كلاسيكيات الأدب الروائي الحقيقي وجماليته الفنتازية في السينما المعاصرة

أدب فلاديمير كورولينكو في مهرجان الأفلام في طرابلس

ضحى عبدالرؤوف المل

وجود الإنسان في مجتمع ريفي هو في حد ذاته قيمة مضافة لسعادته، لأن الطبيعة تتحرر من ذاتها لتحافظ على توازنها الجمالي، إلا أن الإنسان دائماً يتطلع نحو المزيد، ما يفقده سعادته التي وُلِدَ عليها كطائر حر. في فيلم «حكاية المال»، المأخوذ فكرته من قصة لفلاديمير كورولينكو بعنوان «يوم الغفران»، نعود إلى كلاسيكيات الأدب الروسي الحقيقي وجماليته في السينما المعاصرة.

من خلال فيلم "حكاية المال" (The Tale of Money) للمخرجة أوليسيا مورهينت، والكاتب المتمسك بالجمال الإنساني للروح البشرية، وبواقعية سحرية لفلاديمير كورولينكو وقريته "جيتومير"، أعادنا الفيلم إلى التراث الأوكراني، ونهر القرية، الذي غرق فيه عم صاحب الطاحونة، قبل أن يرث ماله ويصيبه الجشع، جراء المال غير المتوقع الذي حصل عليه في ظروف طارئة. وبعطش أكبر للحصول على المال، يقبل بعرض "يانكل" لتبدأ الروح الشريرة تسيطر عليه، بعد أن نسي التعاطف والرحمة، ومحبة الآخرين، أو المحبة المسيحية والتسامح والصلاة.

تبدأ ليلة الظل في الفيلم بنيران مشتعلة، وبأغنية قديمة يصحبها صوت مناداة مثير للذهن، مغموس بالتصوف الأقرب للتراتيل. ويتجلى ذلك من خلال تصوير ومؤثرات غلبت عليها الروح الليلية أو طابع التعتيم الليلي، مما يعد غالباً مريحاً لمنع ظهور الأخطاء ولجمالية الليل البدائي في القرى، والشموع، والقناديل القديمة، والضباب، وحتى رذاذ الندى الليلي.

إضافة إلى الأضواء وانسجامها مع الحدث الذي تغلب عليه الفجائية الغرائبية أو سريالية القصة بحد ذاتها، وأسلوبها المنطقي في معالجتها للنفس الإنسانية وانفعالاتها السريعة وحبها للمال، فإن المرابي يانكل في الفيلم ليس إلا نوعاً من الغواية التي تقضي على التآخي أيضاً. ومع ذلك، لم يمح الكاتب خلفيات الحدث التاريخي الكبير الذي وقع في قرية فلاديمير كورولينكو عبر الزمن. ويحاول الفيلم إبراز قيمة الفنتازيا المنبثقة عن الأدب الروائي أو القصصي، من خلال قدرة تحويلها إلى سيناريو سينمائي تمت حبكته ببراعة، أضيفت لها الحنكة الكوميدية العفوية، بمواقفها التي كانت موجودة لدى شعوب تلك الأزمنة.

فيلم مكلف إنتاجياً، إلا أنه اكتمل جمالياً في صناعة الزمن الخاص بالحكاية والأسلوب الفانتازي، حتى في تحريك رسومات رمزية زادت من قيمة الخيال الفانتازي، وأضافت للفيلم نزعة طفولية تجعل منه عائلياً، أي للكبار والصغار. فالحكاية في الفيلم حافظت على التراث الأوكراني حتى في الأزياء، والأجواء العائلية، والأكواخ، والخيول، والأغاني، والموسيقى، وصولاً إلى أبسط الأشياء في الحلي والإكسسوارات، وحتى الأدوات المنزلية، وأدق الأشياء فيها وما إلى ذلك. ليشعر المشاهد بأنه في الغابة معهم وسط كل هذا السحر الفانتازي والسينمائي المحبوك بالمؤثرات، والموسيقى التصويرية، والرسوم المتحركة التعبيرية المختصرة للكثير من الرموز المؤدية إلى استقطاب الحواس بتقنية مدروسة، جعلت من المسافات البصرية ونقاء الصورة تتطلب تصحيحاً للألوان، المعتقة منها والشفافة، خاصة في الحانة والطاحونة، وتلاعب الألوان بين العتمة والسطوع ضمن نقطة ديناميكية إخراجية تجمع فيها التمثيل مع الكاميرا، وإيجابية منطق الارتباط بينهما، وتسلسل الأحداث بمرونة تتشابك فيها عدة أنظمة من المؤثرات للصورة، للموسيقى، لانعكاسات الضوء، دون أن ينفي المونتاج خصوصية التسلسل في الحكاية.

الإغواء الشيطاني في الحلم

مكر يانكل واستئثار الشيطان به لأنه جشع جداً، ومفارقات ظهوره الساخرة مع الإغواء الشيطاني في الحلم، ينتهي بسحر الموسيقى المؤثرة على نجاح الفيلم، وتوالف عناصره مع بعضها بعضاً من بناء النص الفانتازي إلى بناء المشهد ومكوناته، والديكور، والإضاءة، والتمثيل، وإضافات التحريك الكرتونية، والموسيقى، والأصوات، والمؤثرات، والأزياء. ما يشكل تلاحماً جمالياً موصولاً بالفكرة بشكل عام مع الحكمة التلمودية ليوم الغفران، الذي يتم خلاله تقرير مصير الإنسان لمدة سنة مقبلة، أو يوم كيبور، المكمل لأيام التوبة، التي تنبئ بحدث وقع لليفكو، الذي أصابه البخل والجشع، ومن ثم الندم والعودة إلى المحبة والتسامح، الذي أوصى بهما الدين المسيحي، وحافظت عليهما العذراء مريم. ضمن ترتيل موسيقي شبيه بالأجواء الكنسية، رافقت الموسيقى في بعض المشاهد، خاصة صلاة حبيبة ليفكو، التي كرست نفسها للصلاة كي يستعيد ليفكو وعيه والعودة إليها في يوم الميلاد، بعد أن ينسى أمر المال والطمع والجشع، تاركاً المال ليانكل الذي ظهر في بداية الفيلم كأنه من الأشباح. فهل يريد الكاتب القول إننا لا نعمل من أجل المال ولكن من أجل الله؟ أم أنه يعيدنا إلى المحبة التي ابتعد عنها يانكل وتبعه ليفكو؟

