قريبا يصدر كتابها «المقامات العربية» - المطرب د.غادة شبيرلمرايا : الموسيقى العربية بها إيقاعات لا تحصى ولا تعد

حاورتها - ضحى عبد الرؤوف المل

تمتلك المطربة والفنانة الدكتورة «غادة شبير» مفاتيح البنية اللحنية للمقامات التي اهتمت بها، وانشغلت في البحث والتمحيص عنها، خاصةً أنها ملكت النغمة المصقولة أيضًا بخامة صوت لها حركاتها وسكناتها التي يتوقف عليها البناء الموسيقي أثناء التحكم في اختيارات المقامات لقصيدة اختبرت قدراتها وتفعيلاتها. تخرجت من جامعة الكسليك، وحصلت على درجة الماجستير في العلوم الموسيقية، ودبلوم في الغناء الشرقي. مع الدكتورة غادة شبير أجريت هذا الحوار.

- ما بين التناغم والشكل الكلاسيكي، ما الفروقات التي تجمع الكلمة والنغمة باللحن، وهل من لحن ثابت أو متحرك؟

الكلمة هي منغّمة قبل البدء بتلحينها، أي عندما نقوم بفن الإلقاء للكلمة، فن الإلقاء بحد ذاته فيه نوع من التنغيم، أي الغناء التنغيمي أو الغناء بدرجة واحدة أو التسميع بدرجة واحدة، وهو ما نسميه الغناء التسميعي. عند اعتماد درجة واحدة يمكن التصرف بالجوار الخاص بها، فيمكن الدخول فيها أو الخروج منها حسب تعبير الكلمة الموجودة. لهذا، عند الصعود أو النزول في درجات الكلمة التي نستخدمها، نسمح لأنفسنا فيما بعد بالتلحين والصعود أو النزول على مقام بحسب ما تسمح الكلمة.

عندما نقول ذلك، يعني هناك عنصران، والعنصر الأول هو التعبيري، والعنصر الثاني وهو الفكري أو اللفظي، أي هل تتحمل هذه الكلمة المد، أو هل فيها من حروف العلة، أو إلى أي مدى أستطيع المد فيها وكم أستطيع التنغيم فيها؟ لهذا هناك عدة عناصر كي نستطيع تلحين الكلمة، طبعًا لنأخذ المعنى إن كان حزينًا أو وطنيًا، فحسب المعنى يمكننا التصرف باللحن أو أن يكون اللحن جامدًا، أي فيه نوع من الجدية أو لحن يسمح بإظهار العاطفة والتطريب والحب وما هنالك. وما أريد قوله أنه في القرن العشرين تم الاشتغال على الفكر التعبيري للكلمة.

أما موضوع النغمة، فنتركها لرؤية الملحن وما يراه في النغمة، والنغمة لا ترتبط بالكلمة. مثل الأستاذ الكبير عبد الوهاب و«ظلموه» لعبد الحليم حافظ على مقام حزين وصعب جدًا، فقط فيه الصبا والعراق، وهذا مقام ثقيل وصعب، والأخوان رحباني ومقام الحجاز في أغنية «شتي يا دني»، ومقام الحجاز بالنسبة للأمور الدينية هو حزين. لهذا لا علاقة لذلك بالمقام، إنما بطريقة التأليف وطريقة العمل على النغمة.

- الشكل الكلاسيكي للقصيدة ثابت، كيف يمكن وضعها ضمن التآزر الموسيقي والحداثة الموسيقية؟

القصيدة البدائية لحد ألف ومائة سنة كانت غالبًا على بحر واحد من أولها لآخرها وعلى قافية واحدة، وبعد المزج بين العرب والإسبان وبعد الفتح الإسلامي اندمجت بلاد الزركش مع الإسلام وظهر نمط جديد هو الموشحات، ومن ثم ظهرت الأشكال الغنائية المختلفة.

نحن اليوم أمام القصيدة التفعيلية والقصيدة الزجلية والقصيدة العامية وقصيدة النثر، لهذا سمحوا لأنفسهم أن يخضعوا شكل القصيدة لشكل الأغنية ولشكل الطقطوقة لتأخذ طابع الأغنية، ويصبح لها لازمة غنائية أو مقدمة غنائية ومقدمات موسيقية، وأصبحت متبلورة أكثر بالشكل الموسيقي وغناء الكورس، وأدخلوا عليها المواويل وأدخلوا لها تقاسيم، وأصبح الحكم على القصيدة تبعًا للشكل الموسيقي الذي أعطاها هويتها.

