التاريخ المشترك للإنسانية في الفن التشكيلي وأحجامه المتقاطعة

ضحى عبدالرؤوف المل

ترمز أعمال الفنان "راؤول كونتي" (Raoul Conti) إلى التاريخ المشترك للإنسانية في الفن التشكيلي وأحجامه المتقاطعة بين التركيبات المتناقضة حسياً ومادياً. إذ تعبر أعماله عن الدوافع الفنية وأبعادها الاستكشافية في الرمز، من خلال الاستحضار للرموز القديمة، بتحديث بصري يميل إلى خلق حيوات غرائبية، تستمد وجودها من ريشة مشبعة بالدوافع الإنسانية وأساطير الميثولوجيا القديمة، بنظرة ذات تجريدات تقليدية وحديثة، للبحث عن هوية فعالة تتحرر من هيمنة الفكر التشكيلي القديم، والالتصاق بالجديد للجمع بين ما هو رياضي وما هو هندسي، عبر المزج الموشى بالحاضر والمستقبل، وفروقات ما بينهما في وحدة الفكر والشكل والطبيعة الإنسانية المتحررة، والمقيدة، والصاخبة، والساكنة. وما بين التقليد والحداثة يقف الذهن بين جمالية العصف البصري في لوحات "راؤول كونتي"، وما بين العصف الوجداني والحسي في لوحات حارة أكثر منها باردة، وتمثل التجدد الزمني في اللون من خلال تطور الإنسان عبر العصور القديمة والجديدة. فهل يحاول "راؤول كونتي" بث الأساطير الحديثة في لوحات يغلب عليها الرمز الاحتفالي في الحياة، أو بالأحرى الطقوس الفنية بين الأنا والآخر؟

يقيم الفنان "راؤول كونتي" كرنفالاته في عمق ألوان لوحاته التي تشتعل وتخبو وفق خصائص الرؤية التي يتبعها من زاوية النشأة الأسطورية للإنسان، والتدرجات في الأشكال من المستطيل والتناوب الأمامي والخلفي مع الأشكال ببعضها البعض، لإنتاج إيقاعات نغمية ذات فكر لرياضيات متناقضة، لتصبح المسافات هي الأشكال الجديدة التي تتوالد من الحقائق المتخيلة بين السطوح المغلقة في اللوحة والفراغات ذات الفضاءات الواسعة، لخلق حرية في التفافات الخطوط المستقيمة، والمتعرجة، والزخرفة الممجوجة من خلال تدرجات الألوان قوتها وسطوعها، وضآلة بعض الألوان الممتزجة معها. إذ يظهر التمثيل الهندسي في الأشكال كتجريد إنساني يعيد كل الأشكال إلى أساسها أو طينتها أو ماديتها، لتبقى الألوان هي المشاعر الدفينة للأشكال التي تندثر وتحل محلها الإيقاعات الداخلية للمخلوقات الأسطورية التي ما زلنا نحتفظ بها حتى يومنا هذا. فهل يترجم "راؤول كونتي" الأسطورة بأدوات التشكيل الحديثة من خلال الزاوية الفنية الخاصة للواقعية السحرية في الفن التشكيلي؟

تصغير وتكبير واختلاط لمفاهيم متعددة في الفن البصري الذي يعتمده "راؤول كونتي" عبر تركيبة كيميائية خاصة للألوان والأشكال معاً، ليعيد تصحيح الماضي الأسطوري للإنسان وتطورات التجارب الإنسانية التي وصلت إلى المنحى الحديث الذي نراه في لوحاته المرئية والمخفية، لإبراز عمق الواقع المختلف عليه بمزج العناصر الفنية والتجريدية والهندسية وما إلى ذلك مع بعضها البعض. لتبقى الحقيقة هي اللوحة التي تنتجها ريشة مشبعة بالتاريخ وبالواقع السحري الذي يكشف عن قيمة التحول في الحضارات غير المحددة بالشكل الإنساني المتغير والاختلافات الزمنية المؤثرة على المادة والتشابه الوهمي بين المستطيلات والمربعات والدوائر والمنحنيات والخطوط، والإنسان بشكل عام بين مختلف خطوطه الحياتية التي يغرسها "راؤول كونتي" بفلسفة يخلط معها العلاقات الحميمة عند الإنسان بمحيطه الداخلي والخارجي المرتبط به، والمتمسك به أسطورياً وواقعياً بتناقض يتمثل في قيمة التفاعل الطبيعي بين الفكر والشكل ورمزية المشاعر الجمالية وإيقاعاتها الممتدة على مساحة اللوحة.

