الوتر والظل
ضحى عبدالرؤوف المل
حرب استرداد حقيقية، ولكن هذه المرة حرب روائية تسترد بعض مفاهيم تكونت عن حقائق كتاب وإنجازات اكتشفناها مع أبطال يستحقون حفل تطويب، في أسلوب حافظ على الفكر الديني للكاتب آليخو كاربانتيير في فصول روائية ترجمها علي الأشقر، وحملت من الكتاب المقدس مفاهيم ناقشها روائيا، في استنكار للماسونية، لكنه تجنب ذكر النبي محمد مع رفض الوثنية "عن إله يمكن أن يكون رب إبراهيم ويعقوب، كلم موسى من شجيرة العليق المشتعلة، عن إله سابق على تجسده الذاتي، وقد أغفلت إغفالا تاما روح القدس الذي غاب عن كتاباتي، غياب اسم محمد ، وإني أرتجف رعبا لما تنبهت إلى ذلك ".
في أسلوبه خاصية شعرية تهدف إلى الإبحار بنا في رمزية تمزج الصوت مع قافية مرنة، لإعطاء أهمية لوتر يعزف عليه، فيجمع كل أنماط الشخصيات في قالب يتشكل تحت ظلال إيحائية، ليلعب دورا مهما كقائد أوركسترا لفن كلمة توحدت مع البناء الفني الذي نقل أحاسيسه منه إلينا ببراعة جعلتني أتعجب أحيانا، وأغضب أحيانا، وأوافق عليه فكريا رغم أنني أرفض ما فعله كريستوبال، لكنه استطاع ربط الشكل والمضمون تحت راية واحدة، هي القيمة الأدبية المتنوعة التي قدمها لنا في رواية " الوتر والظل" فآيخو كاربنتير أبدع في التعبير الغامض أحيانا "إنها ليلة صافية ملائمة، وإبحار سعيد، له إيقاع موزون على حسيس أجهزة السفينة"
تبدأ الرحلة على متن الأسطورة الذهبية ليقول:" في الهارب حين يعزف ثلاثة أشياء: الفن واليد والوتر. وفي الإنسان :الجسد والروح والظل." فالعناصر الثلاثة ترتبط بالمظاهر الأولية لفن الرواية، وبالمظاهر الأولية للموسيقى التي يعشقها آليخو قبل أن يملأ روايته إيقاعا ذاتيا في تفريغ الزمن من وحداته، ليجعل الحدث المقياس الزمني، كالنوتة الموسيقية التي هي الأهم لجملة موسيقية تبرر وجود النغمة كشرارة أولى، فهو مد الفراغ بين نقطتين، الفصل الأول والثالث، ليترك الفصل الثالث يبرر وجوده بنفسه، وليحتل الفصل الثاني مضامين معرفية، ومفاهيم خاصة بالبحارة في بوصلتهم الحقيقية " يحملون معهم غرابين، ليصقلوها متى صادفتهم غارة في إبحارهم، مدركين أن الطائرين إن لم يعودا، يكفي توجيه السفينة بالاتجاه الذي غابا فيه أثناء طيرانهما" لنجد معه " لذة أكبر في دراسة الكون وعجائبه" فهو دخل بغرائب الحيوان كمكتشف فعلا لأدغال وعوالم دخلها " وهكذا، فقد علمت أن الخرتيت يمكن تهدئة ثورة غضبه، إذا اعترضته فتاة، وكشفت عن ثديها لما تراه مقبلا".
الوتر في الفصل الأول هو النغمة المتوازنة التي تصدر عن حركة يد تترجم انفعالات داخلية للخارج من خلال العقل القادر على خلق كل حركة في إيقاع له هدف وجودي تحت ظل الجسد، فكل حركة في الحياة تصدر صوتا إنشاديا قد يحمل حتى تراتيل دينية تسترخي لها الروح" كانت قد ارتعشت مرات عديدة ذلك الصباح داخل زجاجاتها المصممة، لتهتز متناغمة مع التراتيل البهيجة التي تؤديها فرقة الإنشاد البابوية ذات الأصوات القوية." لترفع ذاكرة السمع قامتها، وتلغي سلمها الموسيقي، فتتكون لغة حروفية لها رؤية صوفية أحيانا، ورؤية بابوية، وأيضا رؤية إلحادية، ليبدأ التنغيم على أفكار طرحها في الرواية بعناية في لا نهائية الكون، وبداية التواصل الروحي بعد معاناة الجسد" ولقد كانت في حياتي لحظة بديعة رفعت فيها بصري إلى الأعلى، إلى أعلى الأعالي، فتطهر جسدي من الدرن، وسما عقلي في اتحاد تام بين الروح والجسد، إن نورا جديدا بدد ظلام ضلالاتي ومشاغلي"
أحداث ماضية اقترنت بالكتاب المقدس، وبتحليلات دينية سبق فيها الفعل العقل إلى أن نادى" ألا يا يهود إلى الرحيل" فالمناداة خضعت لتأثير الأسلوب القضائي الذي تثيره قضية كريستوبال كولون لمعرفة سلوكياته في رحلة تناقش أحداثا ماضية في زمن الملك سليمان في وصف تضاعفت فيه الصور الحسية والمعلومات المعرفية، كأنه أبحر بنا إلى كل نساء العالم، ليذكر صفات النساء في كل بلد زارها ضمن رؤية جمعت نصوصا استقرائية ثابتة في الإنجيل، لتندرج قضية كرستوبال كولون مع تطويب شخصين آخرين" ولكن شخص هذه القضية معروف على مستوى الكرة الأرضية، والترشيح قد أدرجه باباوان: ألأول بيو التاسع، والآخر قداسة ليون الثالث عشر".
