مثلث الحب الأبدي

ضحى عبدالرؤوف المل

في الفيلم القصير "CHAMPION" للمخرج Måns Berthas، عالج المخرج مانز بيرثاز مثلث الموت الأبدي المرتبط بقصة حب ثلاثية، أو بما يعرف بثلاثية الحب، والتي يتنازع من خلالها الأطراف للحصول على الحبيب. ولكن في هذا الفيلم، لا يوجد مراهقون، بل العجائز، حين يقف الماضي حاجزاً أمام استكمال الحياة أو هو الفهم المطلق للتذبذب قبل اتخاذ القرار الحاسم، الذي قد يؤذي أطراف النزاع. لأن الاضطراب في العلاقات الإنسانية يؤدي في مجمله إلى زعزعة زوايا المثلث أو الثلاثية الأبدية التي ركز عليها المخرج بقلة حوار ورمزية حادة صورياً، وبتقنية المشهد الحسي المخاطب للذهن مباشرة من خلال الحركة البصرية، والتركيز على الفعل وردة الفعل بين ممثلين استطاعوا إتقان التعبير الحركي. منح الفيلم رؤية لمراهقين امتد بهم العمر، وما لبثوا أن تصارعوا. كما تصارعت المرأة مع الحطب الذي كان كبش فداء لعلاقة غير سوية أنهتها بقتل طرفي النزاع. لتبقى هي في كوخها الخشبي بعد أن أطلقت الرصاص على الرجلين الذين تنازعا للحصول عليها، مما اضطرها بعد فشلهما وإصابة كل منهما بعد النزاع إلى اتخاذ القرار الحاسم. فهل مثلث الحب يستمر مع الإنسان في الحياة؟

لم يتطرق المخرج إلى النفس أو إلى ما تشعر به المرأة من ألم نفسي جراء العيش مع رجل لا تحبه، إلا من خلال محاولتها الرقص مع فنجان القهوة الذي رفعته وتوقف عند عودة الحبيب القديم من الماضي الذي تشعر نحوه بالحب. وفي لقطات تقطيع الحطب، المشابهة لصوت الرجل الذي لا تحبه وهو يعاشرها، توجد إسقاطات سمعية بصرية تستفز المتلقي لاستخراج الهدف الذي يسعى لإيصاله المخرج، وهي فكرة مثلث الحب الذي يتكون من حبيب مرغوب فيه وآخر غير مرغوب به، على طرف ثالث هو محور النزاع بين الطرفين. لتصبح معاناة الطرف الثالث وتذبذبه هي النقطة الأساسية، وهذا ما لم تسلط عليه الكاميرا بما يكفي لنفهم حالتها الداخلية بشكل أفضل قبل أن تتخذ قرار الحسم بقتل الاثنين معاً، بحيث قدم نظرة درامية لفكرة مثلث الحب بموضوعية، إنما مع تحيز لطبيعة الصورة ومعاكستها عمرياً. فهو لم يختار الأبطال من الشباب، بل من العجائز ليرافقنا مثلث الحب في الشيخوخة التي يحتاج فيها الإنسان للحب بشكل أكبر للربط بين المراحل العمرية والحقبة الزمنية.

اكتسى الفيلم حلة مميزة بقلة الحوار ورمزية الصورة ومحاكاة الفكرة بميزانية لم تحتاج للكثير ولا للابتعاد عن البيت إلى مسافة جداً قليلة، ليتميز التصوير الداخلي والخارجي بطبيعية مشهدية لا تكلف. أما الموسيقى فلم تكتمل فنياً مع المشهد.

