الواقع العربي ومؤثراته على ريشة "سيروان باران" بشكل خاص
ضحى عبد الرؤوف المل
تتدفق التساؤلات من لوحات الفنان "سيروان باران" (Serwan Baran) عبر تحريض نفسي تثيره الأشكال المرسومة بفلسفة وحشية مدارها البشرية بأكملها، وعبر اكتشافات المدارك الحسية في فن تميز بعلامات استفهام مشحونة بتعبير عن مخاوف الإنسانية بين الوجود واللا وجود، والصراعات القائمة على المادة. لهذا نجد في لوحاته الكثير من التفاصيل عن الكتلة البشرية تحديدًا، والإنسانية في تفاصيل أخرى منها القبح والبشاعة، والوحشية مقتفيًا الأثر الناتج عن الحروب بشكل عام، أو حتى تلك الصراعات التي تنتج عنها ضحايا إنسانية موشومة بمدرسة فنية وحشية، وإن خرج عنها قليلاً أو التزم بها كثيرًا. إلا أنه يكشف عن الوجه الآخر للفن، وهو اختزال الهموم الحياتية في لوحة تترجم ماهية الكائنات القابعة في أجساد مادية. ليبقي على روحية اللون وجماليته، ليعكس مفارقات الكائنات بين الداخل والخارج، أو بين المحسوس والملموس، وبشكل أفضل بين كل ما يستعصي على الوصف البصري. أو كل ما من شأنه أن يدفع بالمعنى الفني الوحشي نحو الإحساس غير المقبول بالمتناقضات المثيرة للمخاوف، ودلالاتها القوية بالمأساة التي تقع إثر صراعات تطيح بجمالية الوجود، وتضعنا بشكل مباشر أمام حيوانية أو غرائزية أو بشرية تطورت من بداية الخلق حتى الآن. إلا أنها ما زالت بحاجة للإنسانية والخروج عن بشرية ذات وحشية عرفها الإنسان منذ بداية الخلق، أو إنسان الكهوف، كضرب من الرغبة في البقاء دون اختلاطات في المفاهيم الجمالية للفن الذي يضعه "سيروان باران" في مساحات تضاعف الإحساس بالتآلف من هموم الإنسانية، وصراعاتها اللامتناهية التي تتبلور وتتجدد، وتبقى كلوحات فنية تعاصر فظاظة الشرور، وما ينتج عنها من مشاهد تتجمد لها المضامين التي تنتفض مع الألوان، وتثري الخطوط بامتدادات واقعية تعبيرية يحاكي بها الانتفاضة على الوحشية، أو بمعنى آخر الواقع العربي ومؤثراته على ريشة "سيروان باران" بشكل خاص، وبما أنه ابن العراق.
تصادم، تناحر، تضارب، تلاقي، تلاشي، تلاحم، التقاء أو انفصال! كلها مفردات لاشتقاقات ضبابية تتضح من خلالها ذئبية الحياة، وما ينتج عنها من بشاعة أو جمال، أو من أحداث لولادات بعد مخاضات في لوحات تشكل كل منها الحياة بوجه مختلف، والفلسفة الفنية ذات الصخب الهادف إلى خلق رؤية هي انتقاد للإنسانية التي تجعل من القبيح جميلاً أو بالعكس. ضمن مزيج من ميول فنية وإنسانية أو مؤثرات مختلفة تشير إلى تماسك محكم في المفاهيم التشكيلية التي ينطلق منها "سيروان باران" إنسانياً، وبصياغة قوية لأفكار تنسجم مع الألوان عبر المخاوف البارزة في تفاصيل لوحاته وعناصرها الجمالية، القابلة لخلق معايير ذاتية هي بصمة خاصة ذات صلة بالعراق والعالم، وبتبسيط لواقع في لوحة هي توسيع لحدود الرؤية الضيقة، وفتحها على عدة اتجاهات. لتكون بمثابة البؤرة الواقعية لحركة رفضت الأشكال التقليدية وانتفضت على الفن، وإن خرجت منه دون فوضوية ربما تقاربت معها.
يدمج "سيروان باران" الحياة باللوحة، ويمنحها الوجود الذاتي والموضوعي متنقلاً بين العناصر بثقة، وإدراك لحيثية ما يرسمه أو ما يستبطنه من حركة درامية هي إدراك حسي للحدث أو للخوف وتحولاته عبر الألوان نفسياً، وبعلامات تشكيلية تلتقي ضمن نقطة واحدة، كازدواجية أو ثنائية تتحطم عندها المفاهيم التعبيرية للأشكال التقليدية، كتمثيل للوعي الذاتي الذي ينطلق منها "سيروان باران" إن باللون أو الحركة أو الشكل أو الكتلة أو التشظيات، وحتى مفهوم الحياة بشكل متناظر أو تأثيرات الإنسان على الوجود، وبالعكس دون تصنيف، وإنما بتوزيع منطقي تميز بالقلق أو الشعور بالخوف أو بالتدثر بالبقاء الوحشي بعد الحروب التي يخوضها الإنسان، ويخرج منها كالألوان الممزقة أو بانهيارات وعدم استقرار عاطفي أو بتهميش لدور الإنسان الفعال بين الجماعة التي خرج منها منهكًا بعد أن امتزج مع الألوان كلها، وحافظ على وجوده الإنساني بالالتحام مع الكتلة التي تتميز بها أعمال "سيروان باران" بشكل عام.
