لوحات هي أشبه بخلفيات الذهن الإنساني في لحظة من زمن
ضحى عبدالرؤوف المل
يحاول ساشا أبو خليل (Sacha Abou Khalil) بتر الهواجس التخيلية في لوحاته لإفصاح عن التحولات النفسية التي تكشف عن مخبوءات داخلية يمدها فنياً على سطوح اللوحة، وبتجذر لوني يكمن في اللامعنى وبتداخلات العناصر الحسية مع البصرية، كالقلق والهواجس والخوف والعبث، ووجودية الإنسان ضمن مساحة يحيط بها. مما يجعل من خطوط اللوحات أداة لتوقظ الأحاسيس بانقباضات تفجر التعبيرات البيولوجية التشكيلية، كأنها تخرج من الحلقات الدائرية النفسية متجهة نحو الأنا والآخر، معتمدة على بناء مشهديات تفضي بمكنون النفس، وتزينها بالوجود بعد محو الصراعات النفسية عبر الخلفيات التي تشكل الجزء الأساسي من اللوحات أو البورتريه. بلغة تشكيلية كنوع من تطهير النفس بموسيقى الفن التشكيلي الذي يكتنفه الغموض، وإيقاعاته البصرية التعبيرية، وبتماهي مع شخوصه الذي يرسمها بتأنٍ، وبمنح الصفة الإنسانية هوية عصبونية في لوحات هي أشبه بخلفيات الذهن الإنساني في لحظة من زمن رسم فيها "ساشا أبو خليل" لوحته ووضعها أمام المتلقي لتوضح قيمة الوجود من خلال الفكر والنفس والانصهار بينهما، فاتحاً العوالم المحيرة بالخطوط الدقيقة ومساراتها وارتباطها بالوجود الإنساني، وكأنه يشير إلى الوجود الافتراضي وانعكاساته على الإنسان في لوحة تضعنا أمام تساؤلات كثيرة تلامس النفس والروح والمادة وتنفي العدم.
من منا لم يفكر بالشرايين والأوردة والجذور والأعصاب وامتدادها ومساراتها وانعكاساتها؟ بالنسبة إلى "ساشا أبو خليل"، الحزن والغضب والفرح والاشمئزاز والتعب هي مشاعر تولد جمالية ذات تساؤلات يضعها في مساحة اللوحة. لمعرفة ما هو مختزن في الثقافة الداخلية واستخراجها بالتحايل عليها من خلال اللاوعي في الرسم التشكيلي، والوعي في استخراج الفكرة التي يبني عليها لوحته المكتسبة من تجارب شخوصه الذين يرسمهم كتجربة جمالية نفسية تدفع المتلقي لمعرفة المعنى بالإحساس والعاطفة، والتفكير المنطقي بما يراه. فهل يحاول "ساشا أبو خليل" استكشاف المتلقي؟
تتجلى في لوحات "ساشا أبو خليل" خيوط الذهن أو خطوط النفس المثيرة للمشاعر القوية التي تنتاب الألوان المترجمة لقوة الذهن، واستحضار لكل ما هو متماثل مع الإنسان وقوة الدماغ بمكوناته الحسية والمعرفية والعاطفية، وبكل ما هو مرتبط بالعملية الإبداعية ومثيراتها التشكيلية التي تتخذ منحى جمالياً يترجم الأفعال والسلوك، بالألوان والخطوط والتعبير والتصوير والتجسيد الذي يؤدي إلى إظهار التنوع النفسي الإنساني بمختلف صنوف البشر. لهذا نجد خلفيات اللوحات هي الأساس لما هو ظاهر منها لتوسيع حرية البصر وفهم خيارات الألوان التي تهدف إلى الاستكشاف الحيوي لقيم الفكر والوجود عبر مجالات علم النفس والمصطلحات الجمالية التي ترتكز عليها اللوحة التشكيلية. فهل يحاول "ساشا أبو خليل" تحليل وشرح خصائص النفس البشرية من خلال لوحة؟
