ضبط العدسات الفاصلة بين حدود الزمن الفينيقي والزمن الحالي

قراءة في رواية "أليس والكاهن" للروائي إسماعيل الأمين

ضحى عبد الرؤوف المل

تعكس رواية "أليس والكاهن" التاريخ في رواية فينيقية صادرة عن "دار النهضة" للروائي دكتور إسماعيل الأمين. يتغلب فيها على حدود إدراك التاريخ، فيضعه ضمن فلسفة تشهد على السحر الفينيقي وخرافة الزمن الذي يجمع الأجيال المتعاقبة. لتعيد الأسطورة نفسها بأسلوب مختلف، وما أليس إلا جيل الشباب الذي يثور على الكهنة أو الأجيال القديمة، فيتحدى ويتخبط ويحاول التجديد. ومن ثم تدور الحكاية الإنسانية في دائرية الزمن الذي يضع الأشياء تحت العين الواحدة أو عين الحكمة، مستمدًا الإلهام من التاريخ والإدراك التخيلي له، ليُدخلنا في ضبط العدسات الفاصلة بين حدود الزمن الفينيقي والزمن الحالي. إذ يستدعي الذهن تارة، وتارة أخرى يتركه ضمن أسطورة طفل العسل، وما ينتج عنه من مغامرات في عرض البحر. وما على أليس إلا أن تتبع الكاهن وتلتزم بتعليماته ليولد الطفل القادم ضمن شروط عقائدية أو أسطورية أو خرافية، وبأدوات روائية معقدة نوعًا ما. رغم بساطة السرد التاريخي أو الأسطوري بمزج ارتبط بين زمن فينيقي وآخر مفتوح على الربط الذهني عند القارئ، كأنه يمارس "لغة الإيحاء والإحساس الساطع. ولغة البيان والغامض". فما الذي تقوله خرافة "إسماعيل الأمين" ضمن سطور محشوة بالإيحاءات، وبحلم العودة إلى زمن فينيقي جمع الأسطورة بالتاريخ وخراقة رواية تقودنا إلى التشكيك؟

فهل يمكن إدراك حدود التاريخ بالكامل؟ ومتى تأخذ الحكايات الخرافية دورها في الرواية؟ هل يعارض "إسماعيل الأمين" المراحل المبهمة من التحول الفينيقي إلى الزمن المعاصر بمقارنات لم يعتزلها، بل وضعها مباشرة أمام القارئ دون أن يترك له حرية الاستكشاف، وبشجب للرواي، بغض النظر عن الضبط الروائي المقترن بالحكاية ونهايتها المتسامية مع أليس التي عاصرت الكاهن، واستمدت منه القوة لتكمل طريقها نحو المجد الفينيقي، بسطوع لابنة صيدون وابن صور والمجد اللبناني المبني على عظمة فينيقية تجسدت في رواية دكتور "إسماعيل الأمين" مع رسائل بوزلي والشيخ الهرم. وقد تكون بعض المواقف للشخوص هي عين العقل التي يبحث عنها "إسماعيل الأمين" في الزمن الفينيقي، أو بالأحرى عين الحكمة الضائعة في الأسطورة. وقد تكون مرفوضة اجتماعيًا لمعرفة مدى الفائدة من طقوس فينيقية في زواج وطفل العسل، وما إلى ذلك لتكريس المشهد الروائي للإضاءة على بنود الخرافة، ومهمة الأسطورة في تشكيل الخيال. لتحسين صورة الزمن القديم في العصور السابقة، وما يحدث حاليًا في عصر اتسم بالحداثة، وكأن الإنسان في الصدى التاريخي ينقسم إلى أجيال لا تنتمي لبعضها البعض.

افتراض لخرافة ولخيال تخالف فيه أليس كاهنها، كما يخالف هذا الجيل بمفاهيمه التقاليد والأعراف، وينتفض عليها، وربما يقوم بثورة على الأحكام، ويبحث عن التحرر من قيود الكاهن أو قيود الأسلاف، والعواصف التي تؤسس إلى الصمود في وجه القوة، موضحًا "أي تفسير آخر لنجاح الفينيقيين في السيطرة وحدهم من بين شعوب المتوسط على الموانئ في جهات البحر الأربع؟" فهل يحاول تمثيل التاريخ ضمن الخرافة أو الأسطورة؟ ليضعنا أمام منجزات لفينيقيين تركوا الكثير من العظمة في حكاياتهم وأساطيرهم، وتراثهم الذي نحمل من أبجديته ما يدفعنا إلى الاستمرار بالبحث عن أسرار التاريخ والحواشي الدسمة فيه التي تساعد على بناء حكايات مطعمة بنكهة لبنانية، وإن كان "إسماعيل الأمين" يريد منا التطلع إلى الزمن الفينيقي.

