قوة الدماغ البشري ومدى خطورته على النفس

ضحى عبدالرؤوف المل

في فيلم Split من تأليف وإخراج "م. نايت شايامالان" (M. Night Shyamalan)، يتناول الكاتب "محمد نايت شايامالان" الشخصية الأخيرة من شخصيات متعددة ومختلفة تسكن العقل الباطن لشاب يدعى "كيفين"، الذي استطاع أن يخطف الفتيات الثلاث لتحفيز شخصيته الرابعة والعشرين من الظهور ضمن انقسامات العقل الباطن.

فالعمل الدرامي، الذي يتجاوز مجرد تعدد الشخصيات، يفتح احتمالات الدماغ القادر على التلاعب بمستوى الذكاء في كل شخصية أظهرها الممثل "جيمس مكافوي"، الذي لعب شخصية كيفين بمهارة تمثيلية قوية الأداء وعالية الروحية. تعابير وجهه وجسده كانت قوية، وصولاً إلى الصوت وأهميته في إظهار براعة التمثيل لشخصية تعاني من انفصام شخصية معقدة بشكل كامل.

لأنه حاد الذكاء، فهو قادر على تغيير بنية جسده بنفسه، خصوصاً عندما تتنازع الهويات على رسم ملامحها الخارجية. بينما ينظر كلاهما، كيفين والدكتورة المعالجة باتريشيا، إلى ما بالداخل، تؤثر الشخصيات بصرياً على من حولها، أي على أحاسيسهم، بينما يختبئ الوحش في الماضي منتظراً لحظة الخروج في الحاضر. نشعر في نهاية الفيلم أنه سيرافق المستقبل أيضاً، وهذا منطق تسلسل البشرية ولغزها المحير الذي يستمر بأشكال وأساليب مختلفة.

مرضى الشخصية الانفصامية يتفرقون في الاختلافات ويدمنون إخفاء كوامن النفس. إذ تبدو الفروق في الهويات اللاشعورية متعلقة بالعقل البشري وركائزه القوية والضعيفة. يمكن لهذه الركائز، التي تتغذى من مقومات النفس، أن تكون درامية حيث يتعلم الدماغ الدفاع عن نفسه. لأن الهويات تمتلك معدل ذكاء مختلف، فهناك قدرات على التركيز المفرط، وهو أعلى شكل للتطور البشري. خصوصاً أن المحطمين هم أكثر تطوراً، ولكن لا بد من حدود لما يمكن أن يصير عليه البشر.

فهل فعلاً نحن ما نؤمن أننا عليه؟ أم أن الإنسان يتخطى حدود العقل عندما يصاب بنسبة ذكاء عالية تجعله يعيش الاختلافات الداخلية والانقسامات النفسية الناتجة عن التربية الأولى، وما يتم النقش فيه من سلوكيات وأفعال تختبئ في العقل الباطن وتخرج كالوحش في اللحظة الحاسمة؟ وهل يحاول الكاتب والمخرج تصوير الدماغ البشري ككتلة تتصارع فيها العوالم الأخرى غير المرئية التي تنهش في العقول والأفكار دون أن نشعر بخطورتها، كما حدث مع الدكتورة النفسية التي حاولت الوصول لشخصية كيفين الأخيرة، إلا أنها قُتلت؟

فيلم نفسي لقصة محبوكة مع فكرة غامضة عمل على توضيحها المؤلف والمخرج شايامالان، كنظرية يستخرجها من أعماق النفس. ولا يمكن وصفه بالفيلم المرعب، ولا أنه ينتمي لأفلام هتشكوك بالأسلوب والتعاطي نوعاً ما، إنما بالعناصر التي استكملها المؤلف والمخرج المرتبطة بشخصيات كيفن المريضة مستنشقاً أغوار النفس. ليقول لنا عبر خلاصة الوحش ورمزيته في الفيلم إن دماغ الإنسان كالوحش الغافي في النفس المريضة، والعقل الحاد الذكاء عندما يصحو يشكل قوة لا يمكن مجابهتها إلا بالصفاء وإعادتها إلى الوضعية الأولى. وهذا ما فعلته الفتاة المختطفة، التي أيضاً تعاني من ذكريات طفولة سيئة مع عمها، إلا أنها استطاعت التعامل مع مشكلتها بأسلوب آخر. فهل يمتلك كل منا في دماغه الوحش الذي يستطيع المجابهة بالشكل الصحيح؟

بين التصوير والموسيقى التصويرية ترابطت الأنفاس التي حاول الممثل "مكافوي" أو "كيفين" والبعض الآخر من الممثلين اللعب على الحس السمعي، مما منح الفيلم هوية التأثير السمعي القوي الأداء عبر تلاحم المفردة الموسيقية مع الأداء التمثيلي، بتميز ملفت رغم بعض الثغرات في التصوير الذي انفصل عن التقنية العالية الجودة في حصر الزوايا. لتوائم المشهد النفسي وأبعاده ضمن المكونات التقنية التي استخدمها المخرج عبر المونتاج. لنشعر أن المكان هو علبة مركبة من وساوس ودهاليز لعقل يحاول التلاعب بالدكتورة باتريشيا التي أدركت مخاطر الشخصية الأخيرة، لكن بعد فوات الأوان.

