من النهاية تنطلق البداية
ضحى عبدالرؤوف المل
رواية النبطي يوسف زيدان
تحرر يوسف زيدان في روايته " النبطي" من أي مسؤولية تاريخية روائية قد تلتصق بذهن القارئ، مستعملا تقنيات جديدة في المداورة أو التجدد للحياة في حيوات هي بالأساس واحد، لكنها تتطور تلقائيا حتى في خلايا الجنس البشري، فالإيحاء السردي والوصفي تكثف حينا، وانخفض أحيانا، لكنه في ذهن القارئ تجسد في رؤية ماريا أو ماوية، وهي تحيا كل الحيوات، كأنها واحدة عربية أوغربية صحراوية أو ساحلية سوداء أو بيضاء، فهولا يثبت التاريخ كتابة، لكننا نفهمه مشافهة أو إيحاء" إن الأمور التي تروى مشافهة لا يحق لك إثباتها بالكتابة".
استطاع يوسف زيدان من خلال مخيلة تاريخية حكائية تقديم وصف تاريخي، وسرد زمني له طابع السيرة، والتأريخ للزمن بحدث ما حين" قالت الأمهات إننا ولدنا في شهر التوت" إلا أنه ترك المكان يتوكأ على" مجيء العرب من بعيد" و" سنة ملك فيها الملك المسمى هرقل بلادنا الواسعة"
تقاليد عربية لم تخل من نقد وجهه يوسف زيدان في روايته، وهذا جعلني أتساءل: هل هي ماوية فعلا من تتكلم أم الروائي؟ فواصل كثيرة شعرت بها بين مارية والروائي والزمن التاريخي، فالوعي العقلاني للرواية مترابطا ومتينا أقوى من مستوى ذهني أو عقلاني لبطلة تروي سيرتها، إلا أنه أمسك بالحبكة بقوة وطرح تقنيات بانورامية، لها حس جمالي في الوصف متأثرا بالمخطوطات التاريخية ومخطوطات ابن كثير" البداية والنهاية" .
انطلق يوسف زيدان من النهاية ليروي لنا البداية في انعكاس رمزي له معاناته المتكررة زمنيا، فأصل الدين واحد، وما الأنبياء إلا رسل للتذكير بالعودة إلى الله " لأن المكان لا يحيا من غير السكان" والقلب لا ينبض إلا باليقين والإيمان، والإنسان دائما في رحلة للبحث عن الذات والعودة إلى بداية النهاية التي وصلت إلى كل ديباجة استنبطها من ذاكرة التاريخ، وأعاد صياغتها برؤية فنية لا لوم فيها، لأنه ترك في تنوية أن " نهايات هذه الرواية كتبت قبل بداياتها بقرون، وقد قدت النهايات البدايات، وبهذا ترك للنقاد وصل البدايات مع النهايات فنيا، كي لا يستنكر أي خطأ زمني أو تعبيري روائيا.
عادات وتقاليد دينية واجتماعية وسلوكية عربية عددها كظهور العذراء واقتراب نزول المسيح، كما توقف سلومة عن شرب الخمر بعد إعلانه الإسلام، وما إلى ذلك من عادات اجتماعية في اللباس والسفر والختان وتفاصيل دقيقة عشناها بتفاصيلها، كأنه استنبط من ذاكرة التاريخ ما نحاول نسيانه من عادات عربية أصيلة زمنيا وما قبل الإسلام، وذكرها القرآن الكريم" هل تداينتم بدين، فيكتبه أخوك" فقولي لهما قولا هينا لينا، كي تطمئنا، وإن ترفق في الخطاب" فلما بلغ السعي" وهنا إشارة إلى اللسان العربي القوي المتين .
لم ينس زيدان حقوق المرأة المنتهكة قديما من ختان واغتصاب، وما يجري خلف الكواليس كالخوف على المرأة من العنوسة " إن الفتاة إذا تخطت الخامسة عشر بلا زواج يدب بباطنها الصدأ فيخرب معدنها." والخوف أيضا عليها من الحروب، إلا أنه أكثر من الرمزية في روايته مما يصعب فهمها على القارئ العادي ، فخفايا الرواية وإيحاءاتها لها أكثر من رؤية، وأكثر من مدلول، وهو بهذا أثار فضول القارئ، ليعيد قراءتها أكثر من مرة.
خلق يوسف زيدان في روايته النبطي جمالية خاصة في الحبكة والسرد واللغة، ومفاهيم انتقدها بأسلوب مرويات تاريخية، لكنه تمرد عليها سرديا، وقدمها مأخوذا ب" صورة النبطية الخالدة، المخبرة عن دوران الحيوات "مستعملا الإسناد بما هو مكتوب في الزبر الأولى.
أضداد مفردات استعملها في متناقضات حملت مفاهيم تزيد الحواس إدراكا، لننطلق معه في الفضاء الروائي المفتوح دون أن يضيق ويتسع أو يعلو ويهبط ، ومن ثم نرحل معه في لوحة مشهدية تختصر عادات" بدو يخيمون في الفراغ، هم يشبهون الذين مررنا بهم في الصحراء الكبيرة المسماة سيناء." ليتركنا نتابع حركة مارية من خلال سفرها في كل بقعة مرت بها، وكأن نقطة البداية هي النهاية، فهل غافلنا زيدان لنتابع معه الرواية بشغف، فنعود إلى البداية، حين نستفيق، لنولد مع ماريا من جديد؟.
" هل أغافلهم، وهم أصلا غافلون، فأعود إليه، لأبقى معه، ومعا نموت، ثم نولد من جديد هدهدين؟"
Doha El Mol