الانصهار الحسي بين الإنسان وأهمية المكان
ضحى عبدالرؤوف المل
يقيم الفنان أنطوان مطر حوارًا بصريًا بحثًا عن الانصهار الحسي بين الإنسان وأهمية المكان والأشكال الهندسية، المنبثقة عن المساحات والمسارات والخطوات الهندسية التي تثير الحدس التصويري المهيمن على اتجاهات الفكر المؤثر فلسفيًا على المكان. هذا المكان الذي يجعله الفنان أنطوان مطر جدلية وجودية تشترك مع الإنسان الذي يندمج مع خاماته المادية. الأثر الفني يتداخل هنا، متجاوزًا الملموس، ويوجه نظراتنا نحو شفافية الألوان وكثافة الخطوط، واندماجها مع الكل بنغمات بصرية إيقاعية، لإبراز علاقة البصر مع جمالية المكان، الذي يؤرخ لفترة وجود معمارية تتخذ من الأماكن والطبيعة فترة زمنية لها، تنطوي على ازدواجية. لكن، ما هو المكان وما مدى ارتباطنا به جمالياً وفنياً، وحتى عبر ذاكرة اللوحة التي يرسمها الفنان أنطوان مطر؟
يفتح الفنان أنطوان مطر الرؤى الفنية على الأماكن وأهميتها في توالد الأفكار، وحساسيات واقع الخطوط الدقيقة منها وتأقلمها مع الألوان المائية وشفافيتها. يهدف إلى تحسين التحرر من قساوة وطراوة التصميم واللون، وأدوات التعبير الأخرى للتنفس البصري بإيجابية الحوارات التي يقيمها بين اللوحة والمتلقي. تاركًا لبساطة المتعة الفنية ترجمة جمالية تهدف إلى السيطرة على توحيد الواقع المختلف لما نراه. وقد يتخذ من التفاعلات بين الوحدات والعناصر أسلوبًا تختلط فيه طبيعة الصلة في اعتماد المكان كجسر يخلق صلات مع الحواس المشتركة، ويعطي اللوحة بعدًا فنياً يجمع بين المكان وروحية اللون والإنسان، ضمن طبيعة الوجود أو المكان الذي يحتل وجدان الرسام، ويتعلق به للمساهمة في خلق جاذبية خاصة لأماكن تتناولها اللوحة، وتجعل منها موضوعات حوارية تهدف إلى إنشاء مسافات بين المتلقي واللوحة، وقدرتها على ترجمة جمالية المكان أو المشهد بمرونة وحساسية تجاه الخط واللون والفراغات، والأبعاد، وكل ما من شأنه أن يضفي على اللوحة جمالية عنوانها الخط بين الشكل واللون وأهمية الرؤية الفنية في خلق الحوارات البصرية والثراء التشكيلي.
يبقى السؤال الأهم في أعمال الفنان أنطوان مطر: ما هي أهمية الحوار البصري في الأعمال الفنية؟ إذ تشجعنا لوحاته على البحث لتجاوز الفكرة واكتشاف التفاصيل التي تصنع منها الأشياء الفنية أو الهندسية أو المعمارية التي تتجسد في أماكن متعددة ومختلفة من حيث طبيعتها. وهذا ضمن حالة معينة يلتقطها الفنان لخلق احتكاكات مشتركة بينه وبين ما يرسمه بوجدانية وعقلانية، هي نوع من التبادلات الفكرية التي يواجهها البصر بتفاعل إيجابي يهدف إلى إيصال بنية الحوار في اللوحة إلى الحواس، بتدفق الخطوط وأنواعها من مائل أو أفقي أو عمودي أو متعرج وغير ذلك، مما له القدرة على التوليف البصري المرتبط بالذهن. لإحداث تغيرات متناقضة تجعل المتلقي يتساءل: ما هذا المكان وما أهمية الخطوط فيه؟
نهج فني بصري حواري يقدمه الفنان أنطوان مطر في أعماله التشكيلية المفتوحة بصريًا على التكامل كأشياء فنية لها قيمتها المكانية في الحس الوجودي وارتباطه بمحيطه، أو كنهج يثير التفاعل مع المساحات التي يختزلها أو تلك التي يمدها بالأبعاد الضوئية والتفاصيل الداخلية المخفية نوعًا ما، وهي التي تجسد الحوارات البصرية المبطنة التي يجعلها قادرة على خلق لغة فنية غامضة نوعًا ما، وإن ضمن استمراريتها في تجسيد بنية اللوحة ذات المفاهيم التشكيلية المحسوبة بدقة، من خلال النقاط التي يبدأ منها وتترجم بفعالية حركة الريشة أو القلم أو معنى اللون أو حتى اعوجاح الخط الدقيق أو المتعرج في مساراته. ليكون بصمة تشكيلية لها عناوينها الزمنية تبعًا لماهية المكان أو اسمه، وما يحتويه، حتى كأنه من الآثار التي يطل عليها الفن التشكيلي المعاصر كلاسيكياً.