حكاية أخلاقية متسامية

الفيلم ليس للكبار فقط، وإنما يمكن جعله مادة خصبة للأطفال، ليكون بمثابة حكاية أخلاقية متسامية تؤدي دورها الفني بامتياز، سواء من خلال القصة المتزينة بالمحبة والتسامح، أو بالقول إننا نعمل من أجل العلي. أو من خلال فهم الصورة وفكرتها بأسلوب فني سينمائي، تجتمع فيه الجدلية والنمطية والرمزية بالتحرير السينمائي، الذي يمنح الأدب توضيحات لعلاقته بالتقنية السينمائية، وبنية السيناريو، والفكرة، وتوقعات المشاهد للكشف عن واقعية الحكاية أو خرافتها، وخيارات التأثيرات مجتمعة على الفيلم نفسه، وطريقته في إضفاء الطابع الذاتي أو السينمائي على الحكاية المقتبسة من قصة لفلاديمير كورولينكو.

برؤية أخرى تحديثية الفيلم "حكاية المال" (The Tale of Money) يمثل تجسيدًا فنيًا للأفكار المعقدة المرتبطة بالمال والجشع والروح الإنسانية. من خلال استنطاق النص الأدبي لفلاديمير كورولينكو، يتناول الفيلم قضايا اجتماعية ونفسية عميقة، مُحاكيًا كلاسيكيات الأدب الروسي بطريقة تتماشى مع الجمالية الفانتازية للسينما المعاصرة.

يستند الفيلم إلى قصة "يوم الغفران"، حيث يعكس الصراع الداخلي للشخصية الرئيسية، ليفكو، الذي يعاني من الجشع بعد أن يكتشف ثروة غير متوقعة. يمثل الفيلم دراسة إنسانية حول كيفية تأثير المال على العلاقات الإنسانية، ويطرح تساؤلات حول القيم الأخلاقية والتسامح. الفكرة المحورية تكمن في التوتر بين الحاجة البشرية الطبيعية للأمان والاستقرار، وبين الجشع الذي يؤدي إلى فقدان الهوية الإنسانية.

تتميز حبكة الفيلم بتصاعد التوتر من خلال الأحداث الدرامية، التي تأخذ شكلًا حلقويًا يعكس رحلة البطل. يبدأ الفيلم بمشهد من الفرح والطبيعة، ثم يتجه نحو الظلام والجشع، مما يخلق شعورًا بالتعاطف مع الشخصية. استخدام الافتتاحيات الصوتية والموسيقية يعزز من أجواء الغموض، حيث يترافق الصوت مع الإضاءة الخافتة لتأكيد الصراع النفسي.

تظهر رؤية المخرجة أوليسيا مورهينت في كيفية إدارة عناصر الفيلم بحرفية عالية. استغلال الإضاءة للتعبير عن الحالة النفسية للشخصيات يعكس الفهم العميق للغة السينمائية. مشاهد الظلام والنور تتداخل مع الأحداث، مما يخلق إحساسًا بالتوتر. بالإضافة إلى ذلك، يبرز استخدام التصوير البطيء في اللحظات الحرجة ليعكس عواطف الشخصيات بشكل أعمق.

تتجلى الجمالية الفانتازية من خلال التصاميم البصرية التي تحاكي الطبيعة الأوكرانية. الألوان المستخدمة تعكس الفصول الأربعة، مما يساهم في خلق جو شعوري يتناغم مع تطور الأحداث. التأثيرات الخاصة، مثل الرسوم المتحركة، تضيف عمقًا بصريًا، مما يُشعر المشاهد بأنه جزء من الحكاية. كما أن توازن الكوميديا مع الدراما يمنح الفيلم لمسة إنسانية تعزز من تعاطف المشاهد.

يستفيد الفيلم من التعبير الفني القوي من خلال أداء الممثلين، الذين ينقلون مشاعرهم بصدق. الأداء الجسدي والصوتي يعكس الصراعات الداخلية، مما يجعل الشخصيات أكثر قربًا من الجمهور. الموسيقى التصويرية تلعب دورًا رئيسيًا في خلق المشاعر، حيث تدعم اللحظات الدرامية وتُعزز من الأجواء السحرية.

فيلم "حكاية المال" لا يُعتبر مجرد تجربة بصرية، بل هو دعوة للتأمل في القيم الإنسانية. يجمع بين الأدب والسينما بطريقة تجعل من السهل على المشاهدين فهم التعقيدات النفسية والاجتماعية. من خلال إخراج مبدع، وبناء درامي محكم، وجمالية بصرية مدهشة، يستحق الفيلم مكانته في عالم السينما المعاصرة، مما يتيح لنا فرصة إعادة تقييم علاقتنا بالمال والقيم الإنسانية في حياتنا اليومية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%86%D9%83%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3/