لا يريدون العودة إلينا
قراءة في رواية "السقوط من عدن" للروائي "قاسم مرواني"
ضحى عبد الرؤوف المل
برزت مدينة صيدا في رواية "السقوط من عدن" الصادرة عن "دار نوفل" للروائي "قاسم مرواني" كلوحة انطباعية رسمها ليحجب الغم وسيوله المتدفقة من أحداث مضى عليها عام بأكمله، متخذاً من الذاكرة طريقًا للعودة إلى صور الموت وبشاعته، ومعنى الحياة والتساؤلات الوجودية الصادرة عنها، وما البعد الآخر إلا الفضاء الذي يثير الرغبة في الاكتشاف ومعرفة ماهية الموت والحياة، مؤثراً السقوط لفرط جاذبية العيش على الأرض التي تخلف المشاهد الحياتية عليها. كما تختلف تنوعات البشر بسلوكياتهم وانفعالاتهم وقدراتهم على ابتلاع الأوجاع، مشددًا على الزمن ما بين البداية والنهاية، والحياة التي تحدث بأكملها. فالأدب الوجودي في رواية "السقوط من عدن" مرتبط برمزية الولادة والخروج من جنة رحم الأم إلى شقاء الحياة على الأرض وتعقيداتها وإشكالياتها وتداعيات الأفكار بوعي خاض من خلاله "قاسم مرواني" معركة الوجود لشخصياته التي تتخبط بالأمراض الصحية، كطيف وأم رامز، وخصوصًا منصور الذي راقب عشرات المرات التي نجا فيها من الموت. إذ رسمت علامات التعجب مسارات الحياة في رواية تمثل السقوط فيها تيار الوعي، والتحديات القائمة على إفراز عدة حالات منشأها الحالة الإنسانية المتداعية، مسافراً بنا نحو الصخور والبشر الذين يولدون منها، متخذاً من أزميل الحياة قوة التشكيل، واستخراج التصويرات القوية والضعيفة. إن ضمن مساءلة يبرز من خلالها ضيق الحياة رغم اتساعها، لأنها تجبر البعض على الدوران حول نفسه. فهل تاريخ الإنسان هو تاريخ سقوطه من جنة عدن أم أن الرواية هي مساحة ما بين الولادة والموت؟
قمع "قاسم مرواني" جرأته الوجودية في رواية تمسكت بالأدب الوجودي، ودارت في فلكه كما تشاء. إلا أنه حاول معالجة الكثير من المشكلات الملموسة في الحياة، ومعاناة التكوين المنفرد لكل إنسان تبعًا لمراحل الحياة التي يعايشها. "يدرك أن الإنسان لا يبني نفسه، بل! تكونه الحياة، بالظروف، بالتجارب، بالألم. يدرك أن المرء اليوم لن يكون أبدًا هو نفسه غدًا". دون أن ينتقص من قيمة الإنسان، وإنما بانتقاد يهدف إلى مواجهة الواقع وإظهار سماته النابعة من كينونة الشخصيات، والتناقض فيما بينهم وبالكثير من المواقف التي نتخذها في حياة لا يمكن السيطرة عليها، لكننا نحاسب أنفسنا على العيش فيها وضمن نظامها العبثي الذي لا يخضع للوعي. وإن حظيت الرواية بجاذبية السقوط أو دخول الحياة بعد سقوط من جنة بسبب أفعالنا، وربما برغبة منا في معرفة ما يثير فضولنا، كمخلوقات بشرية منحوتة من صخر ليس إلا. فهل يتذبذب "قاسم مرواني" بين مفهومين الوجود واكتشاف أسس دخول الحياة؟
امتزجت المواقف الإنسانية مع رمزية التخيلات الروائية المثقلة بالسخرية المبطنة نوعًا ما، دون الانسحاب من الحياة منتحرًا، كطيف الذي مات دون التأكيد على انتحاره، في بحث شغوف عن حياة أكثر طمأنينة وعافية. إذ تبلغ إرادة الإنسان مداها عند "طريق خطه الأجداد عبر رحلاتهم الطويلة عبر الزمن"، محاولاً تحليل الكثير من الحالات كالشخير أثناء النوم، كأنه الصوت الآتي من العالم الآخر المتسم بسريالية استكملها في عدة مشهديات تبلورت من