الهرم الرابع من تأليف وإخراج بيتر ميمي.
ضحى عبدالرؤوف المل
نافس الممثل "مصطفى أبو سريع" بديناميكيته الدرامية أبطال الفيلم، وبتوازن مع الممثل "أحمد حاتم" الرزين تعبيرياً وبروح شبابية، و"ميرهان حسين"، والممثل صاحب الفكاهة الخفيفة "أحمد حلاوة"، من خلال الأسلوب التمثيلي الدرامي المتماشي مع شخصيته. وببساطتها، إضافة لتارا عماد ويسرا اللوزي، والوجوه الشبابية التي صقلها وجود القدير "يوسف شعبان" والقدير "محمود الجندي". مما أدخل على نفس المشاهد نوعاً من الترفيه بالخروج من جدية الموضوع نحو فكاهيته القائمة على مبارزة الفكر الذي مارس القرصنة السلبية تحت صورة القرصنة الإيجابية المضادة، ربما! منطقياً لا مكان لها. إلا أن النبوغ الفكري عند الإنسان أحياناً ترافقه بساطة في السلوك، مما جعل السارق يغسل أموال المجرمين بأسلوبه الذي أحبه بداية، ومنحه نشوة الانتصار على مجتمع ظلمه وظلم البعض من محيطه وسواه، ممن انتقم لهم يوسف بالقرصنة، ومنهم القواد الذي نصب على قواد وانتقم منه يوسف ليساعد بذلك صديقاً له.
فك الهكرز وشخصية عبدالله البسيطة تقابلها شخصية يوسف المعقدة، وهذا التناقض السلس بين الشخصيات تميل إليه وجدانية المشاهد وفكره، مع شارة "الهرم الرابع" وخطوطها المثيرة للجدل. قراءة أفكار بأسوأ ما في الأمور غير الظاهرة، والتي تتخفى تحت العديد من المسميات، منها أصحاب المواقع الإباحية والدعارة الإلكترونية، ليكونوا أصحاب هذه الأعمال من وجهاء المدينة أو من الوجوه الاجتماعية المرموقة. فهل تستطيع التقنية الإلكترونية محاربة الفساد بالفساد؟ وهل اختلفت صراعات العصر الحديث من الواقع إلى الافتراض والعكس صحيح، وباتت السرقات تختلف بوسائلها؟ إلا أنها ما زالت من جرائم النفس البشرية التي تسعى للحصول على كل شيء بشتى الوسائل، وهذا ما حاول فيلم "الهرم الرابع" إظهاره، وإن بأسلوب احتاج إلى المزيد من الحبك الدرامي، ليكون الحدث هادئاً وإن رافقته الإثارة التصويرية والصوت إضافة إلى الحوارات المختصرة، في حين تقطعت المشاهد بأبعاد لم تتقارب مع بعضها، مما أتعب المشاهد ليعيد ترتيب الأحداث عبر أفكاره ومخيلته التي استمتعت بالفكرة وتعبت من السيناريو الذي احتاج للمزيد من السبك والتماسك، والومضات السريعة التي تتماشى مع روح العصر لكنها تعيق الفهم البصري.
يوسف البوهيمي القادر على اختراق حسابات الأشخاص الذين يسرقون وينهبون وينتهكون حقوق الناس، وهو من ولد لأب يقود سيارة أجرة ليُدرس في جامعة ربما ليست للفقراء الذين يحلمون ببناء مستقبلهم، كما يليق بأدمغتهم التي يجب أن تستثمر في بناء المجتمعات الذي خرج منها يوسف، ولم يستطع إنقاذ أمه من موت أحاط بها بسبب رفض الطبيب إجراء عملية لها ما لم تدفع تكاليف العملية، مما أجبره على الانتقام بإظهار مفاسد الآخرين الذين لم يسكتوا عنه بل حاولوا بشتى الطرق إيذاءه الجسدي بعد أن تمت إذيته النفسية بأكثر من أسلوب. فهل نتعاطف مع قصة الفيلم وننسى المبادئ الحياتية البسيطة في العيش، أم إننا كمجتمع عربي لا يرحم؟ وهل هذه الأحداث هي استثنائية في العالم كله؟ إلا أن التساؤل عن حرية الاختيار والإيمان بالقضاء والقدر، وهذا ما عالجه الفيلم من خلال الممثل يوسف شعبان. إلا أن يوسف اختار القدر الأسود والانتقام مع أغنية تماشت مع الحدث وزادت من المؤثرات الوجدانية التي أضافت بحنكتها نوعاً من الانسجام الدرامي أو التراجيدي لما حملته الأغنية من معاني حزينة واختصارات للمزيد من المشاهد التي اختزلها الكاتب والمخرج للتخفيف من الإسراف في المشاهد أو المبالغة بالقصة القصيرة التي جعل منها انطلاقة لفيلم "الهرم الرابع".
