الفكرة البارزة في طيات كثافة الألوان وشدة غموض الحركة

ضحى عبدالرؤوف المل

تمثل طبقات الألوان في أعمال الفنانة "سميرة قدوح" (Samira Kadouh) بضبابيتها الداكنة فلسفة تجريدية تميل إلى التنوع في الرؤية الفنية القائمة على فهم الأمكنة والوجوه، تاركةً للضوء طمس زمنية اللوحة. لتبقى مفتوحة على عدة تأويلات وتحليلات هي جزء من أسلوب يتيه فيه البصر، محاولاً استكشاف أبعاد الخطوط والمعاني. إذ تعتمد على التواصل مع اللون بأبسط التدرجات المترجمة لأحاسيسها الداخلية، وبشفافية شاعرية ذات تجريد تتحدى بها المساحات المفتوحة في اللوحة للتعبير عن قناعات فنية تشكيلية، هي مفردة شاعرية تسترسل معها الريشة، كما يسترسل القلم مع الكلمات، لتوحي بمخيلة تتناغم مع حيثيات الخطوط اللونية واتجاهاتها المتناغمة ومع الفكرة الإيحائية التي تطلقها تشكيلياً بحس فني هو تجريد يعتمد تناقض الحركة بين الألوان شدتها وخفوتها.

ما بين تشابه وتناغم وتباين خطوط لونية منخفضة، نكتشف قيمة التخيلات الفنية، لألوان باهتة وألوان زاهية بتدرجات بطيئة نحو الضوء. فالتكنيك في حركة الريشة يستحضر نغمات الألوان التي لا صوت لها والهادئة، وبتوازن ذاتي كأن علاقة اللوحة بموسيقى الضوء هي جزء من الفكرة البارزة في طيات كثافة الألوان، وشدة غموض الحركة غير القابلة على التعقيد أو على التوغل بين لجج الألوان التي تتثافل بين زوايا وزوايا أخرى. وهذا يعتبر نوعاً من كسر التناغم القلق والثنائي بين ضوء وعتمة، وداكن وفاتح وما إلى ذلك.

توصيف تجريدي حسي للمتناقضات الباردة والحارة والداكنة والفاتحة، ما يجعلها تضج بالحيوية الحركية بين اختلافات نسب التدرجات التي تتلاعب بها، مما يخلق تموجات تتسم بالاتساع بين العناصر الفنية التي توزعها في اللوحة، كقوافي مختومة بفواصل جزئية تبتكرها، كنوع من التمرد المبطن على الشكل الذي يولد تلقائياً مع الألوان، وقدرة تشكيل الكثافة والسماكة لاستخراج الأصوات الداخلية للون بصرياً. وكأن موسيقى اللون هي موسيقى بصرية خاصة تميل إلى خلق تنوعات لانهائية في الوحدات المتناغمة والمتناقضة، مع المحافظة في الوقت نفسه على الأطر التشكيلية التجريدية التي تحاور بعضها البعض عبر الأسس الفنية، بحس شاعري تناغمت معه الريشة بضرباتها الإيقاعية وألوانها المختلفة تجريدياً. لإضافة لمسة تأملية باردة من خلال الإمساك بعناصر التكوين ومحاورتها وفق انطباعات الرائي.

انفراجات لألوان مثقلة بدلالات إيحائية، وضعت الريشة أمام معالجات فنية أنبثق عنها فلسفات تشكيلية محسوسة تتناسب مع الرؤية التجريدية، وتعبيرات تمسكت بها الفنانة "سميرة قدوح" بمفهوم لم تتحرر منه، ولم تتقيد به بمعنى أن الريشة انغمست بالانسياب الناتج عن تمازج لجة الألوان. لاعتبارات تؤكد على الحس الجوهري للأشكال الإيحائية التي يضعنا التجريد أمامها، لإخضاع العناصر الفنية إلى التآلف بينها وتطويع الألوان لترجمة الأحاسيس ضمن رؤية تثري الخيال للولوج إلى مفاهيم التجريد في لوحات الفنانة "سميرة قدوح" ومفاهيمها التقليدية التي تمثل التقيد بمتغيرات العمل الفني وتشذيبه أو صقله بمفاهيم مستحدثة، وإن من خلال الألوان وتثاقلها الحركي.

