القبلة السينمائية: استدراك أم اكتشاف؟
قراءة في الفيلم المصري «بلاش تبوسني» للمخرج أحمد عامر
ضحى عبدالرؤوف المل
بيروت – «القدس العربي»: ترتبط القبلة في الأفلام القديمة بترجمة النمو الفعلي لأحاسيس موضوع الفيلم القائم على الحب والعذاب والمعاناة للعاطفة الجياشة نحو الآخر. وإضافةً إلى متانة الفكرة والحدث والفعل الدرامي أو الكوميدي والشعور الحسي فيه، القوي والمتين والمترابط مع المادة السينمائية ذات القواسم المشتركة مع الرومانسية، وتقنيات السرد السينمائي التي اختلفت في القرن الواحد والعشرين، ولا يمكن إجراء مقارنات بين مادتين سينمائيتين مختلفتين زمنياً بهذا الأسلوب بعيداً عن الحشو المفسد للموضوعين برمتهما. فالتقارب بين الأفلام القديمة والأفلام الحديثة ينازع بعضه البعض، لأننا نفتقد للنص الدرامي المحبوك الذي يقلب مقاييس الزمن غير المتشابه بالأجيال التي فتكت بها تشويهات العصر الحديث من حيث فقدانه للرومانسية، فاختلطت عليها مسألة المقارنة بين أفلام أيام زمان وأفلام اليوم، وضمن نقطة واحدة هي القبلة وأهميتها في الفيلم، وأسلوب تنفيذها وتعقيداتها الحالية في الأفلام المعاصرة، وهذا ما أثار فضولي في اكتشاف ماهية فيلم «بلاش تبوسني» للمخرج والمؤلف أحمد عامر. لأشعر أن الفيلم لا يمكن مقارنته نهائياً بأفلام الأبيض والأسود والقبلة التي تكلل الموضوع فيها وأسلوب المخرج في التقاطها ومنحها الغنى الرمزي المتمم لها، ولا يمكن مقارنة القبلة والاستهتار بها بهذا الأسلوب السينمائي الهزيل الذي لم يرصد ولم يشيع الفكرة بالبحث الناضج الذي يسلط الضوء على أهميتها قديماً في الأفلام وأسباب تغيراتها اليوم. إنما انتقد الفنانات المحجبات بأسلوب غير منطقي. إذ تترجم القبلة في الأفلام القديمة المدخل أو النهاية لما كان ينتجه النص من حبكة درامية أو فكاهية، وبالتالي تتمم القبلة المشهد المتسامي، ويستكملها المخرج بالرموز المشهدية المناسبة.
الاحترام والتقدير لفنانات من الماضي محمّل باحترام الفنانين الرجال لهم، وهذا كان يساعدهم في خلق التآلف بينهم أثناء التصوير للمصداقية القوية التي كانت تجمعهم، كالفنان فريد الأطرش والفنانة شادية، وأيضاً مع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. إذ لم تكن المنافسة الفنية تصل إلى الصراعات القوية والبغض والحسد، وإن وجدت تنحصر وتتلاشى تلقائياً عند قوة الإحساس بالنص الذي يعيشه الممثل قبل التصوير وينمو معه أثناء التصوير. وما زلنا حتى اليوم نلمس قيمة هذه المحبة بين الفنانين القدامى مثل ميرفت أمين وعادل إمام والفنانة يسرى وعادل إمام وحتى الفنانة القديرة سهير رمزي وسهير البابلي والفنان حسن يوسف وحسين فهمي. فماذا لو رصدنا أفلام إسماعيل يس أو الفنان القدير فريد الأطرش؟ من المؤكد الزمن اختلف خاصة بعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي. ولم أفهم معنى القبلة في فيلم «بلاش تبوسني» بقدر ما تاهت رؤية النص والإخراج في أكثر من اتجاه، وكأن الفكرة المركبة هي للضحك فقط وقد نجح بذلك. لكن هل يهدف الفيلم لإثارة الضحك فقط وللمبالغة في المشاهد التي تنتقد بعضها البعض؟ أن يخرج المشاهد من الفيلم بنتيجة صفر هذا مؤسف خاصة وأن الفيلم شبابي بامتياز، وهذا يضع المؤلف والمخرج أمام مواجهة الانتقاد، ما الهدف من الفيلم؟ إن كان للتسلية فقط فقد نجح، أما إن كان للدخول في المهرجانات السينمائية فقد فشل. لأن السينما هي مدرسة الحياة بحد ذاتها، وهي قادرة على التوجيه والإرشاد أو العكس، وفي كل الأحوال لم يعتمد المخرج «أحمد عامر» على تقنيات جمالية في الإخراج، بل اعتمد البساطة دون تكلف بالتصوير وسواه، وهذا بلا شك فيه نوع من الوثائقية في الفيلم. إلا أن ذلك لا يعني منحه الهوية الابتكارية غير الملموسة، كفيلم يعالج موضوع رصد القبلة في الأفلام القديمة والقبلة في الأفلام الحديثة ومعاناة المخرج في التقاطها أو تنفيذها بشكل مبالغ فيه ودون البحث عن أصولها ومعناها أو ماهيتها، وما دورها في النص الدرامي أو الفكاهي.
