الإدارة الثقافية للحوارات: مفهوم الحرية كل متكامل
ضحى عبدالرؤوف المل
تتم الإدارة العلمية المؤسساتية للحوارات الثقافية في المراكز الثقافية والجمعيات الأدبية انطلاقاً من المبادئ الأساسية التالية:
الحرية هي كل متكامل، فلا يمكن فصل مفاهيم الحرية عن بعضها البعض بالارتباط مع مجالات تطبيقها. فحرية الفكر (المفترضة نظرياً) مرتبطة تماماً بالحرية العملية (المؤكدة بتطبيقاتها في إطار المجتمع)، وفي الوقت نفسه، لا يمكن للإنسان أن يكون متحرراً في السياسة ويكون منغلقاً في الدين أو العلاقات الاجتماعية، كمثال. والأدب بالذات هو عالم منفتح بالكامل، حيث يجد فيه المبدع عالمه الحر الواسع، متخلصاً من أغلال الواقع الذي يعيشه، ومن التابوهات والمحرمات التي تحاصره فيه. المبدع اختار الأدب (رواية أو شعراً أو مسرحاً) ليعبر فيه عن حريته في نقد الواقع، والحلم بالتالي بحياة أخرى مغايرة... فلا يمكن أن يكون تناول الأدب حرية، ما لم تترافق مواضيعه بالحرية نفسها، ابتداءً من العلاقات الاجتماعية، مروراً بعوالم خبايا النفس وإرهاصاتها، ووصولاً إلى الموقف من الدين وتصورات العالم. وبالتالي، لا يمكن لجمعية ثقافية أن تقول: "نحن متحررون في المواضيع الأدبية فقط، أما بقية الموضوعات الفكرية فهي خط أحمر لا نستطيع تجاوزه." فلا انفصام بين الأدب ومواضيع الحياة بأكملها.
عندما يتم دعوة مبدع (روائي أو شاعر أو مفكر أو فنان تشكيلي...) على ندوة أو لقاء أو حوار، فإن ذلك يتم لأنه قامة ثقافية متميزة في المجتمع والأوساط الثقافية بالذات، لها إبداعاتها عبر المؤلفات المنشورة له. وإجراء لقاء معه ما هو إلا محاولة للاستزادة من معرفة رؤيته للحياة عبر حوار يضفي نوعاً من الحميمية للقاء المباشر معه. والاستماع له هو اقتراب أكثر من عوالمه، بل وكشف لها، مما لا نستطيع معرفته مباشرة عبر نصوصه. ولذلك، فإن أساس الدعوة هو الاحترام الثقافي والإنساني للمبدع، وبمجرد دعوته، فإن معناه قبول الاستماع إلى آرائه ورؤيته كضيف ثقافي، بغض النظر عن مدى قبول كل فرد بها أو رفضه لها. وبالتالي، لا يحق لنا في حوار ثقافي أن نفرض رؤيتنا الذاتية أو النرجسية في وجه الضيف، والاستعلاء عليه، وخاصة عندما تظهر بعض الأمراض الاجتماعية أمام الحضور، كحب الظهور وتخطئة الآخر من أجل التخطّي وإبراز الرأي دون الاهتمام بمن يدير الجلسة. وتزداد المصيبة أكثر، عندما يكون المتحدث مع الضيف أمياً جاهلاً بأمور الثقافة والإبداع، أو متعنتاً متكبراً لا يأبه بمن قرأ وحضر واهتم بالنظام، والأسوأ عدم اطلاعه على منشورات الضيف، وتموضعه ضمن التيارات الفكرية السائدة. فكيف في هذه الحال يمكن لجاهل أن يحاور مبدعاً؟ (أتذكر حادثة من بين كثير من الحوادث عندما تم جمع حضور سياسي من نساء أميات تم إحضارهن من أماكن الترفيه لملء قاعة مركز ثقافي بمناسبة سياسية، وكان الضيف هو مفكر سياسي ظن أن اللقاء مع كوادر فكرية سياسية نسائية، فأخذ يتحدث عن ماركس وهيجل ورؤيته للتخلف في العالم العربي ومواجهة العولمة الأمريكية، وعندما بدأ النقاش، بدأت النسوة بالسؤال عن ضرورة منحهن جنسية لأولادهن وعن الزواج المدني وشروطه، إلخ).
اللقاء مع المبدع لا يعني أن يستغل شخص واحد أو عدة أشخاص الوقت المخصص للحوار له، متجاوزين متطلبات الآخرين، لعرض أفكارهم بدلاً من التعرف على آراء الضيف. فاللقاء هو للاستزادة من آرائه، وليس من آراء الحضور، الذي قد يبلغ بعض أفراده درجة عالية من الجهل. ولذلك، تتحدد طريقة إدارة الحوار بتجميع الأسئلة كلها دفعة واحدة إما على أوراق مكتوبة، أو عبر الميكرفون، خلال فترة محددة لا تتجاوز العشر دقائق، فالأهمية تعطى للضيف ومعرفة ردوده. ويقوم الضيف ومدير الحوار بترتيب الأسئلة (فهناك أسئلة متكررة، وبعضها مهم وبعضها الآخر ثانوي)، وهنا تترك حرية الإجابة للضيف ضمن وقت محدد بما يجده مناسباً، وبما يرغب في الإجابة عليه... وبالتالي، لا يحق للحضور معارضته إذا لم يعجبهم جوابه. إذ تمت دعوة الضيف للاستماع له، لا أن نرد عليه... إذا أراد أحد الحضور الرد على رؤية للضيف، فليذهب ويكتب مقالاً وليشتم به كما يرغب.
