الفيلم القارئ للذاكرة الوراثية التي تؤثر في الرؤية المستقبلية للعالم
فيلم الحشاشون "Assassin's Creed" للمخرج جوستن كورزل.
ضحى عبد الرؤوف المل
لا يشرق نور الحق، والقتل سمة لطائفة قتلة تسعى لتحقيق ذلك. والنهج الذي تتبعه يتخذ صفة إنسانية تختلط فيها مفاهيم قوى الشر، وإن بدت البداية كأنها مفتوحة نحو الكثير من المفاجآت. "إذا رأيت الناس يتبعون الحق عميانا، فاعلم أنه باطل، وإذا رأيتهم يعملون بالأخلاق أو القانون، فاعلم أن كل شيء مباح." فرمزية التفاحة على مر التاريخ لم تكن إلا للفصل بين الشر والخير، وبين الخطيئة والفضيلة. لتصبح الأسطورة هي بنية مؤسسة خاصة مكرسة لكمال الجنس البشري، التي وضعت روح النسر بين الملامح التاريخية الجامعة لتاريخ العالم المليء بالعنف. فقد "تراجع الاقتصاد العالمي الماضي بنحو 9 مليارات دولار بسبب سلوك المجتمع. نعتقد أن المرء أصبح لديه خبرة عريضة في العدوان، معتقدا أنه الحل الوحيد. الآن، تخيلوا لو وضعت هذه التكاليف في مكان آخر." فالتساؤل هو الركيزة التي بنى عليها المؤلف الفيلم القارئ للذاكرة الوراثية التي تؤثر في الرؤية المستقبلية للعالم. فهل يمكننا فعلاً ابتكار سبل جديدة للقضاء على العنف؟
لوحة فرانشيسكو ريزي لمحاكم التفتيش الكبرى عام 1492 بداية لاكتشاف الإسقاطات المبنية على التلغيز والترميز، والاستبطان الذي لا يمكن تجاهله في ظل الأسلوب التخيلي القادر على وضع المشاهد داخل التاريخ البشري وحروب الاضطهاد الديني. خاصة ضمن المفاهيم المعرفية التي يبسطها المؤلف دون غرابة يشعر بها المشاهد، لأنه قام باستخدام قارئ الذاكرة الوراثية، الذي يمكننا من خلاله أن نحيا حياة أسلافنا، وبالتالي الاطلاع على مجريات الأحداث في الماضي التي تقودنا إلى الحاضر، لتدرك طائفة القتلة سلالتها التي جعلت من البحث أو الفيلم دليلاً حياً على توريث الجريمة. فتفاحة عدن "كما ورد أنها تحتوي على بذور أول عصيان للبشر"، وهذا ما وضع النص ضمن أطر معالجة العنف ومكافحة العدوان بالأسطورة التي تنظف الماضي من أجل مستقبل طاهر من عقيدة القتلة. فما هي تفاحة عدن التي يبحث عنها أبطال الفيلم ومن هم أعداء السلام؟
للحصول على تفاحة عدن لم يتوقف القتل ولا صناعة الوحوش التي تقاوم القتلة. إلا أنه لا يمكنك قتل العقيدة لأنها تسري في الدماء، وهذا ما شدد عليه الفيلم. لأن التفاحة تحتوي على الشفرة الوراثية لحرية الإرادة، التي سوف يستخدمونها في هلاك البشرية، لكن الدكتورة صوفيا تكتشف علاجًا للعنف باقتلاع بذرة عصيان بشري نابع من حرية الإرادة نفسها. فعنوان الفيلم مشتق من الكلمة العربية "الحشاشين"، الذين كانوا فصيلاً من المنبوذين يسرقون ويقتلون بدم بارد، مما جعل الناس تسخر منهم، معتبرينهم متمردين حمقى ومدمني مخدرات. لكنهم كانوا حكماء، لأنهم يؤمنون أن حياتنا فداء لتراثنا الذي تخلفه لمن بعدنا. إذ يبتلي المرء على قدر عظمة مهمته وعصر السلام الذي سيخضع فيه كل البشر المتحاربين في طاعة تامة إلى حكم فرسان المعبد أو الهيكل في قادس. وهنا تكمن عقيدة الفيلم التي تختصرها جملة كريستوف كولومبس: "في أعقاب ضوء الشمس، سأترك هذا العالم القديم خلفي".
ما بين فرسان الهيكل وتفاحة عدن، العودة إلى العصر الحديث عبر الأسلاف، وتصحيح مسار الحياة الكلي، لتكوين صورة الإنسان المعاصر المغاير للأسلاف، وأن يحمل من الجينات ما يجعله يقاوم آفات عناصر الجريمة أو القتل والعنف. فالقصة مبنية على الأسطورة أو الحقيقة التي يتصارع عليها البشر، وتعيدنا من العصر الحديث إلى الأسلاف عبر صراعات ما هي إلا توارث أعمى، ليقين امتد عبر التاريخ من الصليبين إلى صلاح الدين، والكثير ممن تعاقبوا على حكم القدس. فهل يمكن السيطرة على سيناريو يتجه باتجاه عكسي من العصر الحديث إلى سنة 1492؟ أم إنه تجربة لإعادة ذكريات تاريخية جمعت عدة أهداف برزت في البداية، وكأنها لعبة تاريخية في فيلم جدلي حركي احتفظ بالإشارات والرموز، ليتم تحليلها عبر مسارات الفيلم المكثفة، والتي أتعبت ذهنية المشاهد لما احتواه من كمية المعلومات التاريخية المتخيلة وغير المتخيلة، لتختلط الحقائق مع الأسطورة، وتندمج الأهداف مع التحليلات، وتتكتل المشاهد الاسترجاعية القائمة على الخيال والبحث عن تفاحة ما هي إلا شجرة المعرفة في حديقة عدن، التي ترمز إلى مفتاح الإرادة الحرة نفسها التي تشكل شعار فرسان الهيكل.