رؤية تاريخية في عصور فينيقية تعيد تقييم معرفة الشعوب، وخرافة التاريخ الملصق بها "إسماعيل الأمين" والتي لا يفارقها في مساحات كتبه أو الجهاز التخيلي، لكاتب يصر على عودة الانفتاح التجاري في الشرق الأوسط، والقوة السحرية التي يملكها الشرق، على البحر الأبيض المتوسط، والخطوط التجارية التي كانت ناشطة عبر التاريخ مع المحافظة على جمالية فن العمارة الفينيقية والأزياء، وما كان يدور في الأزقة والشوارع والقصور، بتراثيات ككناية عن القوة الفينيقية في بناء مجتمعها، وإن ضمن المعتقدات وخرافة طقوسها، وعين الحكمة التي تكشف عن إشباع العطش التاريخي في رواية مصغرة أشبه ما تكون ببحث مصغر يجمع حضارة بحضارة أخرى إيحائيًا، وبنكهة روائية افترض الخرافة ووضعها تحت المجهر كي "ندرك جميعًا وبوضوح أن سرد المتخيل ليس إلا حكاية تصور الوقائع... وإذا لم يكن الأمر كذلك، لن يكون التاريخ إلا تفريغًا للآثار من أهدافها". فلماذا تدخل الرواي ووضع مقارنات بين العصر الحالي والعصور الفينيقية؟

يسعى الخيال بشكل دائم إلى التقاط المشهد الحسي لإيجاد المعنى الحقيقي الكامن خلف ظواهر تاريخية وقعت بالفعل دون تزييف، لتطوير العالم الحديث، وبتحليل لمجتمعات قديمة كان لها الأثر البارز في وجود ما لما شيدته من معالم سياحية وفلسفية ومعمارية، واكتشافات فيزيائية، وازدهارها بفترة ما، وصولًا إلى الإسراف وبهبوط تدريجي نحو الاندثار، لتبقى كرموز أو كمنارات تقوم الحضارات الجديدة بتحليلها ودراستها لاستخراج التناقضات والفروقات وغيره، وتتبع آثارها حتى ضمن الأسطورية منها والخرافية، ليكون القارئ ضمن السرد الثابت الذي ينفي كل ما جاء من قبل، ويعيد لنا صورة العالم الآن.

يقول نابليون: "التاريخ ليس سوى كذبة متفق عليها". ومن هنا نحتاج لعين الحكمة التاريخية لإعادة النظر بالمفاهيم الحضارية التي نعيشها حاليًا، لاستخراج معادلة وهي "التاريخ مرتبط بزمن واحد ومكان واحد. بينما الأسطورة لكل زمان ومكان. الخرافة ترى بعين واحدة، عين القلب. والواقعة ترى بعيون العقل. للعقل ألف عين وللقلب عين واحدة. واتفاق الألف عين أمر فيه مشقة. بينما العين الواحدة ترى، ولا عين أخرى تساجلها أو تخدعها. الخرافة لغة الإيحاء والإحساس الساطع. والتاريخ لغة البيان الغامض. الخرافة تجمع والتاريخ يشتت. للخرافة الكلمة ومجازها. الكلمة للتسلية والمجاز لغز بديهي لا يدرك سره إلا القراء بين السطور". التاريخ قد يحتوي على تشتيت ببعض التفاصيل، لكنه يتناقض مع ما يراه الكل. لأن التاريخ نسبي، ما أراه أنا قد يراه البعض بشكل آخر. أما الأسطورة فلا مكان لها، لأن الوجود بأكمله أسطورة. الحياة والقيم والكائنات بُنيت على الأساطير، كالطوفان والأسطورة السومرية "إيتانا"، والكثير من القصص التاريخية التي اتخذت صفة الأساطير إلى أن تطور الوعي الإنساني وتلاشت الأسطورة بتقدمه نحو العلم والمعرفة والتقنيات. ولكن نتراجع من حيث القيم التنظيمية والأعراف والتقاليد وما إلى ذلك، ولا نتراجع من حيث التقدم العلمي والأفكار، لأننا محصلة تطور البشرية خلال التاريخ. لهذا كان تصويب الأمين نحو حضارة فينيقية لتطوير حضارة في العصر الحديث، ولإستخراج النقاط الأساسية التي كانت تجري في مجتمع قديم، وما زالت في مجتمعاتنا بترميز تاريخي لمآثر فينيقية تغلغل فيها بشكل رمزي لتجار العالم القديم على السواحل المتوسطية. فهل طائر الفينيق من الرماد يفيق في أسطورة تاريخية كتبها إسماعيل الأمين؟