لهذا قمت بتلحين قصيدتين لحنتهما على شكل القصيدة القديمة، وسمحت لنفسي بإعادة اللزمات الموسيقية كي يستطيع المستمع حفظ أشياء منها، لأنه من غير المعقول أن تكون قصيدة مؤلفة من عشرين بيتًا لا تتكرر فيها الجملة اللحنية ليشعر المستمع بالحنين. لهذا نحن لا نتبع القصيدة على الشكل القديم لحنًا، بل يتم تلحينها على شكل جديد خاضع لشكل الأغنية الجديدة. أما التجديد بالشكل الكلاسيكي، فهو من ناحية التوزيع الموسيقي والتسجيل والمؤثرات الصوتية ليخلقوا لها فكرة جديدة لتقبلها الناس.

- د. غادة شبير والاهتمام بالموسيقى والشعر أو بالأحرى القصيدة أو مجموعة المفردات النغمية، ما رأيك؟

الكلمة بحد ذاتها هي إيقاع، مثلًا «يا جارة الوادي»، ودائمًا هناك الإيقاع القوي والإيقاع الضعيف بالكلمة الواحدة. عندما نقول التفعيلات الخليلية، مثل مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، هي إيقاع. هذا الموضوع شرحه الكندي والفارابي وابن سينا بشكل علمي على الإيقاعات من خلال تفعيلة الشعر، أي من التفعيلة نأخذ وزن الكلمة أو التفعيلة، ومن خلال طريقة التلحين والإيقاع حسب الضغط الخفيف أو القوي بالكلمة. كل هذه الأشياء لها تسميات مثل الخفيف والهزج وسواها، ليشرحوا لنا كيف أخذوا هذه الإيقاعات من تفعيلات الشعر، يعني تفعيلة الكلمة من الشعر، وهذا يختلف لأن الموسيقى لوحدها دون تفعيلة لا علاقة لها بالتفعيلة، لأنها تتحدث عن شيء تعبيري باللحن. ويأتي اللحن عبر فكرة لحنية موصولة، ولا تأتي مقطعة بساكن ومتحرك ساكن ومتحرك كما هو موجود بالإيقاع. وعلى هذا الأساس تندمج الكلمة مع التفعيلة ويندمج الإيقاع مع هذه الأشياء ويصبحوا واحدًا.

لهذا، عند الغناء إن خرجنا من الإيقاع نخرج من التفعيلة، نشعر أن هناك خطأ ما قد حدث لأننا نكون قد خرجنا من وزن الكلمة. المد في الإلقاء يساعد بالتلحين على الكلمة لنختصر الفكرة. هي أساسًا كلمة ومن الكلمة تأتي التفعيلة ومن هذه البحور والتفعيلة تأتي الإيقاعات المؤلفة من ساكن ومتحرك. لهذا نحن في الموسيقى العربية لدينا كم من الإيقاعات التي لا تحصى ولا تعد، وهذا يحتاج لشمولية بالمعرفة.

- ما هي المعايير الفنية التي تلتزم بها الفنانة غادة شبير؟

من ناحية مستوى العمل، أنا أبحث وأكتب وألحن وأوزع للفرقة ومن ثم أغني. وهذا يشعرني بمتعة العمل لأني لست من أولئك الذين يشترون لحنًا، ولا أحاول ذلك لأني أشعر أن العمل هو بصمة مني وفكرة أريد إيصالها للناس. وكل مرة أريد إدخال فكرة مغنٍ جديد أريد وضعه.

لهذا، المعايير الفنية التي ألتزم بها ثابتة ومقتنعة بها شخصيًا، لأقوم بها من ناحية المستوى الفني للعمل. أما من ناحية المعايير الأخرى، أنا لا أتسابق مع أحد ولا أبحث عن شهرة آنية، ما يهمني هو تسجيل العمل الفني الغني بالعلم والبحث والبصمة الخاصة بي.

