لغة الاتصال باللون من خلال التجريد الذي يعتمد على تجديد الخيال
ضحى عبدالرؤوف المل
تتنقل حكايا اللون الفردية في لوحات الفنان "ميشال معيكي" (Michel Maaiki) من طور الخيال إلى التدرج التجريدي بعيداً عن التشخيص الواقعي، بانفعالات مستوحاة من طفولة تعيد هيكلة الانفراجات النفسية لمن يتأمل لوحاته التشكيلية. فيعيد لغة الاتصال باللون من خلال التجريد الذي يعتمد على تجديد الخيال وعوامله المرنة، في خلق استمرارية وجودية، مراعيًا الجوانب الحسية في اشتقاقات الألوان وتدرجها، وانصهارها وانفصالها بالمعنى التكويني، أي وفق أهداف اللوحة وتذليلها لصعوبات فنية، مما يخلق عفوية في تشكيل أنماط بدائية تنبع من النفس على نحو موسيقي، تولد من نغمات كل لون ودرجته العالية أو المنخفضة، لاستثارة الحواس البصرية ولتوليف حكايا اللون، وربطها بالأبعاد ضمن رمزية الحكايا على وجه الخصوص. إذ تتكيف الفراغات مع الضوء وتتناسق عبر مساحات يتلاعب بها فنتازيماتيًا، أي بشكل يميل إلى الخرافة أو الأسطورة أو حتى التجريد المطلق للتعبير، بوصفه يخرج من اللاوعي نحو اللامحدود أو اللانهائية الضوئية والتأملات التي تكشف عن زوايا نفسية يضعها "ميشال معيكي" ضمن حكايا فردية للون، كونه الحكاية في لوحات تثير الغموض لتقاطعها وتداخلها في آنٍ معًا.
يكشف الفنان "ميشال معيكي" عن علائقية الألوان بالفراغات والتواصل البصري مع الاختلاطات ذات المعنى الانتقالي من الجزء إلى الكل وبالعكس، وضمن السياق النفسي لفن تشكيلي يفترض بالتجريد إعطاء مصطلحات واسعة لحياة معقدة يتم تبسيطها تجريديًا وفق علامات الألوان الباردة والحارة، ومجازية العناصر الأخرى التي تتحول إلى هيكلية فنية ذات أبعادها النفسية، كحكايات حالمة مفككة من ارتباطات الواقع والوعي الترابطي. أي الانعكاسات المرتبطة بترميز إيحائي يهدف إلى دعم الأسس الفنية في اللوحة والقدرة على خلق الفوضى اللونية المنظمة، باعتبارها لغة بصرية مشتركة بين التنظيم والفوضى النفسية التي تصيب الأشكال، أو بمعنى آخر الذات. وهذا ما يمنح الألوان خيالًا قادرًا على ترجمة التجانس بين الألوان والأحلام والحكايا أو الذكريات، كأنه رواي لخيال فرويدي من خلال الفن التشكيلي والأطر السردية والبصرية فيه، المستوحاة من الرومانسية والحكايات والهوية الخيالية في الفن البصري أو الأنثروبولوجية وفضاءات التخييل النسبي لحكايا الألوان، أو بعبارة أخرى، لغة الاتصال باللون من خلال التجريد الذي يعتمد على تجديد الخيال.
تخيل وتجريد وانتقال من الكتلة اللونية إلى الفراغات، لفتح حوارات تتمحور حول تلقائية التخيل، لفهم الحركة اللونية وتقاطعاتها المتحررة من التقاليد الكلاسيكية للألوان، وبالتالي لحكايا يستبطنها نفسياً لينقل بصريًا وجهات نظر فنية بمكونات تشكيلية متماسكة من حيث الانفلات من التقاليد والموروثات نحو احتفاليات الألوان، والضوء والفراغات والمساحات الممتدة المتعلقة بقوة الملاحظة بين الألوان والعلاقات بينها، وبين الفراغات وقدرتها على التخييل الثري، وبكفاءة بصرية تشبه الحكاية الشفهية والمعنى التخيلي المفتوح فيها من الجزء إلى الكل أو اللانهاية. فهل يحاول الفنان "ميشال معيكي" نقل أحاسيسه عبر مساحات اللوحات؟ أم هي نظريات فرويدية في الفن التشكيلي؟
تستند لوحات الفنان "ميشال معيكي" على التباين الموضوعي بين الألوان، ومتغيرات الضوء الذي يحتوي على نسب معينة لتدرجات يحاكيها بالمشاعر والعواطف التي يبحث من خلالها عن الذات أو الأنا، لإبراز الحنين والأمل رغم القلق النفسي الذي نعانيه في الحياة. وهو تجريدي النزعة، وبتوازن هادئ يعكس قيمة الفراغات التي تهدف إلى التبسيط المفرط في الفن التشكيلي ودوافعه النفسية للوصول إلى أساسيات بصرية هي لغة نفسية ذات تجريد نقي.
