نغمة المسك في رواية " العطر" لزوسكيند.

ضحى عبدالرؤوف المل

يحيا القارئ الحديث هموما تختلف عن أي عصر من العصور التي مضت، ونحن في زمن سرعة يتفوق على قدرات العقل العادية، فكل تجربة نفسية نعيشها في اللحظات الأولى من الطفولة تترك أثرا في الذاكرة، يصعب محوه بسهولة، فالحواس هي طاقة محركة متصلة بروح تنشط فرحا أو يأسا، بل تدفعنا لاكتشاف أي شيء تلتقطه، فالانفصال المباشر لغرنوي عن أمه كان بقطع الحبل السري بسكين السمك التي كانت تستعمله للتنظيف والتقطيع، ليغمى عليها، ويعلو الصراخ، وكأن زوسكيند بدأت حواسه تلتقط الرائحة، ومن ثم يلتقط سمعه الصراخ، ليتدرج بالحواس التي كان الذباب هو أول من تحسس جلد الجنين المولود في ذاك اليوم الحار جدا وبين روائح جثث وأسماك، لينفصل عن الأم، وتبدأ رحلته مع المرضعات في غياب الأم أو بالأصح في غياب الحياة الحقيقية التي تشعره بالوجود، فالأم نفسها كانت تعاني من أحلام لم تتحقق في الحياة، كما أنها كانت تنتقم من الوجود برفض وجود آخر نما من خلالها، فكانت تقتل كل مولود عند ولادته، لتكمل بيع أسماكها بهدوء، غير أن غرنوي صرخته كانت صرخة صامتة جعلته يحيا بحثا عن الوجود.

يقول باشلار: "كيف لا نشعر أن هناك اتصالا بين وحدة الحالم ووحدات الطفولة؟ فالنواة الحقيقية للوجود هي لحظات الخلق الأولى التي تنطبع على الخلايا كأنها مسار تسير عليه حياتنا، فالماضي الطفولي هو المستقبل، وما يحمله من عناصر سلوكية تهذب الطبع، وتحاول تحديد مساره، يقول الراوي:" كان يلتهم بأنفه أي شيء على الإطلاق" وفي هذه الجملة صورة قوية لحواس ظامئة تستكشف" مدركات حاسة الشم" ليبدأ غرنوي رحلة رفض اجتماعي بدأ في مراحله الجنينية، فهو لم يحصل على أي اسم، ولم يعمد، وكان قرار تسليمه لمؤسسة كنيسة مرتبطا بوصل تسليم كأنه بضاعة من سوق حرة، لتتركه المرضعة الأولى بسبب ظمئه أيضا للحليب، وهذا يعني أنه غير قادر على أي شبع، وكأن الإشارات الدماغية المسؤولة عن الحواس لا تستطيع التوقف بحدود معينة" " لا يستحسن نقل الطفل هكذا، من مرضعة إلى أخرى، من يدري، إذا كان سينمو بحليب مرضعة أخرى كما بحليبك، وليكن بعلمك أنه قد تعود على رائحة صدرك، وعلى نبض قلبك." فغرنوي خسر ريحة الأم، وخسر روائح مرضعات تنقل بينهن، وكأن الحياة لم تمنحه رائحة الأمومة التي ينشأ عليها الطفل عادة بل سرقت منه رائحته، وكأن الرائحة هي الحب الحقيقي الذي يحتاج إليه أي طفل، لينمو نموا طبيعيا.

يقول الدكتور محمد مندور:" رغبات النفس قد تبلغ أحيانا من القوة بحيث تختلط بالواقع، فلا يستطيع صاحبها أن يميز بينه وبين الحياة."

إن رمزية رواية العطر ذات دلالات فكرية عميقة المعنى، لأنها عكست نمو الإنسان في الأحياء الفقيرة جدا مع تعدد السلوك البشري واختلافه وتأثيره على المجتمع، وعلى النفس بصورة خاصة في أسلوب تخبط مساره مع تخبط غرنوي النفسي، ولكن الراوي لم يبتعد عن الأحداث، ولا عن البطل بل تجسد وجوده فكريا في أماكن عديدة من الرواية " إذ لم يسبق له في حياته أن رأى شيئا يوازي جمال هذه الفتاة، علما أنه لم ير منها سوى ظلها من الخلف في ضوء الشمعة " وهذا أبعدنا عن غرنوي في أغلب الأحيان، لنشعر أننا مع زوسكيند في شخصية تركيبية لا تمس الواقع، إنما هي متخيل روائي بحت، بينما الرواية ذات بناء فنتازي مميز يعالج مواضيع متعددة، ويبرز مساوئ اجتماعية ذات تأثير كبير" إن تعاسة الإنسان تنتج من كونه لا يريد أن يقبع ساكنا في غرفته هناك حيث يجب أن يبقى، هكذا يقول باسكال"