لكل فعل ردة فعل، وهذه الكارما القدرية في فيلم "الهرم الرابع" هي جزء من قانون البشرية المغمس بالأمور السلبية والإيجابية، أو دفع ضريبة الولادة من عائلة فقيرة أو عائلة غنية. وفي كلتا الحالتين، لا بد من أحداث ترافق الحياة البشرية عبر تطورات في علم الجريمة المرافق لعلم تقنيات الحاسوب وأخطاره، وسرعة السرقات البنكية أو الحسابات الشخصية أو الهكرز، والسطو الحاسوبي البعيد عن مفهوم القواد، كحزورة استطاع حلها يوسف وهي: "عالي زي الجبل، ناشف زي الصدف، يلدغ زي العقرب ويختفي زي الدخان"، وهي بطاقة دخوله إلى الكازينو، لينتقم من قواد لا يملك الرحمة ولا يرعى حقوق عماله ورغباتهم، ومنهن النساء اللواتي يمارسن له سوء أخلاقيته ويستخدمهن في استثمار الكازينو الذي دخله يوسف لينتقم.
"ورا الشاشة بطل في الظل ما بيتشاف" وأغنية أخيرة أكملت المشهد الأخير مع موسيقى تصويرية "سيف عريبي" رافقت المشاهد بسرعة الإيقاع الذي احتاج نوعاً من الهدوء في أماكن أشبه بالفواصل التي لم يتوقف عندها، وتركها قوية المفردة، في حين بدت شارة البداية أو التتر بموسيقاها منسجمة مع البداية. وهذه المرافقات الموسيقية وتوازناتها بوتيرة عالية أحياناً ومنخفضة تارة أخرى، تسربت للنفس وزادت من تأثير المشهد المتعاطف مع يوسف بتشويق وإثارة، إلا أن الموسيقى التصويرية لها جمالياتها الحزينة أكثر من جمالية المفردة المثيرة أو الأكشن القوي عند الحدث. فهل استطاع "سيف عريبي" خلق مفردة موسيقية خاصة بالفيلم، بما يتناسب مع القصة الدرامية التي تعالج هموم الإنسانية التي تتصارع حتى عالمياً؟
برؤية أخرى العنوان والمضمون: فيلم "الهرم الرابع" يحمل عنواناً يثير فضول المشاهد ويعكس أبعاداً فلسفية ورمزية. الهرم في الثقافة المصرية القديمة يرمز للخلود والقوة، مما يعكس صراع الشخصيات مع قوى الفساد والمجتمع. تعكس القصة رحلة إنسانية تتناول قضايا معقدة كالجريمة والانتقام والفساد، ما يجعلها تنتمي إلى قضايا العصر الحديث.
تتوزع الشخصيات في الفيلم بين نماذج متعددة تعكس تناقضات المجتمع. شخصية يوسف، التي يقدمها "يوسف شعبان"، تجسد البطل المعقد الذي يواجه ظروفاً صعبة، مما يجعله رمزاً للأمل والتحدي. بينما يمثل "أحمد حاتم" شخصية أخرى ذات تعبير رزين، مما يعكس توازنًا دراميًا بين القوة والضعف. من خلال هذه الشخصيات، يتمكن الفيلم من استكشاف جوانب إنسانية عميقة، مما يجعل المشاهد يتعاطف معها.
يظهر الإخراج تحت قيادة بيتر ميمي قدرة كبيرة على خلق أجواء مشحونة بالعواطف. يتم استخدام الكاميرا بشكل متميز لنقل الأحاسيس والمشاعر، حيث تبرز زوايا التصوير المبتكرة العواطف المعقدة للشخصيات. استخدام الإضاءة والتظليل يعزز من عمق المشاهد، ويخلق جواً من التوتر والدرامية. تعتمد القصة على بنية سردية غير خطية، حيث تتنقل بين الماضي والحاضر، مما يضيف بعداً زمنياً يعزز من فهم الشخصيات ودوافعها. هذا الاستخدام للزمان والمكان يُعتبر ذكياً، حيث يسمح للمشاهد باستيعاب التعقيدات النفسية لكل شخصية.
. تساهم الموسيقى التصويرية، وخاصة عمل "سيف عريبي"، في تعزيز الأجواء الدرامية، حيث تتناغم مع مشاعر الشخصيات وتضيف عمقاً للأحداث. الاختيار الجيد للأغاني التي تعكس الصراعات الداخلية للشخصيات يُعتبر من النقاط القوية في الفيلم.
يمتاز الفيلم بتصويره الجمالي الذي يعكس واقع الحياة المعاصرة في المجتمع العربي. الألوان، والتفاصيل البصرية، والتوزيع الفني للعناصر في المشهد يساهم في خلق تجربة بصرية متكاملة. إن استخدام الفضاءات المختلفة يعكس التباين بين الشخصيات، مما يعزز من عمق السرد.
يحمل الفيلم رسائل مهمة حول الفساد، والعدالة، ومكانة الفرد في المجتمع. يتناول صراعات الفرد ضد القوى الكبرى، ويطرح تساؤلات حول كيفية تحقيق العدالة في عالم مليء بالظلم. كما يعكس الفيلم جوانب من الحياة المعاصرة والتحديات التي تواجهها الأجيال الجديدة.
فيلم "الهرم الرابع" هو عمل فني متميز يجمع بين الإبداع الفني والعمق الدرامي. يتمكن المخرج من تقديم تجربة سينمائية غنية تنقل المشاهد إلى عالم مليء بالصراعات الإنسانية، مما يجعلها تجربة تستحق المشاهدة والتفكير. من خلال الرؤية الإخراجية المتميزة، يصبح الفيلم مرآة تعكس قضايا المجتمع العربي الراهن وتطرح تساؤلات حول الهوية والعدالة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com