مسلسل "الكبريت الأحمر" المنسجم مع الرؤية والفكرة والسبك الدرامي

ضحى عبد الرؤوف المل

يدخل المؤلف "د. عصام الشماع" في جدلية السحر والشعوذة برمزية كتاب "الكبريت الأحمر في بيان الشيخ الأكبر"، وبمعالجة درامية منطقية في مسارات أحداثه، التي جذبت ذهنية المشاهد نحوها لاكتمال العناصر الحسية لهذه الدراما، ولتشفي تساؤلاته التي أغرقه بها المؤلف، بحنكة سيناريو يعالج به جدلية مازالت من الحقائق المخفية في العالم الذي تسيره العين القادرة على تتبع حركة البشر المشبعة بالميول الخرافية، التي وإن ذُكرت في القرآن الكريم، إلا أنها تحتاج إلى الكثير من الاجتهادات في التفسير والشرح العلمي للوصول إلى لب مفهومها الحقيقي لا الخرافي. وهذا ما حاول إظهاره دكتور "عصام الشماع" ليحمل المسلسل الكثير من الخيوط التي تعتمد على الرعب والتحفيز، والتشويق الدرامي لنص هو الخامة الجوهرية الأساسية لنجاح مسلسل "الكبريت الأحمر" المنسجم مع الرؤية والفكرة، والسبك الدرامي الذي رافقه ميزات كاتب اخترق الفهم الإدراكي للمشاهد، لصقل أفكاره وتركه يتذبذب بين التصديق والتكذيب حتى نهاية المسلسل. ليحمل العقل الإنساني قوة في تلفيق الأحداث، وجعلها تصب في خانة الشعب يريد هذا أو الانقياد العام للمصالح العامة التي تلتقي أو تتصادم مع المصالح الخاصة.

مسلسل من بطولة "أحمد السعدني" الذي استطاع إظهار لياقة تمثيلية عالية في هذا المسلسل، إلى جانب الفنانة "داليا مصطفى" التي خرجت عن المألوف عبر تعاطيها مع الشخصية المريضة نفسيًا، الناشئة عن سلوك الأم متعددة الأزواج. إذ تقع فريسة الحب والتمرد على حالة مكتسبة من مجتمع نجحت بالتعاطي معه أمها، في حين أخفقت هي رغم الاهتمام والرعاية التي تلقتها من زوج عقلاني انتفض أيضًا على موروثات الأب المشعوذ الذي قاد حياته من خلال ممارساته التي تساعد في تثبيت الإيمان بالسحر، للنيل من معتقدات أهل القرية التي يسكن فيها، والفقيرة جدًا رغم أنها تمتلك من الآثار ما يجعلها من القرى السياحية الكبرى. فهل هذا ما تحاوله الدول الكبرى لتزداد الدول الفقيرة فقرا وبؤسا؟

الفنان الكبير "عبد العزيز مخيون" و"الفنان زكي فطين عبد الوهاب"، والاختلاف بالمسارات الدرامية بينهما، وقدرة كل منهما السلطوية الأولى بممارسة السحر من خلال المعتقدات القائمة على استخدام المفهوم القرآني، معتمدًا على التقاط ثغرات النفوس الضعيفة التي تتطلع إلى فك السحر بالطلاسم وما إلى ذلك، وهي غير قادرة على إدراك ماهية العلم في تنفيذ مآرب السحر ليكون أقرب إلى التصديق. والآخر على المال الناشئ من تهريب الآثار والاتجار بها. لتعم المحرمات على الاثنين وتغطي حياة كل منهما بالسلبية، ليتأمل المشاهد عالمه الصغير في نص أبحر بنا نحو القديم الجديد أو بتحديث رؤية السحر عبر عصر اتسم بالحداثة. إلا أن اليقين بالسحر لم يختلف، وما يخدم قوى الشر لا يمكن الانتصار عليه إلا بالعقل، فهل نجح المسلسل بمعالجة آفة السحر القائمة على خدمة أسياد السياسة أو أقطاب رؤوس المال عبر التفاعلات الإنسانية، بالتعاطف أو بالرفض المبطن أو بالتدليس أو بالذاتية القائمة على مبدأ الحفاظ على المصلحة العامة؟

التصوف والدين وعلوم القرآن ومفاهيم انطلق منها المسلسل، لتكوين نظرية تعيد تصحيح يقين المجتمعات المتخلفة التي لا ترنو إلى فهم لب مشكلة السحر والشعوذة. ولا التمسك بالآيات القرآنية التي تبث الطمأنينة، بل إلى الاتجار بالسحر لتغطية تجارات أخرى كاللحم الأبيض وسرقة الآثار، وتعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة. إضافة إلى مآرب شخصية كالانتقام، معتمدًا على أن كل مجرم هو مريض نفسي أولًا. وبهذا تتفاوت المفاهيم في هذا المسلسل بين من اعتمد على نفسه في الحصول على العلم، وبين من اعتمد على مال أبيه، وبين من يأخذ كل شيء إلى نفسه، وبين من يعطي كل شيء للآخرين، فكانت نقطة التوازن بين كل هذا هي الطفلة التي وضعها المؤلف، لتكون برمزيتها العفوية والبريئة قادرة على إدراك المخاطر قبل أن تحدث، لأنها ما زالت تحتفظ بصفاء القلب وطهارة النفس التي لا توسوس بالشرور، ولا بمتطلبات الحياة التي أنهكت الجد والأم والفرن الذي تشتعل فيه النيران كل يوم لصنع الخبز للحي.

