شهوة الدم البدائية

فيلم العالم السفلي (Underworld: Blood Wars) للمخرجة آنا فورستر (Anna Foerster)

ضحى عبدالرؤوف المل

نخشى المستقبل، فنقبل على حروب الدم بقوة المستذئبين الذين يرصعون الخطى بالافتراس والانقلاب، والتمسك بمنطق القوة لخلق تجارة الموت التي تنشأ من حروب الدم، التي تركها المؤلف تتغذى من الاقتتال الثلاثي. فهل يحاول المؤلف إظهار نقاء سلالة الدم عند البشر الذين يحملون جينات السلام والمحبة؟ أم أن الفيلم يعالج أسطورة مصاص الدماء بخلق واقع شبيه لها عبر البقايا المفقودة من ذاكرة التاريخ المخفي عن العالم؟ أم أن امتصاص دماء الشعوب متعددة الأشكال والألوان والأهداف، وحتى الأساليب التي تستخدمها الجماعات، لتحقيق مآرب كسب البقاء، بغض النظر عن المعنى الإنساني للكون الذي لا يمكن تصنيف البشر فيه دون العودة إلى الماء، أو بالمعنى الرمزي في الفيلم، وهو العودة إلى الحياة الطبيعية ضمن المعنى الحاضن للحياة؟ أو الأم التي نشأت من عالم مسالم خرج منه بطل الفيلم الذي حارب مع الأم لابنة هجينة من نوعين من البشر، أو ما يتم تحضيره لمستقبل نجهله. فهل يمكن لتاجرة موت منح السلام؟

الماء هو الطريق للعودة إلى الحياة أو الفطرة في نشأة الإنسان المتطهر من الأفكار السامة، أو من التحولات الزمنية التي تصيبه وتمنحه من المعلومات قوة تجعله يستميت في تحقيق الأهداف أو حل الألغاز التي تنشأ من تفكير بدائي سببه شهوة الدم أو الشهوات التي تدفع الإنسان لتغيير ما بداخله، فيتكون الجيل الجديد من بقايا الماضي، وهذا ما جعل المخرج يلجأ إلى الفلاش باك بنفحة تصويرية مستحدثة. إذ باتت قطرة الدم كقطرة الذكريات التي تضع النقاط على الحروف أو الحقيقة بمكانها في حروب مدمرة لا يجني منها الإنسان سوى الموت والخراب.

مفردات في حوارات قصيرة لا يشبع منها ذهن المشاهد، لما تحمله من مغزى تحليلي يقود الفكر إلى استخلاص المشاهد وإعادة تركيبها في المتخيل الذاتي الذي يتطابق مع ما يجري في العالم من حروب دم قوية تقضي على معالم الحياة. "من دمه قد ينهي الحرب، لن نتقدم أكثر إذا تقاتلنا فيما بيننا، معًا نحن أقوياء. إخفاء الحقيقة أبقاك في حدود الأمان، إذا لم نتصرف بحكمة، فستكون خسائر الحرب أكثر مما نحتمل. يجب أن نكون من ننهي الحرب في المعركة الأخيرة." فهل نجحت آنا فورستر في إظهار قيمة النص أو أهداف السيناريو عبر الإخراج المتوازن، وأن تركت للغموض بعض المفاتيح التي تثير ذهنية المشاهد؟

تنوعت المفردة الموسيقية مع كل مشهد، وتناغمت المقاطع الموسيقية مع الحركة والتعابير ضمن الانفعالات التمثيلية، كأن المؤلف الموسيقي "مايكل واندماشر" اعتمد على بناء درامي موسيقي لا يقل أهمية عن التعبير التمثيلي الذي نجح به الأبطال، خاصة "تشارلز دانز" و"ثيو جيمس" و"كيت بيكينسل". إذ ترافقت الحركة الموسيقية مع حركة المشهد الداخلي ومع الحدث بتلاحم سمعي بصري زاد من قيمة المشهد وأبعاده التي لعبت دورها في استمتاع المشاهد في هذا الفيلم الذي يعيدنا إلى أسطورة مصاصي الدماء، وإن ضمن فيلم تسلسلي صاخب بالمعارك القتالية التي لم يضجر منها المشاهد كما يحدث في أفلام أخرى.

يكافح المؤلف في الفيلم ثورة التعطش إلى الدم والمتاجرة بقطرات دماء يحيا بها الإنسان الذي افتقد ماورائيات الحياة والانطباع المضاد للحروب، وإن بتغيير الملابس التي أيضًا لعبت دورها المهم في الفيلم للإيحاء بالزمن وانفصال الأمكنة عن الواقع المتخيل في مراحل الفيلم المختلفة. مما زاد من نسبة التأثر والتأثير والإقناع المؤدي إلى إبراز دور التصوير والخدع السينمائية الغنية، كغنى السيناريو الذي طرح ملحمة الدم التي لا تنتهي منذ الإنسان البدائي أو الذئب الحيواني حتى الآن. فهل من مصاصي دماء يبحثون عن تجار للدم في الجزء القادم من هذا الفيلم؟

برؤية أخرى فيلم "العالم السفلي: حروب الدم" للمخرجة آنا فورستر يجسد رحلة فنتازية مشوقة تتناول صراع المستذئبين ومصاصي الدماء في إطار درامي عميق. يتركز الفيلم حول قضايا وجودية تتعلق بالسلام، الحرب، والهوية الإنسانية.

تتناول حبكة الفيلم الصراع بين السلالات المختلفة، مع التركيز على مفهوم شهوة الدم كقوة دافعة وراء النزاعات. يظهر الفيلم البعد النفسي للشخصيات من خلال الحوار العميق الذي يعكس صراعاتهم الداخلية وأفكارهم حول الفناء والبقاء.

تتمتع الحبكة بتوتر درامي متصاعد، حيث تتداخل المشاهد القتالية مع لحظات من التأمل. الإخراج يجمع بين الحركة السريعة والمشاهد الهادئة، مما يعكس صراع الشخصيات مع ذواتهم ومع القوى الخارجية. كما تُستخدم الإضاءة والألوان بذكاء لتبرز التوتر والغموض.

تعتمد جمالية الفيلم على دمج العناصر البصرية والموسيقية. الموسيقى التصويرية تُعزز الأجواء المظلمة، بينما تعكس الكاميرا حركات الشخصيات بشكل ديناميكي، مما يضفي طابعًا حيويًا على المشاهد. الأزياء والمكياج يساهمان في خلق عالم موازٍ يعكس صراع الهوية والوجود.

تتجلى الفنتازيا في تقديم شخصيات خارقة وتحولات غير طبيعية. الفيلم يُحاكي الأساطير ويخلق عالمًا خاصًا، حيث يندمج الخيال مع الواقع في سرد ملحمي. يُعدّ استخدام الفلاش باك عنصرًا رئيسيًا في بناء السرد، مما يتيح للمشاهدين فهم تعقيدات التاريخ الشخصي للشخصيات.

في الختام، يُعتبر "العالم السفلي: حروب الدم" فيلمًا يُقدم تجربة فنية متكاملة، حيث تتداخل الدراما مع الفنتازيا لتسلط الضوء على الصراعات الإنسانية. يُظهر الإخراج البارع قدرة الفيلم على إثارة الفكر والمشاعر، مما يجعله ليس مجرد عمل ترفيهي، بل تجربة تأملية حول طبيعة الحياة والموت

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com