إلا أن الموسيقى التصويرية لعبت دورها في التأثير النفسي على المشاهد المشدود الأعصاب، المنتظر خروج الشخصية التي تبحث عنها الدكتورة باتريشيا، والتي تشكل قوة الدماغ البشري ومدى خطورته على النفس. وهذه دراما نفسية بحتة رافقتها الإثارة الغامضة ذات اللباقة الهتشكوكية، ولكن بتدرج نفسي خفيف الرعب، لم يصل إلى نوعية أفلام هتشكوك بقوتها وإثارتها للسمع والبصر عبر التصوير. فالموسيقى والتمثيل انسجما مع القصة، لكن الأسلوب التصويري انفصل عن ذلك، إلا أن جودة القصة والفكرة التي تثير الحواس في استخراج المكنون النفسي لعبت دورها في نجاح الفيلم.

برؤية أخرى يعد فيلم Split للمخرج والكاتب "م. نايت شايامالان" دراسة فنية نفسية تثير العديد من التساؤلات حول طبيعة الهوية الإنسانية وتعددها. من خلال التوظيف الإبداعي لعناصر السرد والإخراج، يقدم الفيلم تجربة درامية غامضة تأسر المشاهد.

يتبنى الفيلم هيكلاً درامياً متماسكاً يجمع بين عناصر التشويق والغموض. الشخصية الرئيسية "كيفين" تعاني من انفصام في الشخصية، حيث يُظهر الفيلم كيف تتصارع هذه الهويات المختلفة في عقله. ينشئ شايامالان توتراً درامياً متصاعداً من خلال تطور الأحداث، حيث يبدأ "كيفين" في السيطرة على الموقف، مما يخلق شعوراً بالقلق والترقب. تُعزز التوترات من خلال الحوار والمواقف التي تعكس صراعات الشخصية.

يستخدم شايامالان أساليب إخراجية مبتكرة لتقديم هذه القصة المعقدة. اعتمد على زوايا التصوير القريبة واللقطات الديناميكية، مما يمنح المشاهدين شعوراً بالمشاركة في الصراع النفسي الذي يعيشه "كيفين". كما أضافت الموسيقى التصويرية بعداً آخر للأحداث، حيث كانت تعكس الحالة النفسية للشخصيات وتساهم في بناء الأجواء المتوترة.

يمثل أداء "جيمس مكافوي" علامة فارقة في الفيلم، حيث يجسد شخصيات متعددة بتفاصيل دقيقة تعكس انقساماته الداخلية. القدرة على التنقل بين الشخصيات بكل سلاسة تُظهر موهبته الكبيرة، مما يجعل المشاهد يتعاطف مع معاناته. أداء الممثلين الآخرين، مثل "أنيا تايلور جوي"، أضاف عمقاً إضافياً للشخصية الرئيسية، حيث تجسد صراعها من أجل البقاء والتغلب على خوفها.

تجسد الأبعاد الجمالية في Split تفاعل العناصر البصرية مع الموسيقى. ألوان الإضاءة وتصميم المشاهد يسهمان في خلق جو مشحون بالمشاعر، حيث يعكس استخدام الإضاءة المتناقضة الصراعات الداخلية. الفيلم يسلط الضوء على جماليات السرد السينمائي من خلال استخدام الرموز والتفاصيل الدقيقة التي تعزز من المعاني العميقة للقصة.

يمتلك الفيلم عمقاً رمزياً يمكن تحليله على عدة مستويات. "الوحش" الذي يتربص في عقل "كيفين" يمثل الصراعات الداخلية والهويات المدفونة. تعكس الأبعاد النفسية للفيلم معانٍ حول قبول الذات والصراعات التي تواجهها النفس البشرية. تساءل شايامالان عن الحدود التي قد يتجاوزها الإنسان عندما يواجه الظلال الداخلية.

يُعتبر فيلم Split تجربة فنية متكاملة تجمع بين الدراما النفسية والإخراج المتقن والأداء القوي. ينجح شايامالان في تقديم دراسة عميقة حول النفس البشرية، مما يجعل المشاهد يتأمل في موضوع الهوية والانقسامات النفسية. برغم بعض الثغرات التقنية، يظل الفيلم إنجازاً فنياً يسعى لتسليط الضوء على تعقيدات العقل البشري وجماليات الفن السينمائي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com