خلالها المعاني الروائية الوجودية بحزنها العميق ومساراتها التناقضية، والتشتت الفكري الحياتي والطابع الذي يرتسم في شخصية كل إنسان بشكل يتفرد به، ويتلخص بدوره الحياتي الشبيه بالدور الروائي، وما ينطبق على الإنسان ينطبق على الحيوان، كأنه يستخدم فأر المختبر في استكشاف معنى السقوط، مؤمنًا بالميثولوجيات دون الولوج إلى حقيقة الإيمان ومعرفة جوهر الوجود بالتساؤل الإيجابي أو من خلال العصف الذهني الذي ابتعد عنه "قاسم مرواني" ليثير قضايا انقلابية مجتمعية لا تعتمد على الحقائق المكتملة العناصر، وإنما تعتمد على ميثولوجيات أو أساطير أو سرياليات، ما هي إلا حكايا امتزجت مع فلسفة الأدب الوجودي والواقع الإنساني المر المنغمس بالعقائد والمفاهيم المغلوطة دون الولوج في التصحيح، بل! التزم بشخصياته وردة الفعل الانعكاسية حتى من الحب والزواج والمرأة، والاستنكار للحياة وأفراحها. فهل السقوط من جنة عدن يحدث بين الحلم واليقظة أو في غفوة لا قعر لها؟
بورجوازية الهررة واللامبالاة الأرستقراطية وسخرية اتخذ لها أبطالاً من الكلاب والهررة، والألفاظ القاسية المثيرة للجذع. فدخول عالم الحيوان روائيًا هو لإثارة التقارب بين عوالم مختلفة لا يتقنها الإنسان ولا يحاول حتى فهمها، بينما تبرز قدرة الحيوان الفطرية في ممارسة البقاء التي فشل فيها البشر، وإن استطاع الفنان والكاتب والموسيقي فعل ذلك. لأن لوحة فان غوغ بالذات "لولا الألم، لما أبدع كل تلك اللوحات الجميلة". فالتعاسة التي يعيشها الإنسان تنجب الإبداع، وهذا ما يبقيه على قيد الحياة أو ما يرسم له وجودًا مختلفًا، وإن اختفى جسده يبقى طيفه في أعماله وأمجادها متسائلاً عن ذلك "الآن لو كان فان غوغ قادرًا على رؤية أمجاده من العالم الآخر..." فهل يمكن معرفة قيمة الحياة دون سقوط؟ وهل من معنى للحياة دون الحرمان من رفاهية العيش التي تدفع بالكلب إلى الاصطياد، والهر إلى البحث المضني عن فريسة تبقيه على قيد الحياة؟
أسلوب روائي مفعم بالوجودية، وبتساؤلات تزيد من المفاهيم الماورائية التي تصيب الوجود، وما الحدث المرضي في الرواية إلا وجودية تزيد من الغموض، وتتجه بالقارئ نحو السؤال الأهم: أين تذهب العوالم من المخلوقات وتأتي مخلوقات غيرها؟ وما الذي يجعل من البقاء أحجية لا يمكن فهمها، وإن كان دافع البقاء هو الآخر الذي نتزين به؟ وهل احتياجاتنا هي نبع البقاء؟ وهل حقًا متى نفتقد الأمل نخرج من الحياة بتقوقع وانعزالية؟ فلسفة روائية لمتاهة تزينت بمعالم انطباعية وأخرى سريالية وميثولوجية وواقع مر وحلو بأسلوب "قاسم مرواني" المتذبذب بين الأدب الوجودي والتساؤلات التي تنجبها الأحداث ذاتها لشخصيات مركبة تركيبًا فلسفيًا، لا أدري إن كان قد استكمل بها النواقص الفلسفية في رواية تمثل سقوط كل شيء أمام فلسفة الوجود واللاوجود أو الخير والشر؟
برؤية أخرى تحديثية تسير رواية "السقوط من عدن" للروائي قاسم مرواني على خيوط رقيقة من الوجودية والسردية المعاصرة، مُسَلِّطَةً الضوء على معضلات إنسانية تتشابك فيها الأبعاد الاجتماعية والنفسية. يعكس الروائي من خلال شخصياته والصراعات التي تواجهها، تأثيرات الواقع المعاصر على الوجود الفردي والجماعي، مُظهِرًا عمق التوترات بين الحلم والواقع.