تكتنف لوحات الفنان "سيروان باران" نزعة شعورية ترمز إلى المفعول الروحي بالرسم، والقدرة على استخراج المكنون الفني من الذات نحو عالم اللاشعور أو الحقيقة المتقاربة مع توجهات الإنسانية. لإظهار المعاني الجمالية التي تتعلق برسالات الفن التشكيلي وفلسفاته الإنسانية والوجودية معًا، أو بالأحرى الروافد المتعلقة بتموجات الذهن وهواجسه من الوقائع أو المشاهد الحية التي يلقاها كصدمات نفسية تؤثر على انطباعاته في الأدب والجمال والفن، وضمن عالم اللوحة المسبوكة باكتشافات بصرية تشريحية، لفهم كيفية تجسيد الرؤية الحسية وتحويلها إلى قواعد فنية ذات منظور نتعامل معها بدمج ذي جذور بصرية تحليلية تتبع الثقافة التي يتحلى بها الفنان، ليعالج لوحته بثراء فكري فني بصري يتصل بالإنسان والإنسانية وهمومه في الحياة، وكل ما يثيره في محيط يؤثر ويتأثر فيه. فهل اللوحة في أعمال "سيروان باران" هي حقيقة العالم الذي نعيش فيه؟
برؤية أخرى تحديثية تتجلى في أعمال "سيروان باران" نزعة نفسية عميقة تعكس تجارب إنسانية معقدة. فنون باران ليست مجرد تجسيد للأشكال، بل هي مرآة تعكس الهموم والخوف والألم، مما يعكس التأثيرات النفسية التي يواجهها الفرد في سياق الواقع العربي. تلك التأثيرات تتجلى في الألوان القاتمة والظلال التي تبرز الانكسارات الداخلية والصراعات النفسية، مما يُحاكي تجربة المشاهد ويثير لديه إحساسًا بالتعاطف.
الفن عند باران هو وسيلة للتعبير عن صراعات الوجود. تكمن جمالية لوحاته في استخدامها للألوان والخطوط، حيث تتداخل الألوان بطريقة تعكس فوضى الحياة. التباين بين الأشكال والانسيابية في الخطوط ينم عن صراع داخلي بين الجمال والقبح، مما يمنح المشاهد فرصة للتفاعل مع العمل الفني بشكل أعمق.
تتميز أعمال "سيروان باران" بجماليات قاسية، تطرح تساؤلات حول المعايير الجمالية التقليدية. فالجمال هنا ليس دائمًا مريحًا، بل هو يحمل في طياته معاني عميقة عن الألم والوجود. التكوينات المتداخلة والتفاصيل الغنية تضفي بعدًا حيويًا على الأعمال، مما يجعل كل لوحة تمثل تجربة إنسانية فريدة.
تعد التعبيرية من العناصر الأساسية في أعمال باران. فكل لوحة ليست مجرد صورة، بل هي تعبير عن حالة شعورية. الحركات الديناميكية والألوان الجريئة تعكس شغف الفنان ورغبته في نقل تجاربه ومشاعره. هنا، يتجاوز العمل الفني حدود الشكل ليصبح وسيلة للتواصل بين الفنان والمشاهد، مما يولد شعورًا بالانتماء والعمق.
من منظور فلسفي، يمكن اعتبار أعمال "سيروان باران" تأملًا في الوجود الإنساني. تعكس اللوحات صراعات الإنسان مع ذاته ومع العالم من حوله، مما يطرح أسئلة وجودية عميقة. الأشكال التي تنبض بالحياة تنقل لنا فكرة عن هشاشة الوجود، وكيف أن كل إنسان يواجه تحدياته الخاصة، ما يعكس التناقضات الفطرية في النفس البشرية.
الرؤية البصرية في أعمال باران تمثل توازنًا بين الفوضى والتنظيم. الألوان المتعارضة والخطوط المتشابكة تعكس تعقيدات الحياة العربية، حيث تتداخل العواطف والانتماءات والذاكرة. من خلال استخدام الأسلوب التعبيري، ينجح باران في تصوير مشاعر القلق والاضطراب بشكل بصري ملموس، مما يمنح المشاهد فرصة للتفكير والتأمل.
بشكل عام، تعتبر أعمال "سيروان باران" تجربة فنية غنية ومتعددة الأبعاد، تجمع بين الجمال والعمق النفسي. من خلال تحليلها من منظور نقدي فلسفي، نستطيع أن نرى كيف تنعكس القضايا الإنسانية والوجودية في كل تفصيل، مما يجعلها تمثل رؤية فريدة من نوعها عن الواقع العربي وما يحمله من تحديات وآمال.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D9%85%D8%A4%D8%AB%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%87/