تشويق حقيقي في "لا تدق مرتين"

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم "لا تطرق مرتين" (Don't Knock Twice) للمخرج Caradog W. James، يتمحور حول جينجر، الساحرة ذات الشعر الأحمر "ماري أمينوف"، وأسطورة الإمساك بمن يطرق بابها مرة أو مرتين، باثارة درامية تعيد لمفهوم الأمومة قوة التضحية. إذ تبدو علاقتها الأخيرة مع ابنتها غير سهلة، حين أدمنت التعاطي وتركت ابنتها في أيدي دار رعاية لتُعتنى بها. وحين تم الشفاء، حاولت استرجاعها، لتجد ابنتها قد تورطت بأسطورة الأم الشيطانية. الشيطانة الشريرة التي تفتح الباب بين الجحيم والبشرية، وهي "بابي ياجا" الأوروبية الشرقية. إلا أن قوى الشيطان محدودة و**"ماري أمينوف"** بحاجة لمساعدة من عبد بشري. لأن الشيطانة تقوم بتعليمهم؛ فعندما تطرقين أول طرقة، تقوم بإيقاظ الشيطانة، والثانية تستدعي العبدة البشرية. والطريقة الوحيدة للعبدة البشرية أن تحرر نفسها من الشيطانة هي بقتل نفسها أو بخداع شخص آخر ليحل محلها، بواسطة إجباره على فعل شيء شرير للغاية. وهذا ما حدث في نهاية الفيلم عندما خلعت قلادتها الرمزية، لتحرر الأم من النزعة الشيطانية بعد أن غرقت في الأسطورة واستطاعت حماية ابنتها. فهل ساحرة الانتقام هي للأمهات غير القادرات على الاعتناء بأطفالهن، أم أن رمزية الفيلم تسلط الضوء على أسطورة عين الشيطان أو الشيطان الأم التي تتألم لفراق ما؟

جيسي، أو الممثلة "كاتي سكوف"، تؤدي دور الأم التي تعاني من اضطرابات ما بعد تعاطي المخدرات، والتي لجأت لفن النحت لتفريغ طاقات النفس السلبية، إلى أن تماثلت للشفاء، محاولةً بعد ذلك استعادة حضانة ابنتها "لوسي يوينتون" أو كلوي، التي تزور بيت "ماري أمينوف" وتطرق بابها مرتين، لتستيقظ باحثة عنهما. فيختفي صديقها وتشعر بالرعب، فتقرر اللجوء إلى أمها التي حاولت مساعدتها بشتى الطرق، لتبرهن لها على محبة الأم وقدرتها على الدفاع عن أبنائها، حتى لو تعرضت للأذى من جراء ذلك. وقد تجزأت المشاهد بإيجاز جمالي دون إسفاف أو زيادة لا معنى لها منذ البداية في المشهد الأول وغموضه من حيث الأم والابنة ووضوحه لما تعانيه جيسي من اضطرابات نفسية، وهي تلاعب أصابعها بارتجاف في محاولة أولى لتعيد ابنتها إلى رعايتها، وبتعبير تمثيلي جسدي حسي نقلته إلينا "كاتي سكوف"، يصمت دلالي له إيحاءاته الظاهرة التي تشير إلى قوة العاطفة الداخلية التي أظهرتها في دورها الأمومي. هذا دون أن ننسى أنها نحّاتة وتملك رهافة فنية وبنية جسدية منحتها الصمود لتدافع بشراسة عن ابنتها "كلوي" بعد أن أدركت قوة محبة الأم لها، وبتناقض بين الأم الشيطانية والأم الإنسانية برمزية الداخل والخارج، والماضي والحاضر في فيلم ذي نهاية مفتوحة.

مرئيات مشاهد مفتوحة بميزانية إنتاجية ضئيلة، كما بدا في الفيلم مما جعله يتميز بالتصوير أيضاً، ولعبة المونتاج، وإن بدت الموسيقى التصويرية غير متواءمة مع الكثير من الحركة التمثيلية في مشاهد الرعب أو الهدوء الحذر. لينفصل المشهد السمعي عن المشهد البصري في بعض المشاهد، وإن ضمن سيناريو احتاج للكثير من الوضوح بالنسبة لهذه الأسطورة، ولكن مراوغة إخراجية أبعدته عن التقليد أو منحته ديناميكية تركت لعنصر الإشباع التعطش لمعرفة المزيد عن الأحداث التي تركها الكاتب والمخرج مفتوحة على تأويلات مختلفة، وبالتالي إمكانية استكماله في جزء آخر أكثر تفصيلاً لما سيحدث للأم التي استدركت سر القلادة التي أهدتها لها موديل المنحوتة التي تحمل معالم أم وطفلها. فهل يحاول الكاتب استفزاز المشاهد لفهم نظرية المؤامرة أو التآمر على العقل بأساطير نستطيع الانتصار عليها تبعاً لقوة الإرادة والتحمل في مواجهة الصعاب التي نتعرض لها في الحياة؟ خصوصاً الأم التي يجب أن تواجه الطبيعة الداخلية التي تنشأ معها أو المتغلغلة بطبيعتها الإنسانية.