تعتبر مدينة صيدا، بجبالها وأزقتها، مساحة رمزية تتداخل فيها الذكريات والأحداث، حيث تُستخدم كخلفية لرسم لوحة معقدة من الألم والأمل. من خلال استحضار الذاكرة، يحاول مرواني تقديم سرد يتجاوز الزمن، مُجَسِّدًا الأبعاد الوجودية التي تطرح تساؤلات حول معنى الحياة والموت. هذا الاستخدام للذاكرة يُظهر كيف يمكن أن يكون الماضي عائقًا، وفي الوقت نفسه، نافذة نحو فهم الحاضر.
يمثل السقوط في الرواية أكثر من مجرد حدث، بل فلسفة قائمة على إدراك الواقع والتسليم بضعفه. تُسلط الرواية الضوء على الشخصيات التي تعيش في حالة من الضياع والبحث عن المعنى، مثل طيف ومنصور، الذين يواجهون موتهم المحتمل، مما يعكس انعدام اليقين في وجودهم. يُظهر مرواني أن السقوط هو جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، حيث يتداخل الألم مع لحظات الجمال، وهو ما يسعى الروائي لتأكيده من خلال سرده.
يتناول مرواني قضايا اجتماعية حساسة مثل الأمراض النفسية والعزلة الاجتماعية. يُعبر عن تأثير هذه القضايا على الفرد والمجتمع، مُشيرًا إلى الفجوات التي تعاني منها الشخصيات. تتجلى هذه التحديات في الشخصيات التي لا تقتصر على الأبعاد الفردية، بل تبرز صراعات جماعية تُعكس واقع حياة مجتمعات بأكملها. إن استخدام مرواني لشخصيات متعددة وأحداث متداخلة يجعل من الرواية مرآة تعكس مشاعر القلق والإحباط التي تسود المجتمعات المعاصرة.
السخرية، كعنصر أساسي في السرد، تُعبر عن التناقض بين الطموحات الإنسانية والواقع القاسي. يُظهر مرواني كيف يمكن أن تكون الحياة مليئة بالمفارقات، حيث تتجلى الأزمات في سياق كوميدي أحيانًا، مما يضفي عمقًا على تجربة الشخصيات. هذه السخرية تُستخدم كأداة لخلق مسافة بين القارئ والأحداث، مما يتيح له التفكير في معاني أعمق حول الوجود.
يبرز الروائي من خلال شخصياته البحث المستمر عن الهوية والمعنى، في عالم متغير تتلاشى فيه الثوابت. إن تساؤلات الشخصيات حول وجودهم تُشكل إطارًا فلسفيًا يستند إلى أدب الوجود، حيث تُطرح أسئلة حول طبيعة الحياة والموت. يسعى مرواني من خلال هذه الأسئلة إلى تقديم رؤية مُعقدة تُحاكي الحالة الإنسانية، مُعتبرًا أن البحث عن المعنى هو جوهر التجربة البشرية.
في "السقوط من عدن"، يقدم قاسم مرواني رواية غنية بالتعقيدات النفسية والاجتماعية، مُستخدمًا أسلوبًا سرديًا يُمكن القارئ من التفاعل مع قضايا وجودية عميقة. عبر شخصياته وأحداثه، يُظهر كيف يمكن للتجارب الشخصية أن تنعكس على مستوى المجتمع، مُحاولًا تقديم رؤية تتجاوز الألم نحو الأمل، رغم أن السقوط هو جزء من الرحلة. إن هذه الرواية ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي تأمل عميق في طبيعة الوجود، مما يجعلها تجربة قرائية تستحق التأمل والتفكير.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%AF%D9%86-%D9%84%D9%84%D8%B1/