هذا هو الجسر الفاصل

فيلم "جسر هاكسو" (Hacksaw Ridge) للمخرج "ميل غيبسون"

ضحى عبدالرؤوف المل

الإيمان يمتح القوة لبناء العقل المتعب من الحروب، وما يحدث للإنسانية من صراعات قد يعجز عن فهمه الإنسان، لأنه المخلوق من ضعف. هذا المغزى هو بداية فيلم "جسر هاكسو" (Hacksaw Ridge) للمخرج "ميل غيبسون"، الذي بدأ به الراوي بقول يؤمن به دينياً وعقائدياً ووطنياً. أو ما استنتجته من لغة الحروب التي حاول ترجمتها بعد أن اكتملت رؤيته: "وكأننا لم نولد". فالدمار النفسي في الحروب هو الأكثر قسوة وعنفاً، ولكن هذا لا يتوقف على جيل واحد، بل على عدة أجيال تتعاقب لتشكل في مجتمعاتها الجزء المؤثر أو الانعكاس للماضي، ربما ماضي الجد أو الأب أو الأم، أو كل منهم، وقد يتخطى أفراد العائلة الواحدة.

وقد عالج الفيلم آلام النفس الإنسانية أو خبايا الحروب النفسية التي تؤثر جداً على الجنود أثناء الحرب، وقد حملت هذه القصة الحقيقية، كما يقول مؤلف الفيلم، شخصية جندي حقيقي توفي عام 2006 بعد أن روى قصته. فقد دخل الحرب التي وقعت بين اليابان وأميركا عند جسر هاكسو، حيث انخرط المحارب في سلك الجيش الأميركي، ليكون مسعفاً كضابط في الطبابة العسكرية، ورفض حمل السلاح رفضاً قاطعاً حتى وصل الأمر إلى محاكمته. لأن الأب كان جندياً وخسر كل أصدقائه في الحرب العالمية الثانية، وعانى من الكآبة والحزن، مما تأثرت به عائلته بعد أن أصبح متديناً ومؤمناً بالسلام مع أفراد العائلة، ليُعلن الحروب التي تقع في الحياة ويخسر فيها الإنسان حتى نفسه. فهل يحاول الفيلم إظهار خسائر الحروب النفسية التي تصيب الجنود دون الاهتمام ببقية حياتهم عند النجاة من موت الحروب القاسية؟

لأن الجيش الأميركي لا يخطئ في جملة تختزن في طياتها إيماناً عقائدياً بالوطن الذي قرر كسب الحرب. لنستنتج أن الجميع يخطئ في تقدير موازين الربح والخسارة عندما يستطيع الجندي المسعف مساعدة مئات الجنود من فرقته بواسطة صبره وقوة تدينه ورؤيته لوالده الذي تعرض للعذاب النفسي الناتج عن موت أصدقائه. ليجسد مؤلف الفيلم المعاني الإنسانية للإيمان بتعاليم الأديان التي تحرص على عدم الاقتتال بين الشعوب. إذ في الحروب التي تفرض نفسها بنفسها، الجميع يقفز في الحدث، ولا مفر من النجاة إلا بالإيمان المطلق بالوجود الإنساني الذي نستكمل من خلاله الحياة بعد نتائج الحرب الفظيعة. لأن الخسارة تكون مزدوجة، فالطبيعة الأساسية للحرب هي القتل أو التعذيب أو حتى اتخاذ القرار الذي يؤذي الأطراف كلها أحياناً عندما تبدأ مراحل الحسم. فأين هي الروح العالية للشعوب في حروبها مع بعضها البعض، والإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان؟

الجندي ديزموند لا يؤمن بالعنف ولا يتدرب على العنف، ولا يحب حتى لمس السلاح، والحرب تشكيلة ظروف مختلفة. إذ حتى القيم تتعرض للهجوم من أشخاص لا يعرفون المعنى الإيماني لكل شيء يقومون به في عالم شديد الإصرار على تمزيق بعضه. بل يبدو الأمر سيئاً عندما يقرر البعض إعادة قطعه بعد أن تمزقت، ولم تعد صالحة للحياة السليمة في المجتمع. فمن يقاتل لأجل بلاده ويخسر الكثير من المقربين منه ثم تنتهي صلاحيته يتم قتله إنسانياً. لأنه بذلك قد تم قتله مرتين في الحياة: عندما شارك بالحرب، وعندما تم إبعاده عن المشاركة في خدمة بلاده مرة أخرى، لأنه غير صالح نفسياً لذلك. فنحن لا نكسب الحروب بتقديم الحياة، بل الحرب هي من تجعل الإنسان يخسر قيمة الحياة وجوهرها. فهل تسامح الأجيال بعضها بعد كل حرب تقع على الأرض؟

