف بُعدًا عاطفيًا، وتتناسب مع الأجواء المليئة بالتوتر والدراما، رغم أنها لم تتناسب دائمًا مع الإيقاع السريع للأحداث.
الفيلم يعبر عن صراع الإنسان مع التحديات الكبيرة، مستخدمًا السيارات كمجاز للقوة والطموح. التعبير الفني يتجلى أيضًا في شخصيات الأبطال التي تعكس تنوع الخلفيات والثقافات، مما يعطي الفيلم عمقًا إنسانيًا ويعكس قضايا اجتماعية متعددة. وجود شخصيات نسائية قوية مثل "هيلين ميران" يضيف بعدًا إضافيًا للصراع، حيث تعكس التحديات التي تواجهها المرأة في عالم مليء بالمخاطر.
فيلم "السرعة والغضب" يقدم تجربة سينمائية مليئة بالتشويق والدراما العائلية. من خلال إخراج متميز، كتابة قوية، وجمالية بصرية رائعة، يتمكن الفيلم من جذب المشاهدين وإيصال رسائل عميقة حول القوة، الوحدة، والتحدي. إنه عمل يجمع بين الإثارة والتأمل في العلاقات الإنسانية، مما يجعله يستحق المشاهدة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com