ثنائية الأم وابنتها وضعتنا أمام تطور الشخصيات نفسياً، وبمنطق الماضي الذي حدث بفعل سلوك الأم الذي أدى إلى تهشم دورها في الحياة نحو ابنتها، والتي حاولت إعادة ترميمه كما المنحوتات بين أناملها، لتفهم قيمة حركة الزمن الذي نعيشه عبر صياغة فيلم رعب أدخلنا إلى غابة المخاوف النفسية الموجودة في كل منا، لنمحو الخوف أثناء مقاومة الدفاع عن النفس أو تحقيق ما عجزنا عنه في السابق. ربما! الفيلم يحمل في مشاهده نوعين من التحليلات؛ منها ما هو عبثي لفيلم رعب ليس إلا، وقد يعتبره البعض تجارياً ليس إلا أيضاً. لكنه في المغزى يحمل الكثير من التفاصيل النفسية الكامنة في الأم خاصة والابنة ثانية. لأننا لن نفهم معاناة الآباء في مراحلهم الشبابية إن حدث خطأ في تحولاتهم العمرية، وربما الحكم عليهم هو ظلم من نوع آخر. وبموازاة النص والإخراج، برع كل من الممثلين في الأداء ضمن المشاهد المدروسة تقنياً، لتكون أيضاً متوازنة مع الإنتاج. فهل أسطورة الأم الشيطانية موجودة في الحياة عبر نظرية المؤامرة؟

برؤية أخرى فيلم "لا تطرق مرتين" (Don't Knock Twice) للمخرج Caradog W. James، يجمع بين الرعب النفسي والدراما الإنسانية، مستندًا إلى أسطورة تتعلق بالأمومة والتضحية. يستند الفيلم إلى عمق العلاقات العائلية، ويستعرض الصراعات النفسية بطريقة تجذب المشاهد إلى عوالم معقدة من المشاعر والأفكار.

يركز الفيلم على شخصية جيسي، التي تعاني من آثار تعاطي المخدرات، والتي تمثل تجسيدًا للصراع الداخلي بين الرغبة في الاستعادة والمواجهة مع ماضيها المظلم. العلاقة بينها وبين ابنتها كلوي تعكس عمق المشاعر الإنسانية، حيث تمثل كلوي رمز الأمل والبراءة، بينما تمثل جيسي الصراع والتضحية.

تتجلى الأسطورة في كون الأم الشيطانية رمزًا للتحديات التي تواجهها الأمهات في عالم مليء بالصعوبات، مما يضفي بعدًا فلسفيًا على الفيلم. الأسطورة تعبر عن التوتر بين الخير والشر، حيث تُعطى الأم فرصة للمواجهة، وهو ما يجعل المشاهد يتساءل حول طبيعة الأمومة وعبء المسؤولية. تقنيات الإخراج كانت حاسمة في تقديم القصة. استخدم المخرج الإضاءة بذكاء، حيث تساهم الإضاءة الخافتة في خلق أجواء من التوتر والقلق. الموسيقى التصويرية، رغم بعض الفجوات، تضيف إلى العمق النفسي، مما يعزز من تجربة المشاهد.

تصوير المشاهد يجمع بين الجماليات السينمائية وواقعية التوتر، حيث تظهر الزوايا الضيقة والشوارع المظلمة معاناة الشخصيات. اللعبة بين المشهد السمعي والبصري تضفي طابعًا فريدًا على العمل، حيث يدعو المشاهد إلى الاستغراق في عالم الفيلم. بينما كان هناك تباين بين الحركة التمثيلية والموسيقى في بعض اللحظات، إلا أن ذلك قد يساهم في تعزيز الإحساس بالانفصال والقلق.

على المستوى الجمالي، يتميز الفيلم بلحظات بصرية قوية تعكس الصراع الداخلي للشخصيات. المشاهد الجمالية تتداخل مع الرموز، مثل القلادة التي تحمل معاني متعددة، مما يعزز من الثيمات النفسية التي يستكشفها الفيلم. تتجلى قوة الأداء التمثيلي، خاصة من كاتي سكوف، حيث تنجح في نقل عواطف الأمومة من خلال تجسيد الصراع الداخلي بعناية.

الختام: فيلم "لا تطرق مرتين" هو أكثر من مجرد فيلم رعب؛ إنه دراسة نفسية عميقة للأمومة والتضحية، مدعومة بتقنيات إخراج فنية وأداء تمثيلي قوي. يحث المشاهد على التفكير في طبيعة العلاقات الأسرية والصراعات الداخلية، مما يجعله عملًا فنيًا ذا قيمة فكرية وجمالية عالية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com