إن مجرد دعوة الضيف، فهذا يعني احترامه، فلا يحق لإدارة الجمعية الثقافية أو المركز الثقافي أن تحدد مسبقاً ماذا على الضيف أن يتحدث وكيفية والمواضيع التي عليه أن يختارها، فهذا يتنافى مع أدب الدعوة الحضاري. وبالتالي، إذا كان للإدارة رؤية سياسية أو فكرية أو دينية معارضة للضيف، فينبغي في الأصل عدم دعوته. في مجتمع حضاري، ينبغي أن يكون أساس عمل الجمعيات الثقافية حرية التفكير وخلق عادات الحوار وقبول "الآخر"، وإلا لكان ينبغي تحويل الجمعية إلى حزب سياسي فاشي أو تنظيم ديني متعصب بدلاً من السمة الثقافية. (في مجتمع حضاري، في البداية، أستغرب كيف يحترم الناس إشارات المرور، شراء بطاقات السينما، وانتظار الموعد عند الطبيب، رغم عدم وجود رقيب. يقول أحدهم من الموجودين في بلاد غربية: في مكتبة عامة، القارئ يستطيع ببطاقته الإلكترونية أن يستعير كتاباً إلى بيته وحده، ويرده في الوقت المناسب، حتى ظننت للوهلة الأولى أنه لا يوجد موظفون.... هي مظاهر للتعبير عن الحضارة. وهذا المجتمع الحضاري هو الذي يقبل أفراده "الآخر" ويحاوره، ويحكم بين الأفراد القوانين وصناديق الاقتراع، لا العنف الإسلامي أو العسكري).
الأفراد القياديون في مجتمعاتنا، ولا يستثنى منهم المسؤولون عن الجمعيات الثقافية، هم أناس متحررون في كل شيء إلا في الأمور السياسية والدينية، وخاصة الفكر الحر والطروحات واستثمارها، ولو اختلفنا معهم. فالمشرفون على الجمعيات الثقافية ينبغي أن يعرفوا أن الأدب هو الحياة بأكملها، وبالتالي يمكن أن يعكس جميع مجالاتها، وبخاصة الممنوعات والمحرمات الجنسية، أو إن أردت استبدالها بالموروثات السلوكية الشاذة. وفي الحقيقة، لا يوجد أي محرمات أو ممنوعات شاذة في حياة الأفراد، فهم يمارسونها في السر، أو في أحلام اليقظة، بينما يتخذون مظاهر الوقار الديني والأخلاقي في الحياة العامة واليومية. الحب، أو الممنوعات المحرمة، أو الميل نحو الآخر، بعضها أساس حياتنا منذ مراهقتنا حتى لو أصبحنا عجائز، هو متنفس للطبيعي وغير الطبيعي لنا. لكن في مجتمع شرقي مكبوت ومعقد، يتحول الجنس إلى مرض وشذوذ، ومظاهر الوقار تصبح مرضاً وشذوذاً... لا يمكن فهم روايات الأمريكي هنري ميللر دون فهم الجنس، فهو كاتب يريد تحطيم أسس المجتمع الرأسمالي ليس فقط اقتصادياً، وإنما أيضاً عبر تفكيك لغته الأرستقراطية. ومن هنا، يمكن فهم استخدامه للغة الإباحية للشارع التي يستعملها الناس بشكل طبيعي، كمحاولة لكسر اللغة الأرستقراطية. كما لا يمكن فهم جوهر السادية السياسية في "الغرانيق" مثلاً دون فهم السياسة الجنسية... وأصلاً كلمة "سادية" تعود في أصولها إلى الجانب الجنسي المريض فينا.
عندما يتم دعوة محاور، ينبغي لمن يدير الحوار أن يكون من مستوى إبداعه. الروائي هو الأقدر على محاورة روائي أو شاعر أو مسرحي، وبالتالي، فإن مدير الحوار هو شخصية اعتبارية مهمة لها وزن أدبي، وبالتأكيد قد قرأ كتبه. وهو له بالتالي حرية القرار في دعوة الضيوف وكيفية إدارة الحوار... تكريم الضيف يكون بإيجاد مبدع نِد له يتفهم إدارة إبداعه. ولذلك، فإن مدير الندوة أو الحوار ليس موظفاً، يقوم بترتيب الطاولة قبل الحوار وإغلاق المركز بعد الانتهاء منه، بل هو ضيف أيضاً... ومدير الحوار شخصية لها حريتها في الاختيار والتعليق واتخاذ القرار بعد تفويض كلي له، ولا يجوز التدخل بالتفاصيل التي يعمل بها... إذا كانت إدارة النادي لا تقبل حرية المحاور، فهذه مشكلتها، لكن هذا هو شرط نجاح النشاطات الثقافية حضارياً.
المواقف المتشنجة في علاقات إدارة الحوارات، عامة وضمن أي محور أدبي وإنساني وأخلاقي، على حياد مما نحن فيه، ولا يمكن إلا التبرؤ ممن ينزلون إلى درك التغاضن والتقاتل الفردي تعبيراً عن آراء ربما جلها غير مستوفٍ الشروط المنطقية. غير موف بالحل، وغير مهني، ولا ثقافي، ولا ينتمي للأدب ومحاوره، وثقافة العقل التي نسعى لتنميتها. فالأدب غير انتقائي، ونحن مع العمومية في حرية اختيار القراءات التي تتناسب مع التطلعات والإمكانات، ولكن ضمن الرؤية والاختصاص وتوجهات الجهة الثقافية. فلا يمكن مناقشة مبادئ عامة دون مناقشة المبادئ الخاصة، ولنعد دائماً إلى رشد المثقف المدرك لمسؤولياته الأخلاقية والإنسانية معاً.