محاكاة ولا محاكاة وتذبذب بين التجريد والتعبير نوعاً ما، ضمن الصراعات الداخلية للخطوط، لتحديد بعض المقاييس إن صح التعبير. إلا أن التنوعات الضوئية في كل لوحة ملتزمة بنسب تدرجات الألوان، كرد فعل لأشياء حسية تطرأ على الحس التخيلي عند تأمل اللوحة التي خرجت من الالتزام الصارم من شفافية التجريد، لإتمام خطوات الريشة وإبراز سمات ما تترجمه من خروج عن الشكل الواقعي إلى الإيحاءات، وإن وضعتنا الفنانة "سميرة قدوح" أمام انعكاسات الواقع في لوحاتها التجريدية وعناصرها المتداخلة بشكل خاص.

برؤية أخرى تتسم أعمال سميرة قدوح بقدرتها على خلق تجارب بصرية عميقة تُشعر المتلقي بتباين المشاعر والانفعالات. تتداخل الألوان بشكل فني يثير الدهشة، حيث تتوزع الألوان الداكنة والفاتحة لتخلق تجارب بصرية مثيرة تدعو للتأمل والتفكر. إن كثافة الألوان وضبابيتها تنقل شعوراً بالعمق والغموض، مما يدفع المشاهد للتفاعل مع اللوحة على مستويات متعددة.

تعكس أعمال قدوح استجابة فنية للأمكنة والوجوه، حيث تعبر عن تجربة إنسانية شاملة. تتناول مواضيع مثل الذاكرة، الهوية، والعزلة، مما يضفي بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود التجريد. هذا الارتباط بالواقع يعزز من قيمة اللوحة كوسيلة للتعبير عن مشاعر معقدة، دون الوقوع في فخ الواقعية التقليدية.

تتحدث الألوان والتجريد في أعمال سميرة عن صراعات داخلية ومشاعر دفينة. يتمكن المتلقي من استكشاف أعماق نفسه من خلال تفاعلهم مع الألوان المتضاربة والتدرجات العاطفية. إن الحركة والغموض في الألوان تعكس حالة نفسية مركبة، مما يثير مشاعر القلق أو السكون، بحسب تجربة كل مشاهد.

تمثل التقنية المستخدمة في الأعمال تجسيدًا لتفاعل الفنانة مع العناصر البصرية، حيث تلعب الحركة والتوازن دورًا محوريًا. إن تباين الألوان ومزجها بطريقة فريدة يعكس قدرة قدوح على استخدام الألوان كوسيلة تعبير، مما يجعل كل لوحة ليست مجرد عمل فني، بل تجربة جمالية متكاملة. إن الشكل التجريدي الذي تتبعه يبرز جماليات الوجود الفني بحد ذاته.

تمتلك أعمال سميرة قدوح طابعًا تعبيريًا قويًا، حيث تترجم الأحاسيس إلى أشكال وألوان، مما يجعل المشاهد يشعر بعمق المعاني الكامنة خلف كل ضربة ريشة. إن استخدام الضوء والظل بشكل غير تقليدي يضيف عمقًا للتعبير، مما يجعل اللوحات تتحدث بلغة حسية تنفذ إلى أعماق الروح.

من منظور فلسفي، تُعتبر أعمال قدوح تجسيدًا لفكرة الجمال الكامن في الفوضى، حيث تعبر عن صراعات التوازن بين الضوء والظل، الواقع والخيال. إن التجريد لا يُعتبر فقط أسلوبًا، بل هو فلسفة تعكس حالة الوجود الإنساني وتفاعله مع البيئة المحيطة. تتجاوز اللوحات الفهم السطحي، لتفتح أفقًا واسعًا للتأمل في معاني الحياة والوجود.

تقدم الرؤى البصرية في أعمال سميرة تجربة حسية متعددة الأبعاد، حيث تُجسد الألوان والأشكال معاني عميقة تتجاوز الشكل المرئي. إن التوازن بين العناصر والخطوط يُعزز من الحوار البصري داخل اللوحة، مما يجعل المشاهد ينغمس في عالم من الخيال والتجريب.

باختصار، تُمثل أعمال سميرة قدوح توازنًا رائعًا بين الفن والعاطفة، حيث تُثير في النفس تأملات متعددة حول الهوية والوجود. إن أسلوبها التجريدي، المدعوم بجمالية بصرية قوية، يُعزز من قيمة التجربة الفنية، ويجعل منها نافذة لاستكشاف عوالم داخلية وخارجية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%82%D8%AF%D9%88%D8%AD-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%88%D8%B9/