في ضوء الفصل الثاني كتب من أشعيا يقول:" ومر بيده فوق البحر، ليقلب الممالك" فالمحاكاة الدينية كانت أساس الرواية وانطلاقها، وكأنه يحقق في الأسطورة الساحرة لكل شيء يحاكي العالم المكتشف" وهو أمر أقل غرابة من بقاء ذي النون ثلاثة أيام وثلاث ليال في جوف الحوت" فحدود الفهم الذهني محدودة، وكل ما يؤدي إلى الاقتناع بالتنوع الديني منظم وفق العقل" لأننا ننكر أشياء كثيرة، لأن ذهننا القاصر يدفعنا إلى الاعتقاد بأنها مستحيلة، فالموروث الفكري في قضايا مسلم بها تختلف عن قضايا نحتار بها تاريخيا، ولا نستطيع التحقيق فيها روائيا إلا باللجوء إلى جمع أحداث تاريخية تتعرض للمتخيل السردي، فتنتج مادة ممكنة في الواقع، أو بالأحرى منطقية" ولكنني كلما ازددت قراءة وعلما ازددت معرفة بأن ما يعتبر مستحيلا في الذهن يصبح ممكنا في الواقع" فهو بهذا يقدم ثوابت اجتماعية وسياسية، ويعالج قضايا أخرى في مكتشفات تحتاج لإثبات وأدلة مدموغة حتى في التطويب، فالعظام يجب أن تكون مكتملة، لتتم عملية التطويب، لكنه أثار موضوع ألا يستحق كريستوبال كولون التطويب كما تستحقه جان دارك " فإن هذه المحكمة يجب أن تصدر حكمها حول ما إذا كان المدعو كولون المرشح للتطويب جديرا بهذه النعمة التي تفتح له هذه المرة الأبواب من أجل تكريسه قديسا"
إن هيمنة رؤياه التحقيقية أدخلت الحبكة في خلل جعلت القارئ في تشويش ذهني فقد حيوية الترابط ، فيحاول غالبا أن يسترجع الأحداث من هنا وهناك، ليربطها بما يقرؤه، فجاء الأسلوب رغم جماله متعبا، ليخلط شهادات لامارتين بنقد لا لزوم له إلا ليبرزعدم محبته لهؤلاء الشعراء الفرنسيين مثل لامارتين" اللعنة، ماذا يفهم شاعر البحيرة بالأمور البحرية؟ ويقول عن أديسون:" وسيكون خيرا من كل ما ابتكره اليانكي أديسون الذي أشعل بالتأكيد أول مصباح كهربائي في العام نفسه الذي توفى فيه قداسة البابا بيو التاسع" وبهذا ربط تاريخ اختراع المصباح الكهربائي بموت البابا، لكن لماذا زاد صفة اليانكي على أديسون؟ أم أن العرب غالبا هم محط سخرية الغرب؟ لا أعرف رغم محبتي للرواية لماذا شعرت بالغيظ وأنا أقرأ جملا كثيرة عن العرب بالرغم أن ما قاله مثبت تاريخيا " شهدت إذلال ملك العرب وهو يخرج من مدينته المهزومة ويقبل أيدي مليكي، والحديث يجري عن نقل الحرب إلى إفريقيا، فهل التاريخ دائما يقدم صورا تتناقلها الأجيال في تكرار زمني ومكاني؟ " فمن هنا ستنطلق الجيوش محطمة حلقات الحصار، وتشن الهجوم النهائي على آخر حصن للعرب في هذي الأرض" لتصبح رؤيته الخاصة تبعا لبداية ونهاية تحولت إلى اللانهاية في" رؤية البامبا اللانهائية حيث مهما سار المرء فإنه يجسد نفسه وسط أفق مستدير من الأرض ذات لون واحد"
إن إخراج فكرة الطيف في الفصل الثالث والذي بدأه في كلام لدانتي:" أنت، ألم تسأل أية أراوح تلك التي رأيت" فالوتر الأساسي هو النص الروائي الذي أنهى فيه مسيرة رحلة التطويب، ومسيرة كريستوبال كولون، ومسيرته هو في هذه الرواية، كأنه اكتشف كينونة العالم من خلال ظل تراءى له، فنحن نعرف أن الظل يتكون حين يصعب على الضوء اختراق الجسد، فهو استحضر كريستوبال كولون على خشبة الحياة الواقعية في مسرحية ساخرة تشبه مسرح الدمى المتحركة التي تلاعبها الأصابع، فنستمتع بحركتها لهذا كان" الطيف لا ثقل له ولا بعد، وإنما شفافية تائهة ضاعت عنده معاني كلمات، ولئن كان الموتى لا يأبهون في الغالب لمصير عظام جسمهم" وإذا تابعت كل شخوص الرواية فستجد أن كل شخصية مشدودة مع الأخرى بل حتى وجود المرأة كان كالعزف المنفرد.
Doha El Mol