الفن التشكيلي البصري المتسع مع الألوان الداكنة والفاتحة والمبادئ الأساسية في تراكيب الألوان مع بعضها البعض ضمن درجات يحتفظ بها "راؤول كونتي" في ذاكرته التي تتلاحم مع الأساليب المستخدمة، لخلق متعة بصرية تثير الغموض الفكري، وتستدرج الذهن لاستكشاف اللعبة الأسطورية الحديثة، ليرفعها إلى مستوى كوني نابض بالفلسفة الوجودية والشاعرية القوية بين المرأة والرجل على سواء، دون أن ينفرد بالتضاد بين الطويل والقصير، والرفيع والعريض، وجوانب الجمع بين الأشكال المخفية والظاهرة. لتتساوى الأشياء من زاوية النظر إلى اللوحة وقوة معناها ورومانسيتها والواقع السحري الذي يغلفها به. فهل نحن في متاهة عصر نعيش فيه الميثولوجيا الحديثة في لوحات تشكيلية تجمع الفنون في بوتقة الحقيقة الجوهرية للكون؟

برؤية أخرى تتجلى في أعمال "راؤول كونتي" رحلة معقدة عبر الزمن، حيث يمتزج التاريخ مع الأسطورة، وتجسد الألوان تجارب إنسانية متعددة. تبرز اللوحات كمشاهد متحركة، تعكس تفاعلات عميقة بين الأنا والآخر، مما يضفي بعداً نفسياً وجمالياً متميزاً.

من خلال الرموز والأساطير، يستحضر كونتي تجارب إنسانية جماعية، مما يتيح للمشاهد الانغماس في عواطف مختلطة. تعكس الألوان الحادة والمزج بين الأشكال شعوراً بالتوتر والبحث عن الهوية، مما يدفع المشاهد للتفكير في حالته الوجودية. يُظهر الفنان كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للشفاء والتعبير عن الصراعات الداخلية.

تقنيات كونتي في استخدام الألوان والزخارف تعكس تقنيات تجريدية، حيث يتلاعب بالأشكال والهندسة بأسلوب فني يربط بين التقليدي والحديث. يخلق تبايناً بين الأشكال الساكنة والحركية، مما يعزز من الإيقاع العام للعمل. استخدامه للتدرجات اللونية يمثل التنوع في المشاعر، ويخلق عمقاً في التجربة البصرية.

تتسم أعمال كونتي بجماليات غريبة تعكس التوتر بين التقاليد والحداثة. الألوان الداكنة والفاتحة، بالإضافة إلى الأشكال المتداخلة، تخلق تناغماً بصرياً مثيراً. يتحقق الجمال هنا من خلال التوازن بين الفوضى والنظام، مما يدعو المشاهد للاستكشاف والتفاعل.

يعبّر كونتي عن أفكاره من خلال مزج العناصر الفنية بطريقة فريدة. تتداخل الإيقاعات في لوحاته، مما يمنحها حركة وحياة. تعكس الألوان والأنماط الأحاسيس الإنسانية، وتتحدث عن الفرح والحزن، الأمل واليأس، مما يخلق تجربة تعبيرية متكاملة. هذا التعبير الفني يتجاوز الحدود التقليدية، ويعكس التحديات والإنجازات التي يواجهها الفرد في سعيه نحو الفهم الذاتي.

تُعتبر أعمال كونتي تجربة بصرية نابضة بالحياة. تتفاعل الأشكال والألوان بشكل ديناميكي، مما يُحدث تأثيراً بصرياً يتطلب من المشاهد الانتباه والتمعن. اللوحات ليست مجرد مشاهد فنية، بل تفتح أبواباً لفهم أعمق للواقع الإنساني، مما يساهم في خلق حوار بصري مستمر بين العمل والمشاهد.

إن رؤية أخرى لأعمال "راؤول كونتي" من هذا المنظور يعكس تعقيد أعماله ويبرز عمق التجربة الإنسانية من خلال الفن، مما يجعله تجربة غنية ومتعددة الأبعاد. إذا كان لديك أي تفاصيل إضافية تود إضافتها أو استفسارات، فلا تتردد في طرحها!

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D8%A7%D8%A4%D9%88%D9%84-%D9%83%D9%88%D9%86%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A/

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com