- لماذا الإصرار على الدمج بين القصيدة والموسيقى، وما صعوبة أن يجمعهما الصوت؟

القصيدة من قبل الإسلام لم تكن تقرأ، بل تنشد إنشادًا، والمد بالكلام هو نوع من الغناء. ومن مئات السنين الشعر مربوط باللحن، الآلة الموسيقية تعزف، بينما صوت الإنسان ينطق الكلمة ويجعلها ملحنة. لهذا استطعنا منذ مئات السنين إيجاد الإلقاء، ومن بعدها اشتغلنا على التجويد وكيفية إعطاء الكلمة حقها كي تنطق الكلمة بشكل صحيح ونجعلها ملحنة مع اللحن، إضافة إلى أنهم لا يمكن فصلهم عن بعض، وموضوع تلحينهما هذا يعود للملحن.

- هل من مهرجانات عالمية شاركت بها غادة شبير، وهل من دراسات تقومين بها موسيقيًا؟

شاركت بمهرجان عالمي اسمه «وووماد»، وفي أستراليا ونيوزيلندا وفي لندن وشاركت في حفلة «أورينتال» وحفلة «فاس»، وبمهرجانات في مصر والبحرين والكويت وفرنسا، والكثير من المهرجانات العالمية في بلدان العالم، وقدمت الأنماط التي أحبها، والحمد لله.

وقريبًا يصدر كتابي بعنوان «المقامات العربية»، وهو خبرتي خلال السنين في البحث عن المقامات العربية. وهذا الكتاب تصدره جامعة الروح القدس الكسليك، وهي الجامعة التي أنتمي لها، وأنا أستاذة فيها ومديرة لفرقة عربية فيها، ومسؤولة عن الدروس العربية فيها بما يختص بالموسيقى.

- هل يمكن التلاعب بالصوت عند ازدياد نبض الشعور بالقصيد؟

موضوع التلاعب بالصوت جماله نسبي. بالنسبة لي، لا يعني التلاعب بالصوت أن كانت المقطوعة الموسيقية لا تتطلب ذلك. أعود هنا إلى موضوع المقطوعة أكثر منها المفردة، لأننا في القرن العشرين دخلنا مع سيد درويش بموضوع التعبير الموسيقي، بمعنى لم يعد تلحين القصيدة للطرب فقط والتكرار لندخل في حالة من الطرب، بل اليوم في القرن العشرين أصبحنا بنمط التعبير بالكلمة أو للحن التعبيري، بمعنى أن الكلمة تحكي عن الحب أو الحزن بالتعبير. لهذا، قصة الزخرفة أو التلاعب بالصوت ليست الكلمة ما تمنع، إنما الموضوع. وهذا يعود للمغني كيف يراها ليخرجها، والرأي للثلاثة وبالنهاية إحساس الفنان والكلمة دائمًا تسمح بذلك، المهم كيف نخرجها لتصل للناس.

- القصيدة الكلاسيكية هي الالتزام الصارم بالقوافي، ما صعوبة ذلك في اللحن والصوت وكيف تذللين ذلك؟

هو التزام بالقوافي من الأول للآخر، وصعوبته في الانتباه على طريقة التلحين. مثلاً، إن أردنا التغيير بالإيقاع، سنحتاج إلى قلب المنظومة كلها، وهذا صعب جدًا إن لم يعرف الشخص التحكم بالإيقاعات وكيفية قلبها.

- ماذا تخبرنا غادة شبير عن رحلتها الفنية حتى الآن؟

أنا مشيت في طريق صعب جدًا وبدأته بالعلم، وربما دخولي هذا المجال بالعلم زاد صعوبة في اختيار الكثير من حفلات أو قصائد أو تلحين أو غناء. مشواري صعب جدًا حتى الآن، لكن فيه لذة وفرح بالمعرفة، لأني أستطيع خلق جديد من كتابة وتلحين وتأليف، ومعلومات تخمرت وأصبحت زاخرة في فكري. رحلتي الفنية مقسومة إلى قسمين: تعليمي وتنفيذي، وأحب أن يرى الناس أعمالي، وأفتخر بما قدمته حتى الآن.

برؤية أخرى تحديثية نغوص في تحليل الحوار مع الدكتورة غادة شبير حول الموسيقى والشعر، مستندين إلى مفاهيم علم الصوت والموسيقى، ونستكشف عمق أفكارها.

