أكذوبة الصراع الحضاري لدكتور محمد المقداد

ضحى عبدالرؤوف المل

يطرح المؤلف "محمد المقداد" في كتابه "أكذوبة الصراع الحضاري"، الصادر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، وهم التفوق العرقي الذي يحمله الغرب، مما يحقق حالة من الصراع ينقصها الوعي في تناول المحاور التي تفرضها عدة إيديولوجيات، لمحاولة تثبيت عدة مفاهيم ترتكز على إبراز التفاوت العقلي بين الغرب والشرق، مما يجعل من التخلف سمة حضارات متناحرة؛ واحدة تعتبر نفسها صانعة للحضارات، وأخرى تمتلك فائضًا من الأساطير والخرافات. فما الدافع الأكبر لصراع الحضارات التي يشرحها "محمد مقداد" تحت عناوين تهتم كل منها بتحقيق مقارنة بين صناعة الشرق في مخيلة الغرب، وبين الفكر العربي ونظيره الغربي المعاصر! إذ يكشف عن البناء الحضاري المرهون لفعل السنن التاريخية والحياتية الملموسة والمرئية، فهل نحن حضارة منكمشة على نفسها وقابعة في رَوايا التاريخ المعتمة كما يقول المؤلف محمد المقداد؟

يعالج الكاتب "محمد المقداد" إشكاليات الصراع الحضاري المحض وتأثيراته الثقافية الاستعلائية، وغيرها من تشويه لصورة الإسلام، إضافة إلى الاستشراق الذي ظل أقرب ما يكون إلى المسار السوسيولوجي والأنثروبولوجي، وبين من يعترف بالآخر أو لا يعترف به عدة نقاط طرحها كوسيلة تشهد على الأبعاد وامتداداتها الدينية والتاريخية، معتبرًا أن "الغرب لا يريد غير عالم كوني مستكين، يقدم كل ما يلزم للرأسمالية الغربية لتعظيم منافعها وتراكم ثرواتها على حساب كل شيء"... متكئًا على نظريات مدروسة تتجاوز طبيعة البحث الذي يؤكد من خلاله على صناعة متن المشهد مع الحفاظ على هامش رمزي ضيق للشعوب المستضعفة، وما تعانيه من جبهتين: جبهة الغرب المتفوق، وجبهة النفس المنشطرة التي يعتبرها أكثر سخونة. فهل يمكن تصحيح الخلل في الجبهة الذاتية الداخلية؟

تساؤلات كثيرة يطرحها القارئ وهو يقرأ بحوثه المثيرة للنفس، والتي تضع الفكر أمام الكثير من التحليلات التي يستخرجها من صراعات متوزعة على عدة نقاط حيوية تتجاوز بموضوعيتها الفكر العقائدي، المؤمن بحتمية الصراع مع الآخر، وضرورة تزايد حدته، لتنكفئ إلى داخلها نحو شرنقة الماضي في أطر نظرية مدعومة بتقييم يرصد ماذا تصنع الثقافة وهي كمنجز معنوي أمام الأسلحة والحشد المحمل بالأساطيل وحاملات الطائرات. إذ لا تمتلك الثقافة بمفردها مقومات الانتصار على هذا الرافد بالفكر المتصارع والمدجج بالأسلحة الأكثر تطورًا، إلا أنها برأي الدكتور محمد المقداد تستطيع حشد الطاقات المجتمعية، واستحضار الإرث الإنساني لمجتمعاتها. "إن إفراغ المجتمعات من مخزونها الثقافي، وإرثها الإنساني هو الخطوة الأولى لملء الوجدان الخاوي بما يفد عليه عبر وسائل الاتصال." وما الغايات غير السامية إلا وسائل مشروعة تتخطى المفاهيم الإنسانية في بربريتها.

مفهوم الإيديولوجيات المسمومة والقيادة المثقفة المنسجمة مع مسيرة الحياة في مواجهتها للكينونة الإنسانية، التي تنتج نوعًا من التناقضات في صراعات مغلفة بوجوه مزيفة، معتبرًا أيضًا أن الحوار بين الحضارات كالصراع بينها، والمحكومة عالميًا بالامتياز العرقي مع الحفاظ على وتيرة السرد التاريخي، بدءًا من الأيرلندي الفرنسيسكاني وصولاً إلى دانتي، والحبكات التي تم توظيفها لتشويه صورة الإسلام وخلق هوة من الانحياز الأعمى والمظاهر المتطرفة، والبيئة الاستشراقية والتصورات السلبية التي ساعدت في تشكيل المواقف السياسية والاستراتيجية وما إلى ذلك.