إن حذفنا من رواية العطر الشخصيات والأحداث فسنجد أن ما سيتبقى مفاهيم شاملة تقريباً تربوية، نفسية، صناعية، سياسية، اجتماعية، إلخ.. فهو لم يهتم فقط ببناء عالمه الروائي من حدث وحبكة وشخصيات بل بمفاهيم متزنة تتسرب إلى ذهن القارئ بشكل تعليمي غير مباشر، حتى الإيمان بالقضاء والقدر وجهل الإنسان بمصيره وتفاصيله الحياتية، كما جرى مع بالديني" فبعد أن اقتنع بالديني بأنه سيقضي آخر أيامه في فقر مدقع في ميسينا، أصبح وهو في السبعين من عمره أشهر وأعظم عطار في أوروبا، وأغنى مواطن في باريس" كما برزت مفاهيم الكثافة السكانية، وهذا يؤكد معرفة زوسكيند بهذا العلم جيدا، فمن خلاله تم توزيع الشخصيات حسب كثافة الحدث " كانت الكثافة البشرية بالنسبة لمساحة الحركة المتاحة أكبر من أي مدينة أخرى بالعالم" فالحركة المتاحة في البناء السردي كانت تعج بالمشاهد الوصفية التي تنقل من خلالها غرنوي لأكثر من مكان، والتي سمحت في التقاط مشاهد حسية لا يمكن التقاطها سينمائيا إنما هي عين الحواس التي ترتبط بين الروائي والقارئ، وفي أزمنة تختلف رغم أن إحساسنا بالزمن هو في القرن الثامن عشر، لكن الزمن متنقل من حدث لحدث، وكأنها رواية زمن متحرك إنما كان اختباره نباتيا، أي كالحبة المريمية التي عليها أن تختار بنفسها، إما أن تنمو أو تموت، أو كحشرة القرادة القابعة على جذع شجرة، ليس لدى الحياة ما تقدمه لها سوى النجاة المتكررة من كل شتاء، ونتيجة لذلك فإن هذه القرادة الصغيرة البشعة تكور جسمها الرمادي على ذاتها، كي لا تعرض منه للعالم الخارجي سوى أضأل مساحة ممكنة"

إن العطر هو الركن الأساسي لبناء هذه الرواية، وكأن العطر في نموه ووجوده ذو أهمية إنسانية ، ليمنح العدم وجودا قويا في ذاتية ترتبط بالطفولة والشباب والكهولة وصولا لمراحل الموت النهائية، فكل مرحلة من المراحل العمرية هي هوية جديدة كتلك التي منحت غرنوي اسما هو جان باتيست، ومع ذلك اتخذ غرنوي الاسم الأقوى أو الوجود الحقيقي، إلا أن وجوده العطري غير موجود، فهو لا رائحة له، أو بالأصح لا هوية حقيقية انتمائية لحياة يعيش فيها حتى في القرآن الكريم. يقول الله تعالى:" ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون" فسيدنا يعقوب عليه السلام امتلك قدرة الشم، ولولاها ما رجع بصره حين ألقى على وجهه قميص يوسف، فهل من معجزات أسطورية بدون قاعدة سببية لها أساس وجودي مسبق؟ وما علاقة الرائحة بالشيطان والملائكة أم أن هذا مفهوم دنيوي مكتسب من خبرة حياة؟ أو أن العلم اللاهوتي محمل بالحقيقة الربانية التي لا يؤمن غرنوي بوجودها، وكأن زوسكيند هنا ينفي هويته الدينية نفيا ظالما حتى من عالمه الروائي" مستحيل! يستحيل مطلقا أن يكون رضيع مسكونا بالشيطان، هل تفوح منه رائحة كريهة؟ بل ليست له أي رائحة على الإطلاق"

صراع نفسي داخلي عاشه الروائي عن غرونوي، ليستنكر جشعا بالديني، وخوفه على غرنوي رغم قرفه من مرضه، لكنه عاد وسمح لغرنوي بمحاورة نفسية ذاتيا تاركا لنا قدرة استكشاف رائحته أو الإحساس بوجوده، لنتساءل بعدها: هل هذا فعلا كلام غرنوي؟ فهذا لا يصدر عن رجل كئيب لا يفهم الذات" لكن غرنوي العظيم كان قد تعب، وأخذ يتثاءب فقال:" ها قد أنجزت عملا عظيما، وأنا راض عنه كل الرضا، لكن كل ما هو منجز تام شعرني بالملل، لذلك سأنسحب، سامحا لنفسي في نهاية هذا النهار الزاخر بالعمل اللجوء إلى مكامن ذاتي بحثا عن بقية السعادة."

عكس الكره صورة لمرآة الذات التي تمثل الفعل وردة الفعل في تناسق عميق يركز على طبع جان باتيست، وطبائع البشر التي تؤثر عليه، فترتد أفكاره بطريقة غريبة، وكأنهم يصنعون منه عطرهم الخاص في معالجة ساخرة، وسيكولوجية متجانسة تصارعت على البقاء، فالحياة القائمة على الجشع والطمع والمصالح الخاصة تسرق القيم الشخصية بلحظات يقع فيها المرء فريسة هؤلاء" فرن التحلل والتفسخ والتردي الفكري والسياسي والديني الذي سببته البشرية لنفسها، والذي ستغرق فيه تحت بريق وزيف بعض أزهار المستنقعات من أمثال بيلسية"

Doha El Mol