اعثر على السكينة! اعثر على ذاتك..
أسرار العالم الخفي وأبعاده التصوفية في فيلم للمخرج سكوت ديريكسون "Scott Derrickson"
ضحى عبد الرؤوف المل
من أنت في هذه العوالم الشاسعة؟ تبدو سياسة الحياة غريبة في فيلم "دكتور سترينج" (Doctor Strange)، الخيالي في تصوراته الدرامية المبنية على أفكار عالم مارفل، الذي بدأ يتخذ من الخيال البناء الأفكار التي تقود الإنسانية إلى بث المزيد من الجهد في التفكر بالمستقبل المبني على قوة الماضي وملاحقته لتصحيحه. إلا أن بعض الأمور لا يمكن إصلاحها، ولكن دائمًا هناك أمور أخرى قد تعطي لحياتك معنى إن منحنا أنفسنا الوقت اللازم لتصحيح مسار الحياة التي أصابتنا بتغيرات قدرية لا يمكن أن ننظر إليها من منظور ضيق. لأنه وببساطة، لا يمكن خوض النهر وأنت تسير عكس تياره، بل عليك اتباع تياره لتعزز قوتك. لنفاجأ في الفيلم بالمفاهيم للغة الفنون الباطنية الموجودة منذ تأسيس الحضارات، وبمنحها صورة حداثة فكرية تنسجم مع روح العصر الذي نعيش فيه، بل وتتخطى لغة المستقبل ليرتبط الماضي بالحاضر من خلال قصة درامية بلمحة إنسانية.
أمهل جسدك الوقت لتتعافى، لأني شفيت من إصابة يستحيل الشفاء منها، وتملكني اليأس بعلاج جسدي، لذا ظننت أن عقلي هو ملاذي الوحيد وعلي أن أرتقي به. فجلست برفقة الروحانيين والنساء الناسكات. هذا ما قاله لاعب الكرة بعد إصابة دكتور سترينج بشلل في أصابع يديه نتيجة حادث سيارة، لكنه لم يتحل بالقوة الكافية ليصبر على إعادة توجيه الروح لتساهم بعلاج الجسد، بمعنى أصح، علم توجيه الروح لعلاج الجسد أو الشفاء من خلال التحفيز الروحي. لندخل في متاهات عالم الإخراج التقني والقصص الخرافية عن القوى الروحية للطاقة الكامنة في قوة الإيمان بالخالق وبنظام عمل الخلايا، لأن الخلايا مبرمجة لشفاء نفسها بنفسها بطرق محددة بشدة. ليكتشف دكتور سترينج مع الروحانية التي تمارس علم القوى الخفية الأسرار اللازمة لتقضي على القوى الظلامية بعد أن تتبنى إعادة بناء مفاهيم دكتور سترينج الفكرية، ليرى مقدار جهله بعد توسيع آفاق رؤيته، فيدخل معها للحظات إلى البعد الروحي كي يستقر، وتبدأ رحلته الغريبة بباطن الوجود حيث العقل والمادة يجتمعان، وفي عالم ما هو إلا واحد ضمن عوالم لا حصر لها، وحيث الأفكار أو الشيفرة البرمجية هي التي تشكل الواقع. فهل كتاب الشمس الخفية الذي تم ذكره في الفيلم هو كتاب شمس المعارف؟
يحاول كاتب الفيلم تعزيز الوجود بالابتعاد عن صفة الغرور الطبي الذي يعجز في الكثير من الأحيان عن شفاء الحالات الميؤوس منها طبيًا، للانتقال إلى تطوير النفس واستمداد الطاقة من الأبعاد المعرفية الأخرى التي تشحن الروح بالطاقة اللازمة لتقاوم آفاتها الداخلية وتخرج إلى النور بالصبر والأنات والاعتماد على الذات. هذا ما يحاول بثه الفيلم، لإظهار قوة الطاقة التي تتصف بها الروح القابعة في الجسد، وبكونية الفكر التصوفي المرتبط بعدة مفردات عقائدية ورمزية وأساطير مثل "استرونوميا نوفا، مفتاح سليمان، مقدمة مكسيم، شامبالا، الإسقاط النجمي، دراسة الزمن، خاتم التنقل، التركيز والتخيل، عين أوغاموتو، دورمامو، البعد الظلامي، العبث بالخطوط الزمنية". ليكون التشويق الدرامي عبر مغامرة محفوفة بالمتعة، وإن عبر عالم مارفل الغريب، إلا أنه موجود في المخطوطات القديمة قبل آلاف السنين، وعبر الحضارات التي مرت عبر الزمن، وبفهم لقوانين الفضاء والكون. كالتلاعب بالزمن قد يحدث تفرعات زمنية تؤدي إلى فتح الأبعاد غير المستقرة، وتحدث تناقضات محورية وخلق حلقات زمنية متداخلة، وبمنطق يثير جدلية المشاهد ويدفعه إلى مشاهدة النهاية التي هي بداية لفيلم آخر.