1. الارتباط بين الكلمة والنغمة

تبدأ الدكتورة غادة شبير بتسليط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الكلمة والنغمة، مشيرة إلى أن الكلمة هي منغّمة حتى قبل تلحينها. هنا نجد رابطًا مباشرًا بين فن الإلقاء والتنغيم، حيث يشير ذلك إلى أهمية الإيقاع في اللغة. الكلمة، بمعناها اللغوي، تحمل إيقاعها الخاص من خلال التفاعيل، مما يساهم في تشكيل لحنها. يمكننا استنتاج أن فهم الإيقاع اللغوي يسهم بشكل كبير في القدرة على تلحين النصوص.

2. أهمية التعبير الفكري والعاطفي

تشير غادة إلى العنصرين التعبيري والفكري في تلحين الكلمة. من خلال هذا التحليل، يتضح أن المبدع يحتاج إلى توازن بين المعنى الفكري للكلمات والعواطف التي تنقلها. فالموسيقى ليست مجرد نغمات، بل هي وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار العميقة. يُظهر هذا التوازن كيف يمكن للنغمات أن تعزز المعنى النصي، وتضفي عمقًا على التجربة الفنية.

3. القصيدة والشكل الكلاسيكي

تناقش الدكتورة غادة مفهوم القصيدة الكلاسيكية وكيفية تعاملها مع الحداثة الموسيقية. إنها تشدد على أن القصيدة التقليدية كانت تتبع أنماطًا صارمة، ولكن مع تطور الزمن، بات بالإمكان دمج الأشكال القديمة مع الأساليب الحديثة. هذا التفاعل بين الأشكال القديمة والجديدة يُظهر مرونة الفنون وقدرتها على التكيف مع السياقات الاجتماعية والثقافية المتغيرة.

4. التفاعل بين الشعر والموسيقى

غادة تشير إلى أن الشعر كان يُنشَد إنشادًا، مما يعكس تقليدًا عريقًا في دمج الكلمة بالموسيقى. هذا الأمر يُسلط الضوء على كيفية استخدام الصوت الإنساني كوسيلة تعبير موسيقية، مما يُثري تجربة السامع. تبرز هنا أهمية الصوت كأداة لنقل المشاعر والأفكار، حيث يُعدّ التجويد والتلحين جزءًا لا يتجزأ من هذا الفن.

5. التحديات في الدمج بين القصيدة والموسيقى

تتحدث غادة عن التحديات التي تواجهها في الدمج بين القصيدة والموسيقى، مشيرةً إلى أن التزام القوافي يُعتبر أحد أبرز الصعوبات. هنا، يمكننا فهم العمق التقني للإبداع الفني، حيث يتطلب الأمر معرفة عميقة بالإيقاعات والأشكال الموسيقية. تبرز هذه النقطة أهمية الخبرة والتدريب الفني في القدرة على تجاوز هذه التحديات.

6. الهوية الفنية والمشاركة في المهرجانات

تشير غادة إلى مشاركاتها في مهرجانات عالمية، مما يعكس نجاحها في تسويق ثقافتها الفنية. هذه التجارب تمنحها مساحة للتعبير عن أفكارها وتجديدها، وتساهم في بناء هوية فنية متميزة. المشاركة في هذه المهرجانات تعكس أيضًا أهمية التبادل الثقافي، حيث يمكن للفنون أن تعبر عن تقاليد وهويات متعددة.

7. الاستمرار في التعلم والتطور

تختتم غادة حديثها بالتأكيد على أهمية التعلم المستمر، حيث تشير إلى كتابها القادم حول المقامات العربية. يُظهر هذا التوجه أهمية البحث والدراسة في تشكيل الهوية الفنية، وكيف أن المعرفة تُغذي الإبداع. هذا التزام بالتعلم يعكس فهمًا عميقًا لأهمية الجذور الثقافية في تشكيل العمل الفني.

إن الحوار مع الدكتورة غادة شبير يكشف عن عمق الأفكار المتعلقة بالموسيقى والشعر، ويؤكد على أن الإبداع الفني هو عملية معقدة تتطلب توازنًا بين المعرفة التقنية والعواطف الإنسانية. من خلال فهم العلاقة بين الكلمة والنغمة، وإدراك أهمية التعبير الفكري والعاطفي، يمكننا استشراف آفاق جديدة للفنون، تعكس تجارب الإنسان المعاصر وتخدم تطلعاته الفنية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://www.omandaily.om/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D8%A7/%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%A7-%D9%8A%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9