تتر البداية وموسيقى تصويرية للموسيقي "راجح داوود" المنسجمة مع تطلعات كاتب النص والمخرج، وكل ممثل من المسلسل عبر تقمصه للشخصية بحيوية تمثيلية ذات تفاعلات طبيعية ميالة إلى يقين المجتمعات التي خرجت منها مفاهيم كل فكرة ناقشها المؤلف بالنص، وحاورها المخرج بالمشاهد المتماشية مع كل مشهد وأركانه وعناصره، دون كلام لأغنية تترجم النص. لتبقى عناصر التشويق ضمن رموز الصورة في شارة البداية التي تؤكد على مفاجآت عديدة في مسلسل تسيطر عليه فكرة مادة الكبريت الأحمر الخرافية. فهل نرث الآباء من جيل إلى جيل، لنبقى ضمن قيود اجتماعية لها التأثير الأكبر على البناء والتطور؟ فهل مجتمعاتنا هي التي تجعلنا فريسة الأوهام؟ أم أننا نرث الآباء بتوريث له قواعده الحياتية المبنية على المفهوم الخاطئ؟ والشك هو السبيل إلى اليقين والإرادة تهدم الخرافة، فما هو موروث الجهل الذي يعالجه مسلسل الكبريت الأحمر عبر الدراما؟

العقل والروح والضمير كينونة الإنسان التي تجتمع فيها خصاله الحميدة القادرة على رفع مستوى الوعي عند الإنسان من خلال العلم والمعرفة، كالدكتورة المناضلة في القرية حيث يعم الجهل، ولكنها لم تشعر باليأس ولم تغريها السياسة ولا مكانتها الاجتماعية من خدمة قريتها، لتمحو بذلك بعض المآسي التي تتعرض لها القرى الأميّة في الدول التي تحتاج إلى تكاتف المواطن الذي لا يلجأ إلى المغيبات ولا المنشطات ولا إلى الغيبيات التي تفتح أبواب السحر والشعوذة على مصراعيه، وقد نجح المسلسل في تبسيط الرؤية المعقدة للمشاهد، ليكتشف أن ما يسيطر على العقول هو أوهام النفوس الضعيفة.

برؤية أخرى مسلسل "الكبريت الأحمر" يجسد رحلة درامية غنية بالرموز والمعاني العميقة، حيث ينجح في خلق تفاعل قوي بين المشاهدين وأحداثه. يتمحور النص حول جدلية السحر والشعوذة، مما يعكس رؤية عميقة للمؤلف "د. عصام الشماع" الذي يستخدم الأساطير والأبعاد النفسية في تشكيل شخصياته.

النص يتمتع بتركيب درامي متماسك يشتمل على صراعات داخلية وخارجية تعكس الأبعاد الاجتماعية والنفسية لشخصياته. تتنقل الأحداث بسلاسة بين مشاهد التوتر والرعب، مما يساهم في جذب انتباه المشاهد ويجعله يتفاعل مع تطورات القصة. تتجلى هذه الديناميكية في تنقلات الشخصيات بين الإيمان بالخرافة والبحث عن الحقيقة، مما يخلق نوعاً من الصراع الداخلي الذي يتطور طوال المسلسل.

الجانب البصري في المسلسل له دور محوري في إيصال الرسائل الدرامية. يتم استخدام الإضاءة والموسيقى بشكل متناغم لتعزيز أجواء الرعب والتوتر. الموسيقى التصويرية للمؤلف "راجح داوود" تضيف عمقًا لمشاعر الشخصيات وتساعد في بناء التوتر، مما يجعل المشاهدين يشعرون بالاندماج في الأجواء الدرامية.

أداء الممثلين، مثل "أحمد السعدني" و"داليا مصطفى"، يعكس قدرة عالية على تجسيد التعقيدات النفسية لشخصياتهم. تمكنت "داليا مصطفى" من تقديم أداء مؤثر للشخصية المريضة نفسيًا، مما يعكس عمق الصراع الذي تعيشه. التباين بين الشخصيات المختلفة يعكس تنوع الرؤى والمعتقدات، مما يثري الحوار الدرامي.

المسلسل يحمل رسالة قوية حول تأثير الخرافات والسحر على المجتمعات. من خلال طرح أسئلة عميقة حول الواقع والخيال، يشجع المشاهدين على التفكير النقدي والبحث عن الحقائق. هو ليس مجرد عرض للدراما، بل هو دعوة للتأمل في موروثات ثقافية تسيطر على عقول الأفراد.

في الختام، "الكبريت الأحمر" هو عمل درامي متكامل يحقق توازنًا بين العوامل الفنية والدرامية. من خلال الكتابة الإبداعية، الإخراج البصري المدروس، والأداء القوي، يقدم المسلسل تجربة فنية تترك أثرًا عميقًا في نفس المشاهد، مما يجعله نقطة انطلاق لنقاشات أوسع حول تأثيرات السحر والشعوذة على الوعي الجمعي.

هذا العمل يمثل خطوة مهمة في الدراما العربية، ويعكس قدرة الكتاب والمخرجين على تناول مواضيع اجتماعية معقدة بأسلوب فني جذاب ومؤثر.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com