الزمن هو العدو الحقيقي للجميع، والوقت يُفني كل شيء، ولب كل تطور سبب كل وجود، ولكن الافتقار للخيال يولد ضعفًا في الجرأة لشخصية لا تفارق الواقع، بل تريد العودة لممارسة العمليات الطبية التي اعتاد عليها بكلاسيكية تناقضاتها مع اتجاهاتها في ما تبقى من الفيلم، حيث النضال الحقيقي لإعادة توازن القوى مع بعضها البعض: البعد الظلامي والاستيلاء على العالم. لتكون معادلة الذكاء مستخرجة من فن التأمل الذي يولد الطاقة اللازمة للفكر الإنساني، بمعنى آخر: حيث تفشل في مكان ما، ستنجح في مكان آخر، وقد نجح الفيلم في الاحتفاظ بالمعاني الإنسانية والكونية وفتح آفاق المخيلة نحو اللانهاية.
لعبت الموسيقى التصويرية، وهي من تأليف "مايكل جاكينو"، دورًا مهمًا في فتح منافذ الخيال أمام المشاهد، لتساعده في التقاط الحدث المبني على الفكر الكوني ضمن الفيلم الخيالي في مبناه. إلا أنه في المعنى الموضوعي هو كوني باتجاهاته ويعيدنا إلى آلاف الحضارات السابقة عبر فانتازيا حركية، وتقنية التصوير الثلاثي الأبعاد مع الخدع الإخراجية التي اعتمد عليها المخرج "سكوت ديريكسون"، بتقنية زادت من التأثر والتأثير. إضافة إلى جمالية الأداء في تمثيل أبطال الفيلم الذين منحوه جمالية مضافة مثل تيلدا سوينتون، بينديكت كامبرباتش، مادس ميكلسن، رايتشل ماكادامز، شيواتال إيجيوفور، إلى جانب التصوير والإضاءة والاهتمام بالنص الدرامي المحبوك بشدة، والمنطقي في خياله العلمي، لأنه يرتكز على مخطوطات قديمة عديدة ومفاهيم ما زالت تثير الكثير من الجدليات في العالم.
برؤية أخرى فيلم "دكتور سترينج" للمخرج سكوت ديريكسون هو عمل خيالي مفعم بالتشويق ويجمع بين الفلسفة، الروحانية، والتصوف. يتناول قصة دكتور ستيفن سترينج، الجراح الذي تحول إلى ساحر، في رحلة لاستكشاف عوالم جديدة ومعالجة جراحه النفسية والجسدية.
تدور الأحداث حول الصراع الداخلي للبطولة، حيث يتعامل دكتور سترينج مع يأسه من إصابته ومعاناته. تطور شخصيته هو محور الفيلم، بدءًا من رجل مادي وجراح مرموق، إلى ساحر يتقبل قوى روحية. يبرز الفيلم ثيمة التعافي وإعادة بناء الذات، مما يخلق اتصالاً عاطفيًا قويًّا مع المشاهد.
اختار سكوت ديريكسون أسلوب إخراج مبتكر، حيث دمج بين التأثيرات البصرية المذهلة والمشاهد الدرامية المؤثرة. استخدمت تقنيات التصوير ثلاثية الأبعاد بشكل رائع، مما أضاف عمقًا وثراءً بصريًّا. الانتقال بين العوالم المختلفة تم تصويره بطريقة تجعل المشاهد يشعر وكأنه يشارك في رحلة دكتور سترينج.
تتميز السينما البصرية في الفيلم بتفاصيل دقيقة، بدءًا من تصميم الأزياء وصولًا إلى المؤثرات الخاصة. الألوان المستخدمة تعكس الأبعاد الروحية وتبرز التغيرات العاطفية في الشخصية. الموسيقى التصويرية التي ألفها مايكل جاكينو تساهم بشكل كبير في خلق الأجواء، مما يعزز من تأثير المشاهد ويجعلها أكثر عمقًا.
الفيلم يتناول موضوعات عميقة مثل الإيمان، القوة الداخلية، والشفاء. من خلال الحوار والمشاهد، يطرح الفيلم تساؤلات حول الوجود والمعنى، ويشجع المشاهدين على التفكير في العلاقة بين العقل والجسد والروح. يتضح أن القوة الحقيقية تأتي من داخلنا، وهو درس يظل راسخًا في الأذهان.
فيلم "دكتور سترينج" ليس مجرد فيلم أكشن خيالي، بل هو تجربة بصرية وذهنية تتناول موضوعات عميقة حول الذات والوجود. من خلال إخراج متميز وتقنيات فنية رائعة، استطاع الفيلم أن يقدم رسالة ملهمة حول قوة الشفاء والإيمان. إنها رحلة لا تنتهي من الاستكشاف والتعلم، تدعو كل مشاهد للتفكير في عمق الإنسان وقدرته على التحول.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com