يبدو أن ما جمعه كل من مايكل ليسلي وآدم كوبر وبيل كولاج في السيناريو هو لوضع التاريخ ضمن معرفة المشاهد الممسك بتفاحة عدن، من خلال المشاهد المسبوكة بأسلوب تشويقي لا يتصف بالعمق في بعض منه، لأنه اعتمد على مبدأ اللعبة المفتوحة على عدة احتمالات. بدأت من قتل الأب للأم، ومن ثم ظهور الطفل "كال" الذي كبر في منشأة سرية في إسبانيا، ليكون تحت تأثير آلة اسمها "أنيموس" تدفعه إلى العودة إلى الأسلاف، لنجمع المعرفة التاريخية من المشاهد المتقطعة والكثيرة المتعبة نوعًا ما للمشاهد، وإن كانت في الظاهر مجرد مشاهد حركة أو إثارة محملة بعنصر الحركة والمفاجأة والدهشة. فهل يمكن اعتبار قصة الفيلم جديدة أم هي عبارة عن تاريخ استجمعه الكتاب وأضافوا عليه عنصر التحديث بعيدًا عن الموضوعية؟
برؤية أخرى فيلم "الحشاشون" (Assassin's Creed) يعكس تجربة إنسانية عميقة تتمحور حول صراع الهوية والحرية. يتناول الفيلم فكرة ذاكرة الأسلاف وكيف يمكن أن تؤثر على أفعال الحاضر، وهو موضوع يتصل ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية والتاريخية. إذ تتداخل الأحداث في إطار زمني يمتد من الماضي إلى الحاضر، مما يخلق جوًا من الغموض والتشويق. يعكس السرد غير الخطي الصراع بين قوى الخير والشر، ويتيح للمشاهدين فرصة استكشاف الديناميكيات المعقدة للشخصيات. استخدام "قارئ الذاكرة الوراثية" كأداة سردية يضفي طابعًا فريدًا على الفيلم، حيث يعبر عن انصهار الذكريات والتاريخ في تجارب الأفراد.
تسير الحبكة حول فكرة العنف الناتج عن التاريخ والظروف الاجتماعية. تبرز الشخصيات الرئيسية، مثل الدكتورة صوفيا و"كال"، كرموز للصراع الداخلي والتساؤلات الأخلاقية حول استخدام السلطة والمعرفة. يتصاعد التوتر الدرامي مع تقدم الأحداث، حيث يتعين على الشخصيات مواجهة تداعيات أفعالهم في الماضي.
المخرج جوستن كورزل يبرع في توظيف تقنيات تصويرية مبتكرة، من بينها استخدام الألوان المظلمة والظلال، مما يعكس أجواء العنف والاضطراب. كما تظهر الحركة السريعة والمشاهد الديناميكية بوضوح في مشاهد القتال، مما يزيد من شعور الإثارة. اختيار مواقع التصوير التاريخية يضفي عمقًا جماليًا على الفيلم ويعزز الإحساس بالمكان. كما تتداخل الموسيقى التصويرية بشكل متناغم مع أحداث الفيلم، مما يساهم في تعزيز الأجواء الدرامية. التصوير السينمائي يظهر مناظر طبيعية ومشاهد حضارية قديمة، مما يعكس العظمة التاريخية ويزيد من تأثير القصة. الأسلوب البصري المتقن يجعل من كل مشهد تجربة جمالية بحد ذاته.
الفيلم يتناول موضوعات عميقة مثل الحرية، المسؤولية، والاختيار. يعكس الصراع بين العقلانية والعاطفة، ويدعو المشاهدين للتفكير في كيفية تأثير تاريخهم الشخصي على قراراتهم. يعكس الحوار بين الشخصيات رؤى مختلفة حول الأخلاق والعدالة، مما يعمق من الفكرة الأساسية للفيلم. تتطرق القصة إلى أحداث تاريخية حقيقية، مما يمنح الفيلم مصداقية تاريخية. كما يعكس السياق الثقافي لفترة العصور الوسطى والصراعات الدينية والسياسية، مما يجعل المشاهدين يتفاعلون مع الأحداث بشكل أعمق. من خلال تناول الأسطورة التاريخية بطريقة حديثة، ينجح الفيلم في نقل دروس الماضي إلى الحاضر.
فيلم "الحشاشون" يجمع بين عناصر متعددة من الدراما والفن والجماليات التاريخية، مع عرض حديث يستكشف موضوعات عميقة تتعلق بالهوية والذاكرة. يجسد العمل تجربة سينمائية تتجاوز الترفيه، لتصبح منصة للتفكير والتأمل في تاريخ الإنسانية وصراعاتها المستمرة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com