برؤية تحديثية أخرى الفن التشكيلي يُعد لغة تعبيرية غنية تعكس التفاعلات الإنسانية والعواطف العميقة. من خلال التفاعل مع الألوان والأشكال، يعكس الفنان مشاعره وأفكاره، مما يتيح للمشاهد تجربة جمالية تدمج بين البصر والعاطفة. هنا، نستعرض تحليلًا يسلط الضوء على الإيقاع والرؤى البصرية في العمل الفني.
الإيقاع في الفن التشكيلي يشير إلى توزيع العناصر بطريقة تخلق حركة وتوازنًا. يُمكن أن يكون الإيقاع ناتجًا عن تكرار الألوان أو الأشكال أو حتى الخطوط. في حالة الفنان "ميشال معيكي"، نجد أن استخدامه للألوان يعكس إيقاعًا متناغمًا، حيث تتجاوب الألوان مع بعضها في تناغم يثير الحواس ويخلق تجربة حسية متكاملة. الألوان تتنقل بسلاسة بين الدرجات، مما يخلق شعورًا بالحركة، وكأن اللوحة تنبض بالحياة.
الرؤى البصرية تشمل كيف ينظر الفنان إلى العالم وكيف يعكس ذلك في أعماله. يمكن أن تكون هذه الرؤى مرتبطة بتجارب شخصية أو ثقافية. في حالة "ميشال معيكي"، يتجلى التفاعل بين الألوان والفراغات كوسيلة لرؤية العالم من منظور خاص. الفراغات ليست مجرد غياب للألوان، بل هي عنصر حيوي يساهم في تجسيد الفكرة، مما يجعل المشاهد يتساءل عن المعاني الكامنة وراء كل لون وكل فراغ.
الفن هو مرآة للروح. إذ تعكس الأعمال الفنية مشاعر عميقة، مثل الحزن، الفرح، أو القلق. يُعتبر العمل الفني تعبيرًا عن تجربة نفسية فردية وجماعية. لدى "ميشال معيكي"، تتجلى الانفعالات النفسية من خلال الألوان والتجريد، مما يسمح للمشاهد بالتواصل مع الحالة النفسية للفنان. كل لون يحمل طاقة خاصة، تُثير مشاعر مختلفة عند المشاهد، مما يُعزز التواصل العاطفي مع اللوحة.
الجمال في العمل الفني لا يقتصر على الشكل فقط، بل يتعدى إلى المعاني العميقة والتجارب الإنسانية. تُعبر لوحات "ميشال معيكي" عن جمال متجدد من خلال تكوينها الفريد، حيث يخلق الفنان توازنًا بين الألوان والفراغات، مما يجعل كل عمل فني تجربة بصرية مميزة. إن التباين بين الألوان، سواء كانت دافئة أم باردة، يُعزز من الجمالية، مما يجعل كل لوحة تجذب الأنظار وتثير الفضول.
تُعتبر اللوحة وسيلة للتعبير عن أفكار الفنان ومشاعره. يتيح "ميشال معيكي" لمشاهديه فرصة الغوص في عالمه الداخلي، من خلال الألوان المتنوعة والتجريد. تعبيره عن الذات من خلال العمل الفني يتجاوز الحدود التقليدية، مما يجعل كل لوحة تمثل رحلة بصرية فريدة تحمل رسائل عميقة.
من خلال دمج الإيقاع والرؤى البصرية، يُمكننا أن نفهم كيف يخلق "ميشال معيكي" عالماً فنياً يحمل معاني نفسية وجمالية متعددة. أعماله ليست مجرد لوحات، بل هي تجارب حسية تُحفز الفكر والروح، مما يجعلها تترك انطباعًا دائمًا في ذهن المشاهد. تُعتبر هذه التجارب تجسيدًا لفهم الإنسان لعالمه الداخلي والخارجي، مما يعزز من أهمية الفن كوسيلة للتعبير عن الذات وتجربة الحياة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%8A%D8%B4%D8%A7%D9%84-%D9%85%D8%B9%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AF/