فن الغرافيتي التدويني لمخاوف مستقبلية ناتجة من تطور الحضارات وأسباب تدهور الوجود الإنساني
ضحى عبدالرؤوف المل
يضيف الفنان الأمريكي "إدي كولا" (Eddie Colla) أكثر من معنى فني للوحات تحفز البصر على اكتشاف التصوير الذي يقوم به بأساليب مختلفة تجعل من رسوماته تضئ على الحدث الذي يطلقه من خلال حركة الألوان وضجيجها، الذي يدور حول عدة موضوعات اجتماعية أو فنية أو سياسية أو بيئية، أو لغة بصرية انتقادية شبابية. لفن الشارع الذي يلعب دورًا مهمًا في التأثير على نقطة ما أو حدث ما أو شكل ما، يكشف فنيًا عن جوانب هموم مجتمعات تتقاطع فيها هموم الإنسان الجارية زمنيًا في الحياة العامة، والتي تشكل القلق النفسي أو الجماعي لفئة اجتماعية تترك رسوماتها على الجدران في الشوارع أو عبر لوحات كبيرة تعتمد على التصوير المستوحى من تجارب سابقة أو رؤية تحليلية إخبارية، أو حتى التطلعات المستقبلية لجيل الشباب الذي يبحث عن غرابة الإنسان في زمن العولمة المفتوح على عدة تقنيات، ومنها الفن التصويري الغرافيتي أو فن الشارع الذي بات يُمارس كنوع من الفن الذي يعالج قضايا وهموم بلغة بصرية فنية تعتمد على المحاكاة مباشرة مع الشارع الذي يمثل جميع فئات المجتمع الإنساني.
أقنعة وقفازات، ألبسة غريبة، عناصر تمثل استعدادات لمواجهات بيئية أو مخاطر خارجية، أو مضمون فكرة تشير إلى مخاوف يتصدى لها "إدي كولا" بفن شارع يمثل التصدي للمخاطر الخارجية الفجائية، وأساليب الحماية منها التي تجسد ببساطتها بعض التحديات لشباب اليوم في العالم، وليس في أمريكا فقط. وهذا ما يجعل من "إدي كولا" نوعًا من لغة ذاتية يفجرها عبر فن الشارع، والتعبير من خلاله عن المخاوف النفسية والاجتماعية والسياسية، وأساليب التصدي لها وكأن أبرز هذه المخاوف الحرب الكونية، أو التلوثات البيئية، أو المشاكل الاجتماعية كالفقر وغير ذلك.
خصائص فنية متأصلة غرافيتيًا أو بالتصوير المرتبط بفن الشارع، الهادف إلى إبراز المخاوف المستقبلية وهموم فئة من الشباب، أو مقاومة الاندثار البشري، بوقاية تصويرية مستقبلية لرؤية إنسانية تجسد مقاومة هذه المخاوف، ووضعها إنسانيًا على مرمى بصري تحليلي هو نوع من ارتداد الخيال الإبداعي الذي يرمز إلى قوة البقاء. ضمن مؤشرات الأنماط التي تتكرر في أغلب أعماله، والتي تمثل التصدي للتلوث البيئي، أو مقاومة الضغوطات الاجتماعية، والمخاطر الخارجية لمنح التصوير قيمة فكرية بصرية، يعالج من خلالها كل ما هو متأصل في الإنسان من مخاوفه وصولًا إلى حماية نفسه من الأخطار ومواجهتها بشتى الطرق، إن ضمن ما يسمى الارتداد البصري والتحليل الفني لما يسمى فن الشارع المعاصر وأهدافه في إبراز ثقافة الحياة وتطوراتها من خلال الشباب ونظرتهم نحو بنية النظام الحضاري في زمن العولمة، أو لغة فن الشارع المستقبلية، وقراءة الحدث السابق للزمن الذي يرمز إلى قوة البقاء.
مؤشرات مضادة تشكل كل منها نوعًا من الدفاعات البيئية بأسلوب يعتمد على معنى الألوان الداكنة في الأغلب منها، والمسبوكة في نسيج الحماية الفنية من الأخطار القادمة التي تسببها الأمراض الناتجة عن تلوث البيئة، بأسلوب ذي أثر بصري يثير استفزازات العقل تجاه المخاوف والآثار النفسية الناتجة عنها، كالوسواس القهري وغير ذلك مما يؤثر على النظام الكوني الطبيعي الذي يحيا فيه الإنسان، إن انفصل عن مخاوفه بإبراز الحدث المتوقع قبل وقوعه لمقاومته والحذر من الوصول إليه في المستقبل. لهذا تعتبر أعمال الفنان الأمريكي "إدي كولا" فن الشارع الهادف إلى خلق لغة فنية بصرية تقاوم الأخطار المستقبلية الناتجة عن أفعال الإنسان المؤذية للطبيعة والإنسان بشكل عام.