تبرز وظيفة الفن التشكيلي من خلال الخزين الثقافي المبرمج لعناصر القوة والضعف في اللوحة، وهذا يساعد في استمرارية التحليل النفسي عبر اللوحة البسيكولوجية ومساراتها التعبيرية البحتة لمواصلة البحث عن المتغيرات الفنية في كل شخصية أو بورتريه أو مساحة تحيط بالوجود الذي يتشكل من وجودنا الذي تحكمه قوانين الانضباط الذهني أو التحرر منه إن أصابنا التشتت. الألوان المغايرة في اللوحات تمثل الأسس لهذا النوع من الفن المؤثر في نمو المعرفة الذهنية المستندة على جمع الخيوط التحليلية ودلالاتها في تكوين اللاوعي الجزئي والكلي أثناء الرسم أو أي شكل من أشكال التعبير الثقافي والمعرفي. فهل من محاولة لإبراز دور الخطاب الفني في تشكيل الثقافة من خلال التحليل النفسي التشكيلي؟
برؤية أخرى تتداخل عناصر الفن التشكيلي في أعمال الفنان ساشا أبو خليل لتكون لغة تعبيرية تنبض بالحياة وتعكس عمق التجربة الإنسانية. تتجلى في لوحاته مشاعر معقدة كالحزن، والقلق، والفرح، مما يخلق تجارب بصرية غنية تعكس رؤى متعددة حول النفس البشرية.
يعتبر الإيقاع أحد العناصر الأساسية التي تشكل هيكل العمل الفني. في لوحات ساشا، يظهر الإيقاع من خلال تنوع الخطوط والألوان، حيث تتناغم الأشكال وتتداخل بطريقة تخلق حركة ديناميكية. هذا الإيقاع ليس مجرد حركة بصرية، بل هو إحساس داخلي يشبه نبض الحياة، يتفاعل مع المشاعر الإنسانية ويعكس تقلباتها.
تعتمد رؤى ساشا البصرية على استخدام الألوان بشكل مدروس، حيث تنقل كل لون شعوراً معيناً. الألوان الداكنة قد تدل على الحزن والقلق، بينما الألوان الفاتحة تعكس الفرح والأمل. هذه التباينات اللونية تجعل المتلقي يعيش تجربة بصرية تتجاوز سطح اللوحة، لتغمره في عمق المشاعر المعبر عنها.
تعكس الأعمال الفنية لبساطتها وتعقيدها في الوقت نفسه، حيث تحمل معانٍ نفسية عميقة. يتناول ساشا الصراعات الداخلية التي يواجهها الإنسان، مما يسهم في تعزيز الانطباع بأن الفن هو وسيلة للتعبير عن الذات. تبرز مشاعر الاغتراب والخوف، مما يجعل المتلقي يتفاعل مع العمل على مستوى أعمق، ويشعر بأنه ليس وحده في تجاربه.
تستخدم تقنيات الرسم بشكل يعكس التجربة النفسية. من خلال تطبيق ضربات الفرشاة القوية والتفاصيل الدقيقة، يستطيع ساشا تقديم تعبيرات غنية عن الحالة النفسية للشخصيات في لوحاته. هذه الأساليب تعزز من التجربة التفاعلية، حيث يجد المتلقي نفسه متورطاً في عالم اللوحة، مما يتيح له فرصة للتأمل والتفكير.
تمثل أعمال ساشا أبو خليل تجربة فنية غنية ومعقدة، تتجاوز الأشكال السطحية لتغوص في أعماق النفس البشرية. من خلال إيقاعه ورؤاه البصرية، ينجح الفنان في خلق تجربة تعبيرية جمالية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجربة الإنسانية، مما يجعله واحداً من أبرز الفنانين الذين يعبرون عن معاني النفس البشرية بصدق وعمق.
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%B3%D8%A7%D8%B4%D8%A7-%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D8%B4%D8%A8%D9%87-%D8%A8%D8%AE%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D9%86/
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com