منظور القبلة في الأفلام القديمة يمكن تحليله بنص كوميدي ذي معنى فكاهي يحافظ على قيمة القديم والجديد من دون الاستهزاء بمعنى القبلة في حد ذاتها، وحبذا لو استطاع المخرج أحمد عامر منح المشاهد التوضيحات الرزينة من الأفلام القديمة. فالقبلة كان ساحرها كلارك غيبل في الثلاثينيات في «ذهب مع الريح» لأنها كانت رومانسية الرجولة والانتماء للآخر أكثر منها جنسية. فهي ليست مجرد شفاه تتلامس بشهوة لإبراز القبلة بأسلوب ساذج أو ممثلة يثير قرفها الممثل الآخر أو امرأة ترتجل الدور التمثيلي وهي في سرير النوم. إنما هي موسيقى وبناء مكتمل الأركان، والدافع السينمائي لها ترجمة العاطفة المقترنة بموسيقى منسجمة مع المشهد العاطفي لتسحر حواس المشاهد وتمنحه الرومانسية المطلوبة. لتصبح القبلة كمعزوفة وأبسط مثال على ذلك قبلة الفيلم الفنتازي «الحسناء والوحش» ببساطتها المرافقة للحدث مع الاهتمام بموسيقاها، حتى القبلات في الفيلم الأوكراني «حكاية المال» جاءت جمالية هادفة لتكمل الفيلم بمنطق الحياة نفسها. أما القبلة في تصوير فيلم «بلاش تبوسني» فلم ندرك أسبابها ولم نلمس إحساس الأبطال فيها، بما يلائم حتى القبلة غير المرتجلة التي يؤديها أحمد عامر عبر أبطاله في فيلمه غير المنسجم عناصره السينمائية كتابةً وإخراجاً ومونتاجاً وموسيقياً. مثلاً ارتبط فريد الأطرش بالتمثيل مع شادية للانسجام بينهما وللصداقة التي تربطهما لسنين طويلة، وهذا لم ينقص من نسيج العلاقة الحميمة التي ربطتهما والقائمة على الاحترام بشكل عام، وعلى العطاء السينمائي الذي جعلهما قبلة السينما العربية التي كنا نتابعها للرومانسية المترابطة مع عناصر الفيلم الأخرى خاصة الموسيقى والرموز التي يتقنها المؤلف والمخرج معاً. القبلة هي قمة الرومانسية غير المرتجلة أو المصطنعة، لأنها الدافع الأساسي للتمازج الحسي المؤثر الناتج عن جمالية النص الذي يعيشه الأبطال بمصداقية الإحساس النابع من قدراتهم الرومانسية على خلق التعبير الجمالي، ولم تكن القبلة ارتجالاً جافاً لا ينتمي للعاطفة السامية بشيء، وهي ذروة البناء الدرامي في الأفلام القديمة. تصعيد الفعل الدرامي في الأفلام القديمة هو ما يدفع البطل للقبلة، فما الذي يدفع بطلة فيلم «بلاش تبوسني» للقبلة؟ إن قبلة «أيام قديم» كسرت الحواجز الاجتماعية لمصداقيتها وللإحساس فيها لأنها الذروة في النص، ولأنها تتصاعد مع الحدث بتشويق ثلاثي: أي الممثل، المخرج، فالمشاهد لتصل ساحرة بشكل فنتازي حالم، لأن الموسيقى التصويرية بحد ذاتها هي القبلة وتدفع إلى امتداد الحوار العاطفي بين البطل والبطلة، وهذا النمو للتوق بين الممثل والممثلة في القبلة، تتصاعد معه الموسيقى بتمازج بين الفكرة والحدث والفعل، فأين الفكرة والحدث والفعل في فيلم «بلاش تبوسني» الذي اكتظ بمشكلات لا علاقة لها بالنمو العاطفي والرومانسي للقبلة في الفيلم؟ وما علاقة حجاب الممثلات بالقبلة في الفيلم الحديث التي لم يستطع أحمد عامر فيه منح المشاهد ماهيتها في الأفلام القديمة، وما دورها في النص الدرامي الذي تنمو فيه وتتصاعد لتصل إلى الذروة في المشهد الأخير؟
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B4-%D8%AA%D8%A8%D9%88%D8%B3%D9%86%D9%8A/