تفاعل فني غرافيتي لتصوير الأفكار الاجتماعية بكافة محاذيرها على جدران أو يافطات أو حتى لوحات بمقاييس مختلفة، لتكون بمثابة رسالة بصرية عالمية يقرأها الإنسان في كل مكان. إذ تجسد بتصويراتها ومقاييسها وألوانها كل ما يثير أزمات الحضارة الإنسانية من سلبيات تؤدي إلى تهديمها أو اندثارها، أو حتى أغلب التناقضات والاختلافات بين مجتمع ومجتمع. وبأدوات الطباعة أو الاستنسل، وكل ما تجسده ملصقات تصويرية تخرج من فن غرافيتي هو فن الشارع والهموم الحضارية بكل أمكنتها في العالم. وهذا ما يمكن اعتباره الفن التدويني لمخاوف مستقبلية ناتجة من تطور الحضارات وأسباب تدهور الوجود الإنساني فيها. مما يترجم قيمة هذا الفن وتحدياته البصرية القائمة على الرسم وأدوات غرافيتية للإضاءة على الهموم الإنسانية في الشارع.
برؤية أخرى تحديثية فن الشارع يمثل أحد أشكال التعبير الفني المعاصرة التي تنبثق من الفضاءات العامة، حيث يُستخدم كل من الجدران، الأرصفة، والواجهات كلوحات حية تعكس القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية. يُعد هذا الفن وسيلة للتواصل بين الفنان والمجتمع، ويعبر عن هموم الناس وآمالهم بطريقة مباشرة ومؤثرة. كما أن إدي كولا هو أحد الأسماء البارزة في فن الشارع، حيث يجمع بين الأساليب التقليدية والابتكارات الحديثة ليخلق عوالم بصرية غنية ومعقدة. رسوماته تمزج بين الرسائل الاجتماعية القوية والألوان الزاهية، مما يجعل أعماله محط انتباه واهتمام كبيرين.
تتميز أعمال كولا بالاعتماد على الألوان الداكنة والزاهية في آن واحد، مما يخلق تباينًا بصريًا يلفت الانتباه. الأشكال والعناصر التي يستخدمها تتراوح بين الرموز الثقافية والشخصيات الإنسانية، والتي تُستخدم لتجسيد المخاوف والآمال، مما يُعطي تأثيرًا عاطفيًا قويًا على المشاهد.
: من أبرز سمات فن كولا هو قدرته على التعبير عن المخاوف المستقبلية الناتجة عن التطورات الحضارية. يتمكن من تجسيد القضايا البيئية، الاجتماعية، والسياسية من خلال استخدام الرموز والعناصر المعبرة، مما يثير الوعي بين المشاهدين حول التحديات التي تواجهها المجتمعات. تحمل الأعمال الجمالية لكولا بعدًا رمزيًا قويًا، حيث تتجاوز الأشكال والألوان مجرد الزخرفة لتصبح أدوات تعبير عن الأمل والمقاومة. إن الاستخدام المبتكر للألوان والتقنيات يجعل من كل لوحة تجربة بصرية فريدة تدعو للتأمل والتفاعل.
تُعتبر أعمال كولا لغة بصرية تتحدث بصوت عالٍ، حيث يمكن للجمهور من مختلف الخلفيات الثقافية فهم الرسائل دون الحاجة للكلمات. هذه الطبيعة الشاملة لفن الشارع تعكس القدرة على التواصل بشكل أعمق مع المجتمع. يمكن القول إن فن كولا لا يُعتبر مجرد تعبير فردي، بل هو أيضًا أداة للتغيير الاجتماعي. تتحدث أعماله عن قضايا مستعصية، مما يسهم في نشر الوعي والتفاعل المجتمعي.
يعد إدي كولا أحد الفنانين الذين استطاعوا دمج الإبداع الفني مع الرسائل الاجتماعية المهمة، مما جعل من فن الشارع وسيلة فعالة للتعبير عن القضايا المعاصرة. يتميز بأسلوبه الفريد الذي يجمع بين الجماليات والتحديات، ليخلق تجربة بصرية تستحث المشاهد على التفكير والتفاعل.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%A5%D8%AF%D9%8A-%D9%83%D9%88%D9%84%D8%A7-%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A/