استطاع كل من "روبرت شانكان" و"أندريه كنايت" منح النص روحية قصة حياة حقيقية التي يرويها الجندي ديزموند، وبث أهمية احترام إرادة الجندي الذي يريد المشاركة بالحرب بمحض إرادته. لأنه بذلك يكون هو القادر على اتخاذ القرار الأفضل في الجبهة التي تحيط به من كل الجهات. فالسيناريو المرن بتفاصيل المشاهد المكتوبة من خلال أحاديث الجندي ديزموند منح الفيلم جمالية مضافة، لأنه استخرج قطعة حية من جبهة قتال لا يمكن الدخول إليها حتى عبر الخيال المطلق أو الجزئي. لكن بعض الإضافات من المؤلفين منحت الفيلم رؤية أوسع مع الإخراج الهادئ، رغم التصوير الاقتتالي وإعادة الزمن حيث الحرب التي كلفت أميركا الكثير من الجنود في بطولات وطنية بصفات جندي نادر الوجود. فهل تتغلب المصلحة الذاتية على الأهداف الوطنية؟ أم أن استبدال التضحية بالنفس ناتج عن المبادئ الدينية التي آمن بها الضابط الطبي ديزموند؟

اضطرابات ما بعد الصدمة والشعور بالذنب الذي يعاني منه والد ديزموند الذي شارك في الحرب العالمية الأولى. إذ رفض أن يشارك ابنه في الاقتتال أو الدخول إلى الجيش، ومن ثم ساعده في المحكمة ليكون مسعفاً في الجيش دون حمل السلاح، لتبرز قوة النفس في تحدي الإرادة التي جعلت من ديزموند بطلاً حرب استطاع إنقاذ أعضاء فرقته الذين حققوا النصر فيما بعد. وتمت إصابته هو بأسلوب ملحمي تراجيدي، وبصياغة موضوعية، فعند إحساس المشاهد بالمبالغة الدينية أو الوطنية، يتدخل الراوي الحقيقي، أي الجندي ديزموند، بحكاية ما تبقى من القصة التي شاهدناها في فيلم "جسر هاكسو" (Hacksaw Ridge) للمخرج "ميل غيبسون"، وهذا هو الجسر الفاصل بين الحقيقة والخيال. فهل حاول المخرج إبراز الروح الوطنية للجيش الأميركي.

برؤية أخرى فيلم "جسر هاكسو" للمخرج ميل غيبسون يعرض قصة جندي أمريكي يُدعى ديزموند دوس، الذي أصبح رمزًا للمقاومة السلمية في خضم الحرب العالمية الثانية. من خلال أسلوبه الإخراجي الفريد، يُبرز غيبسون التوتر بين الإيمان والعنف، مما يخلق تجربة درامية مكثفة تمس جوانب الإنسانية والروح الوطنية.

تدور أحداث الفيلم حول الصراع الداخلي الذي يواجهه ديزموند، الذي يرفض حمل السلاح بسبب معتقداته الدينية، بينما ينضم إلى الجيش كمسعف. هذا التباين بين الإيمان والعنف يُعد الموضوع الرئيسي للفيلم، ويجسد التحديات التي يواجهها الأفراد في زمن الحرب. تعكس القصة واقعًا إنسانيًا يتجاوز الصراعات العسكرية، حيث تتقاطع قيم الشجاعة والإيمان بالسلام.

تتسم عناصر الفيلم بالدرامية العالية، حيث يُظهر غيبسون الصراعات النفسية التي تعاني منها الشخصيات. تُبرز مشاهد المعارك المكثفة التوترات المروعة، بينما تُعكس لحظات الضعف والقوة الإنسانية. التأكيد على العلاقة بين ديزموند ووالده يُضيف عمقًا للشخصية، مما يجعل المشاهد يتعاطف مع معاناته.

يتميز إخراج غيبسون بالتوازن بين المشاهد الحركية والمشاهد الهادئة. تستخدم الكاميرا الزوايا المتغيرة لتسليط الضوء على التعبيرات الوجهية، مما يعزز الشعور بالتوتر والإثارة. التقنيات السينمائية، مثل الإضاءة والتصوير، تعزز من الأجواء العامة للفيلم، حيث تخلق تباينًا بين اللحظات السلمية والعنيفة. يُستخدم التصوير القريب لنقل مشاعر الشخصيات بعمق، مما يُدخل المشاهد في قلب الأحداث.

تتميز اللغة السينمائية في الفيلم بالتعبير الجمالي عن الصراع الداخلي. يُستخدم الحوار بشكل فعّال لنقل مشاعر الشخصيات وأفكارهم. الموسيقى التصويرية تساهم في تعزيز الأجواء، حيث تتداخل النغمات الهادئة مع النغمات الصاخبة لتعكس التقلبات العاطفية. المشاهد الأخيرة التي تُظهر انتصارات ديزموند تعكس الجمال في الإنسانية، وتُسلط الضوء على القوة التي يمكن أن ينشأ عنها الإيمان.

فيلم "جسر هاكسو" هو عمل فني يجمع بين الدراما والإخراج المتميز. من خلال التركيز على الشخصية الرئيسية وصراعها، يحقق الفيلم توازنًا بين موضوعات الإيمان والعنف، ويُبرز المعاني الإنسانية العميقة. في النهاية، يقدم الفيلم رسالة قوية حول الشجاعة الحقيقية والأمل في عالم مضطرب. يُعتبر "جسر هاكسو" تجربة فريدة تنقل المشاهدين إلى أعماق النفس البشرية، وتطرح تساؤلات حول المعاني الحقيقية للحياة والحرب.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com