معالجة الأحداث الحرجة في الحروب بالفن التشكيلي
ضحى عبدالرؤوف المل
يعتمد الفنان سيروان باران (SERWAN BARAN) على معالجة الأحداث الحرجة في الحروب بالفن التشكيلي الدرامي، في توجهاته لإظهار المآسي الناتجة عن ذلك بالترميز، وبالقدرة على منح الألوان التعتيم المناسب في الأماكن البصرية، للتأثير الحسي ومنح الأضداد قيمة فنية تعتمد على الجمالية الرومانسية القابلة للهشاشة في زمن الحروب التي يؤرشفها باران في لوحاته، ومفارقاتها البصرية من حيث الألوان وتناقضها، والتفاصيل ومآساتها، مع اللعب على الخطوط اللونية واتجاهاتها للتأثير على الحركة الضوئية وحفظ الظل المؤثر في منح اللوحة ميزة أوجاع البشرية من الحروب ومؤثراتها، وخضوع الإنسان لآثارها ونتائجها، وما تفرضه عليه اللحظة التي يرسمها بتأنٍ، مستمداً من الذاكرة التفاصيل الملحمية الطويلة زمنياً بترميز قائم على شكل الوجوه والأجساد، وبانسياب ممزوج بالأحاسيس، وكأن شخوصه هي من حضارات قديمة نشأت على الاقتتال والحروب وما زالت تستمر حتى الآن.
فهل التراجيديا في لوحات سيروان باران هي رسالة يبحث من خلالها عن حقوق الإنسان؟ أم أن الفنان يرسم ما في ذاكرته عن حروب عاشها وما زالت تفاصيلها تتراءى من خلال رسوماته؟
لعل أجمل ما في ريشة سيروان باران هو ارتباطها بالألوان القادرة على منح الحس مؤثرات المشهد، واستحضارها للحظات غائبة عن الذاكرة الإنسانية وعلاقتها الوثيقة بالفن، وبفلسفة تلامس اللاوعي وتدفع بالوعي نحو البحث عن الحلول. وبما أن المأساة في أعماله ليست خارج الفن الجمالي الذي يفرضه كمفهوم صارم في إظهار الواقع المأساوي للإنسان على مر الزمان دون التوقف أمام حقيقة واحدة، بل أمام حقائق متعددة ومختلفة وفق استعارات متعددة تقنياً من اللون إلى الظل إلى المتناقضات والأضداد، مستنكراً بذلك الكثير من مراحل الحروب الأسطورية والملحمية والبعيدة عن متخيل أي إنسان، مما يضع لوحاته في خانة حقوق الإنسان.
فهل يحاول إعادة تشكيل البشرية بعيداً عن مأساة العصر الحديث، أم إنه يدمج كل ذلك في عقدة تاريخية يسلط الضوء من خلالها على أبرز صور الانتهاكات الإنسانية وقدوتها في فرض وقف هذه الحروب المثيرة للدهشة والمشحونة بالأوجاع؟ وإن كان ضمن الفن التشكيلي الذي يفترض أنه جمالياً بعيداً عن لغة الحروب، ولكنه في لوحات باران يسمو نحو الرسائل المطالبة بحقوق الإنسان في الابتعاد عن التلوثات الحسية المؤدية إلى فرض الكثير من المآسي البشرية في الكون. فهل لوحاته هي ذاكرة إنسانية؟
تثير لوحات باران إشكالية جدلية حول الحروب ونتائجها، والإنسانية وتمزقها، والجمال الخارج من المأساة نفسها المشبعة بالألوان الحياتية واستمراريتها في مجابهة معضلات الحروب. وعبر لوحات بمقاسات كبيرة هي للتأكيد على مساحة الذاكرة الكبيرة، وأوجاعها حيث يستنبش منها رسوماته الغارقة بالدراما التي تلامس في شكسبيريتها العنف القاتل، والذل المهين للإنسان في الحروب مع الاحتفاظ بالبعد الفلسفي لجمالية هذه اللوحات التي تثير القلق، وتثير الكثير من التساؤلات حول مصير الإنسانية الخاضعة للتمزق والظلم والاستبداد.