نافذة على الحياة الواقعية فتحها المخرج مانز بيرثاز من خلال فكرة هي ثلاثية الحب داخل مثلث الموت الناتج عن الفشل في تحقيق الوصول إلى قضية خرجت من قمقم الماضي، وبشكل فيلمي قصير هو مشهد تقطعت فيه التفاصيل عبر الأصوات الموسيقية والصورية المحفزة للغة الكلام، وبتصوير موضوعي يميل إلى الطبيعية ودون الإغراق بالتكلف، متكئاً على الرمزية التعبيرية في أداء الممثلين وقوة الصورة الصادقة الهادئة والهادفة في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه. لتكون القصة القصيرة هي لثلاثة أبطال أو ثلاثة نقاط المثلث الذي بنى عليه الفيلم، بوجود راديو قديم لواقع تخرج منه إلى الذكريات والاستمتاع بالوحدة مع الأشياء التي عاشت معها وشاركها فيها الآخرون دون أن تخرج من دائرة البيت إلا إلى الغابة أمام البيت حيث دار التنافس أو المبارزة الساخرة من الشيخوخة وانفعالاتها، وبالرصاص الذي هشم أجسادهم التي لم تمت إلا من رصاصة المتنازع عليها. وهذا ترك ضحكة في نفس الجمهور خرجت ساخرة مريرة من واقع يصنعه الإنسان.

برؤية أخرى فيلم "CHAMPION" للمخرج Måns Berthas يقدم رؤية درامية فريدة تتناول موضوع الحب والفقد عبر عدسة العجائز. يعكس الفيلم تأثيرات الماضي على العلاقات الإنسانية ويطرح أسئلة حول طبيعة الحب والصراع، مما يجعل من تجربته السينمائية تحليلاً عميقاً للوجود الإنساني.

يتناول الفيلم مثلث الحب الأبدي، حيث يتصارع ثلاثة أطراف على عواطف واحدة. لكن الاختلاف الجوهري هنا هو في اختيار الشخصيات، إذ يجسد العجائز، مما يضيف عمقاً إنسانياً وواقعياً لقضية الحب، التي غالباً ما تُصور من منظور الشباب. هذا الاختيار يُبرز التحديات التي تواجه الأفراد في مراحل متقدمة من حياتهم، وكيف يؤثر الماضي على الحاضر.

الشخصيات في الفيلم تمثل شريحة من المجتمع تعاني من تركة تجاربها السابقة. المرأة التي تتصارع مع مشاعرها تجاه الحبيب القديم والرجل غير المرغوب فيه تعكس الصراع الداخلي الذي يعيش فيه الكثير من الناس. تعبيرات الوجه وحركات الجسم للممثلين تُظهر ببراعة التوتر والحنين، مما يعزز من عمق التجربة الدرامية.

استخدم المخرج تقنيات تصويرية تعكس الحالة النفسية للشخصيات، مثل استخدام اللقطات القريبة لتسليط الضوء على مشاعر العزلة والندم. كما أن قلة الحوار جعلت من التعبير الجسدي والمشاهد البصرية المحور الرئيسي للتواصل مع المتلقي. اللجوء إلى الرمزية في المشاهد، مثل مشهد قطع الحطب، يجسد صراع الحياة والموت، ويعكس تداخل المشاعر المتناقضة.

يتميز الفيلم بجمالية الصورة واستخدام الإضاءة بطريقة تبرز الأجواء الحزينة. الطبيعة المحيطة تعكس حالة الشخصيات، حيث تكمل عناصر المشهد عمق التجربة الإنسانية. الموسيقى، رغم عدم اكتمالها فنياً، تلعب دوراً في خلق الإحساس بالتوتر والحنين، مما يضيف بعداً آخر للفيلم.

فيلم "CHAMPION" يترك أثره العميق في نفوس المتلقين من خلال تقديم نظرة موضوعية وشاعرية عن الحب والصراع، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية. المخرج Måns Berthas استطاع من خلال تقنيات الإخراج والتصوير أن يخلق تجربة سينمائية تتجاوز الأحداث السطحية، لتصل إلى جوهر المعاناة الإنسانية، مما يجعل من هذا العمل علامة فارقة في تناول موضوعات الحب والخسارة في السينما.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

الفيلم تم عرضه في مهرجان لبنان الدولي للافلام القصيرة في بيت الفن طرابلس كانون الاول 2016