برؤية أخرى يتميز عمل الفنان أنطوان مطر بالتفاعل العميق بين الإنسان والمكان، مما يثير مشاعر الانتماء والحنين. من خلال استكشاف المساحات الهندسية والأشكال الجيومترية، يتمكن الفنان من خلق تجربة بصرية تحاكي الأبعاد النفسية للمتلقي. يظهر الانصهار بين الألوان والخطوط كأنه حوار داخلي يعكس الصراعات والتناقضات التي قد يواجهها الفرد في حياته اليومية.
تعتمد جمالية أعمال مطر على استخدام الألوان المائية والشفافة، مما يمنح اللوحات شعورًا بالخفّة والعمق في آن واحد. تنسجم الألوان مع الخطوط بشكلٍ يتسم بالمرونة، مما يتيح للمتلقي أن يشعر بالحركة والنشاط. هذه الديناميكية تُعبر عن التغيرات النفسية الداخلية، حيث تتداخل الألوان بطريقة تعكس المشاعر الإنسانية، سواء كانت فرحًا أو حزنًا.
يحمل العمل الفني إيقاعًا بصريًا يتدفق عبر تكرار الأشكال والخطوط. هذا الإيقاع لا يقتصر على الشكل الخارجي بل يتغلغل في عمق المشهد، مما يُعزز من تجربة المشاهدة. يُشبه هذا الإيقاع الموسيقي، حيث يمكن للمتلقي أن يختبر تناغم الألوان مع الخطوط بطريقة تجعل منه جزءًا من الحوار الفني.
تعتمد أعمال مطر على خلق مسافات بين العناصر، مما يمنح المتلقي الفرصة للانغماس في اللوحة واستكشاف التفاصيل. تُعتبر هذه المسافات بديلاً عن الفراغات النفسية، مما يتيح للزائر أن يستشعر العمق الوجودي للمكان ويجعل التجربة أكثر حميمية.
يعمل الفنان على استحضار مشاعر الوجود والغياب من خلال استكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان. يتجلى هذا في كيفية تعامله مع الفضاءات، حيث تُبرز أعماله كيفية تأثير الأماكن على الهوية الإنسانية. يُعتبر كل شكل وكل لون وسيلة لتجسيد تلك التجربة الوجودية، مما يعكس فلسفة مطر في التفاعل بين الذات والبيئة.
إن أعمال أنطوان مطر هي بمثابة دعوة لاستكشاف التفاعلات المعقدة بين الإنسان والمكان، حيث يجمع بين الفلسفة والجماليات والتعبير النفسي بطريقة تحفز الحواس وتثير المشاعر. هذا الانطباع الإيجابي يخلق تجربة فريدة تدعو المتلقي للتفكير والتفاعل، مما يجعلها تتجاوز حدود اللوحة لتصبح تجربة حياة كاملة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B5%D9%87%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86/