وبعيداً عن مفهوم الجمال الذي لم يخرج عنه فنياً من حيث الأسلوب والتفسيرات المنطقية للتعتيم والضوء والكائنات المثيرة بحد ذاتها، وهكذا هو يضع المتلقي أمام لوحاته في محاكاة لا تنتهي تعيدنا إلى فن المأساة والتراجيديا، وجمالية المتخيل من واقع مأساوي مترجم بريشة ولون وتفاصيل مضمونها الإنسان وأهميته في الحياة بمكاشفات بصرية متلبسة أحياناً بحزن قوي يكتسب الحس منها قوة المشاعر المتجذرة في اللوحة التي نستطيع من خلالها فهم معنى السلام.
برؤية أخرى تحديثية تتناول أعمال سيروان باران موضوعات الحرب والمعاناة الإنسانية من خلال تعبير بصري مكثف. يعتمد باران على استخدام الرموز والألوان للتعبير عن المآسي التي يعيشها الإنسان في أوقات النزاع. يظهر التوتر بين الألوان المتناقضة، مما يعكس الصراعات الداخلية والتجارب المؤلمة. هذه الازدواجية تعكس كيف يمكن للجمال أن ينبثق من الألم، مما يفتح المجال لتأملات فلسفية حول طبيعة الإنسان.
تشير اللوحات إلى الصراعات النفسية التي يواجهها الأفراد في زمن الحرب. تعكس الألوان القاتمة والأشكال المتداخلة مشاعر الحزن والخوف، بينما قد تعبر الألوان الزاهية عن الأمل أو الذاكرة الجميلة. هذا التناقض النفسي يبرز الصراع بين الرغبة في الهروب من الواقع القاسي والاحتفاظ بالذاكرة المأساوية. يمكن تفسير هذه الأعمال كوسيلة للتعبير عن مشاعر الاغتراب والقلق، مما يعكس حالة الإنسانية المعاصرة.
يعتمد باران على تقنيات الرسم التي تسمح له بالتلاعب بالضوء والظل بشكل فعال. إن استخدام الخطوط الديناميكية والألوان المتداخلة يخلق إحساسًا بالحركة والدراما، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من المشهد. هذا الاستخدام الجمالي للألوان والخطوط يعكس فلسفة باران الفنية، التي تسعى إلى إيجاد توازن بين الجمال والمعاناة.
تطرح أعمال باران تساؤلات حول الوجود الإنساني وأخلاقيات الحروب. من خلال تصوير الفوضى التي تخلفها النزاعات، يسعى الفنان إلى دعوة المتلقي للتأمل في القضايا الإنسانية الأعمق مثل حقوق الإنسان والسلام. يشكل هذا التوجه جزءًا من فلسفة الفن كوسيلة للتغيير الاجتماعي، حيث يتحول العمل الفني إلى منصة للتعبير عن الظلم والمآسي.
تخلق اللوحات تجربة بصرية غامرة، حيث تدعو المشاهد للتفاعل مع العمل على مستوى أعمق. يمكن أن يشعر المرء بالقلق والارتباك عند النظر إلى الأشكال والألوان، مما يفرض على المتلقي أن يعيد التفكير في مفهوم الجمال وكيف يمكن أن يتواجد مع الألم. إن هذا التفاعل الحسي يفتح المجال للتأمل في تجربة الحرب وتأثيرها على الروح الإنسانية.
يمكن اعتبار أعمال سيروان باران تجسيدًا لروح العصر الحديث، حيث يمتزج الألم بالجمال. تتجاوز اللوحات حدود الفن التقليدي لتصبح دعوة للتفكير والتأمل في المعاناة الإنسانية. من خلال تحليلها من منظور انطباعي موضوعي ونفسي، نجد أنها ليست مجرد أعمال فنية، بل هي رسائل تحمل في طياتها عمق الفلسفة الإنسانية وتعكس التحديات التي يواجهها العالم اليوم.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D9%85%D8%A4%D8%AB%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%87/