برؤية تحديثية أخرى تستحضر رواية "أليس والكاهن" للروائي إسماعيل الأمين أبعادًا متعددة تجمع بين التاريخ والأسطورة، مستندةً إلى الإطار الزمني الفينيقي الذي يستدعي ذكريات الماضي في تداخل مع الحاضر. يسعى الأمين، من خلال هذا العمل، إلى تقديم رؤية فريدة تعكس تأثير الزمن على الهوية الإنسانية، وتطرح تساؤلات عميقة حول التاريخ والذاكرة والتقاليد.

تدور أحداث الرواية حول شخصية "أليس" التي تمثل جيل الشباب الثائر على أعراف وآراء الأجيال السابقة. إن تمرد "أليس" يُجسد الصراع بين القديم والجديد، حيث تتجلى محاولاتها في فك الارتباط بالأساطير والتقاليد التي تربطها بالكهنة، وهي تلك الرموز التي تمثل السلطة والقوة. يتضح أن الأمين يقارب القضايا الاجتماعية من منظور فلسفي، إذ يبرز عبر شخصياته التناقضات بين الماضي والحاضر، بين الأسطورة والحقيقة، مستندًا إلى التاريخ كمرآة تعكس الصراعات الداخلية للجنس البشري.

إن تناول الأمين للزمن يطرح سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل يمكن للفرد أن يتحرر من قيود الماضي؟ أم أن هذه القيود تُشكل جوهر هويته؟ في هذا السياق، تبرز الحكمة الفلسفية التي تُعتبر جزءًا لا يتجزأ من الرواية، حيث يتناول الأمين مفهوم الزمن كحلقة متصلة، تتداخل فيها الأحداث والخرافات مع المعتقدات.

تجسد الرواية التوترات بين التاريخ المدون والذاكرة الشخصية، حيث تتشابك الأحداث الفينيقية القديمة مع حكايات "أليس". إن استخدام الأمين لأسلوب السرد الدائري، الذي يجعل الأحداث تعيد نفسها، يخلق انطباعًا بأن التاريخ ليس مجرد خط زمني بل هو دائرة تتكرر باستمرار. وبهذا، يسهم الروائي في إعادة تقييم الأحداث التاريخية كأنها متجددة ومؤثرة على الحاضر.

يسعى إسماعيل الأمين من خلال "أليس والكاهن" إلى تحقيق عدة أهداف روائية، أبرزها التأكيد على أهمية الذاكرة الجماعية والتاريخ في تشكيل الهوية الفردية. يتضح ذلك من خلال سعي "أليس" لاستكشاف الحقيقة وراء الأسطورة والتقاليد التي تحكم حياتها. من خلال هذا الصراع، يقدم الأمين دعوة للتأمل والتفكير النقدي حول دور التاريخ في تشكيل القيم والمعتقدات.

في النهاية، تُعد رواية "أليس والكاهن" تجربة أدبية غنية تجمع بين الجوانب السردية والاجتماعية، لتخلق فضاءً يتسع للتأمل الفلسفي حول التاريخ والهوية. يسعى إسماعيل الأمين إلى تصوير الصراع الأزلي بين الأجيال، مستنطقًا الأساطير والتقاليد كجزء من تلك الرحلة الإنسانية. من خلال هذه الرواية، يدعو القارئ إلى التفكير في الزمن كعجلة مستمرة، تدور حول نفسها، حيث تتلاشى الحدود بين القديم والجديد، وبين الأسطورة والحقيقة، لتبقى الأسئلة مفتوحة حول ما يعنيه أن نكون بشراً في عالم متغير.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com