يضع الدكتور "محمد المقداد" القارئ أمام قسوة الطرف الأول المعتد بنبوغه وعلمه وذخيرته المادية والمعنوية في تحقيق غايته وهي السيطرة على العالم العربي، وإن عبر كينونات تواجه بعضها البعض. لينفرد هو بقيادة العالم بل ويترأس الصراعات التي يمدها بالكثير من الوسائل التي تزيد من حدتها، ويترأس أيضًا الحوارات التي تشكل في ظاهرها الانسجام الحضاري. إلا أن باطنها هو الانتصار على هذه الفئة الخاضعة للشأن العالمي أو ذاك المحبوك للقضاء على فئة مستضعفة لا يمكنها حل أي نزاع يقع فيما بينها، فكيف تكون قادرة على خلق حوارات ناتجة فاعلة، وهي من يتم إبعادها عن ميدان الثقافة التي من شأنها مناصرة الحق التائه بين صراعات الحضارات المتسلحة بالماضي والحاضر دون الفهم العميق للمستقبل، والنتائج التي ستكون نتيجة أكذوبة الصراعات، وعدم مصداقية إيديولوجياتها المسمومة منها والنافعة. فهل استطاع المؤلف محمد المقداد أن يكون حياديًا في كلامه عن أكذوبة الصراع الحضاري؟

برؤية تحديثية أخرى في عالم تتشابك فيه العلاقات الإنسانية وتتداخل فيه الثقافات، تبرز الصراعات الوجودية كظاهرة مركبة تتطلب فهماً عميقاً ومتعدد الأبعاد. يُقدم الدكتور محمد المقداد في كتابه "أكذوبة الصراع الحضاري" رؤية تحليلية تسعى إلى تفكيك المفاهيم الراسخة حول تفوق الغرب، مسلطًا الضوء على الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية للصراعات التي تعصف بالعالم المعاصر.

يبدأ المقداد من نقطة محورية تتمثل في تفكيك ما يسميه "أكذوبة التفوق العرقي" التي ينطلق منها الغرب لتبرير مواقفه الاستعمارية واستعلائه الثقافي. من خلال استعراض التاريخ والسياقات الاجتماعية، يقدم المقداد تحليلاً يؤكد أن هذا التفوق ليس إلا وهمًا يستند إلى أيديولوجيات مغلوطة. فهو يعتبر أن الصراع الحضاري ليس مجرد صراع بين ثقافتين أو حضارتين، بل هو صراع يتجلى في صراع الوجود ذاته، حيث يتم استغلال هذه الأكذوبة لتثبيت مفاهيم التبعية والتخلف.

يتناول المقداد الصراعات الوجودية من منظور ثقافي، مشددًا على أن الهوية والثقافة ليستا فقط نتاجًا تاريخيًا، بل هما عنصران حيويان في تشكيل الحاضر والمستقبل. في هذا السياق، يطرح تساؤلات حول كيفية تأثير هذه الصراعات على البناء الاجتماعي والنفسي للأفراد والشعوب. كيف تؤثر الأيديولوجيات المهيمنة على فهمنا لأنفسنا وللآخر؟ وما الدور الذي تلعبه الثقافة في تكوين الوعي الجماعي؟

يقدم المقداد مقاربة تحليلية تستند إلى فكرة أن الثقافة ليست مجرد طقوس أو تقاليد، بل هي قوة دافعة للتغيير. يرى أن إفراغ المجتمعات من مخزونها الثقافي يشكل خطوة أولى نحو السيطرة على إرادتها. لذا، فإن الصراع الوجودي الذي تعاني منه العديد من المجتمعات هو في جوهره صراع للحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية.

يتطرق المقداد إلى مفهوم الحوار بين الحضارات، موضحًا أنه لا يمكن أن يكون حوارًا حقيقيًا إذا كان قائمًا على قاعدة التفوق العرقي أو الهيمنة الثقافية. إذ يجب أن يتسم هذا الحوار بالتوازن والاحترام المتبادل. يعتبر أن إعادة بناء العلاقات بين الثقافات يتطلب تجاوز ماضي الاستعمار والتأكيد على قيم العدالة والمساواة.

في ختام تحليله، يدعو المقداد إلى ضرورة تنمية الوعي النقدي لدى الأفراد والشعوب. يرى أن مقاومة الأكاذيب التي تروجها الأيديولوجيات المتحكمة تبدأ من الاعتراف بأن الهوية ليست ثابتة، بل هي قابلة للتغيير والنمو. إن الصراعات الوجودية ليست مجرد أزمات بل هي فرص للنمو والتطور، شرط أن نعيد التفكير في العلاقة بين الذات والآخر، وفي فهمنا للتاريخ.

في عالم معقد تتداخل فيه الثقافات والأفكار، يقدم محمد المقداد من خلال "أكذوبة الصراع الحضاري" رؤية شاملة تعيد تقييم المفاهيم السائدة حول الصراع. من خلال تحليله العميق، نكتشف أن الصراعات الوجودية ليست مجرد قضايا سياسية أو اجتماعية، بل هي قضايا تتعلق بالهوية والوجود، تدعو إلى إعادة التفكير في مستقبل العلاقات الإنسانية. إن الموقف الشامل للمؤلف يسلط الضوء على أهمية الوعي النقدي والتفاعل الثقافي كسبيل لمواجهة الأكاذيب وتجاوز الصراعات.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com