مفتاح الغموض في رواية "حرب الكلب الثانية" التي فازت بجائزة البوكر 2018
ضحى عبدالرؤوف المل
تتمحور رواية "حرب الكلب الثانية" للروائي "إبراهيم نصرالله"، الصادرة عن "الدار العربية للعلوم ناشرون"، حول الغموض المتوحش، المؤدي إلى ردات فعل دفاعية، ينتج عنها ثورات همجية. هي عبارة عن اضطرابات نفسية ناتجة عن التاريخ الذي يعيد نفسه، وبقوة الترقب المفروض على الأحداث التي تتوالى في رواية أشبه بالجحيم المتخيل أو الجحيم المتقطع الذي يتخلله توضيحات هي إعادة بناء الواقع أو الحقيقة الحياتية المزعجة التي ينظمها "إبراهيم نصرالله" بحتمية تغيير سلوكنا في القرن الواحد والعشرين، الذي يلتقي بتفاصيل كثيرة مع العصور الدموية التي مات فيها الكثير من البشر. إذ أننا محاصرون في زوايا تاريخ نعيشه عبر الأحداث الثورية التي ما زالت تتكرر، وإن جنح الخيال الروائي وانحرف بنا نحو التوحش اللاحقيقي في رواية تنطبق على الواقع وتشمئز منه، بتزامن مع الأحداث المتوقعة في المستقبل، والتي نعيشها في الحاضر. فهو يمسك بعين الكاميرا الدرامية ويوجهها نحو الزمن، ليستخرج أسرار الماضي بأسلوب روائي ساخر موضحاً السلوك الإجرامي من منظور سياسي وأخلاقي، وبتأطير روائي أدبي.
إنما من مبدأ الواقع القديم الذي يعيد نفسه بشراسة في المستقبل الذي يتخذ صفة التخريب الوحشي، والانحدار نحو الهمجية البعيدة عن الشاعرية لفهم الهوية الإنسانية، وفصلها عن التشابك مع البشرية القاتلة التي تقتل الإنسان فكراً وسلوكاً، وتتركه كآلة مبرمجة تؤدي أوامر تتلقاها دون مراعاة لفك شفرتها أو الإمساك بمفتاح الغموض الذي بدأ به "إبراهيم نصرالله" روايته وختمها به. "والتاريخ الإنساني كما هو معروف مصاب بحمى الشبه والتشبه، ليس فقط على المستوى الخارجي، الذي نعني به عمليات التجميل" التي بدأ "إبراهيم نصرالله" بذلك على الفرضيات التي أسس لها من أدب الخيال العلمي، والتي تساعد على بناء الصورة الخيالية، وتأثيراتها الارتدادية داخل نفس القارئ. فهل يحاول "إبراهيم نصرالله" تمثيل العالم العربي برواية هي تطور مستقبلي يهدف إلى الجمع بين الثقافة الروائية والخيال العلمي؟
من المعروف أن الخيال العلمي ينقلنا مستقبلاً إلى الخيال التكنولوجي والتبصر أو قوة تبصر تميز بها بطل الرواية "راشد"، الذي حاول الخروج من طور إلى طور أو من مجتمع بدائي متآكل الحقوق إلى مجتمع مفتون بالحضارة يأكل حقوق نفسه أو حقوق الإنسانية حيث التحكم بالقوى الطبيعية القائمة على تحليل الأحداث الاستباقية. لزمن تحطيمي القيم وثوري التطلعات، وباختزال للكثير من صور هذا العالم الذي أدخلنا إليه "إبراهيم نصرالله" كما يدخل السجين ردهات السجون أو عتمات قبو التعذيب حيث الشبه والشبيه في عذابات كل منهما أو تجارة الأسرى التي وضعته على المحك في المستشفى مع السكرتيرة أو شبيهة زوجته التي أحبها. وهنا لا بد من الإشارة إلى لغة الافتراض الضمنية حيث الأحاسيس القوية، حيث الحس الافتراضي الأقوى من الصورة الأساسية نفسها، التي يعيشها هذا الجيل بلسعات مستقبلية واهية تدفع إلى المزيد من البحث عن الشبه الذي يحتاجه كل منا في لحظة من لحظات الملل والتأفف والتضجر، لتصبح نوعاً من الإدمان لا يمكن الخروج منه إلا بخلق متاهة هي أشبه بالدخول الحلزوني إلى النفس التي تتمنى أو التي تخلق أوهامها، لتستفيق على مرارة الواقع الذي تهرب منه.
"المصور الماهر يستطيع أن يعثر على الزاوية المثلى لالتقاط الصورة الأجمل لمن سيصوره، ولذا ما إن يراه حتى يكون قد دار حوله مائة وثمانين درجة وهو في مكانه، أعني المصور، وعرف أي زاوية تلك التي تحقق له ذلك". فهل يحاول "إبراهيم نصرالله" أن يستنبش ذاكرة الصور من القراء لاستنساخها كما استنسخ "راشد" و"سلام" وغيرها الكثير؟
إمكانيات علمية وطبية تتقدمها التكنولوجيا الحديثة، وتؤثر على المستقبل، فالابطال تسكنهم الغرابة نفسها، بل كأنهم داخل لعبة رقمية ذات أبعاد تصميمية متطورة تقوم على الدخول في اللعبة، وما من خروج منها ما لم نمتلك قوة الخيال والرضوخ إلى مقومات البقاء، وهذه رؤية المؤلف القائمة على بطلين مهمين: "راشد" والضابط، وما المرأة إلا الدنيا ومتغيراتها، وبمميزات مبتكرة ذات رؤية مستقبلية نابعة من حاجة الرجل لها، لأنها الإنسان المدعوم بالتطور الطبي المذهل المساعد في جعلها أجمل من الأصل. إلا أنها تحتفظ بهويتها الخاصة التي تجعلها مميزة عن الشبيه لها، مما يجعلها تستحق درجة عالية من الوجود المتمم للمعادلة المعقدة المعززة بتأثيرات الصور النخيلية التي تكشف عن آليات الحوار المستخدم في الرواية ذات الشكل القديم، والشكل الجديد، والفاصل بينهما أبعاد الشخصيات ودقة الوصف لهم لإبراز جمال السحر الإنساني الذي يولد من الإنسان نفسه، وذلك لإثارة الدهشة الناتجة من ثقافة الأدب الروائي التخيلي القائم على الإيماءات.
بالإضافة إلى أشياء أخرى مشتركة مثل معاملة أسرى الحرب أو صناعة الإنسان الجديد أو حرب الخوف التي تمسح الذاكرة تماماً، كما يتم ترويض الحيوانات لإعادة استخدامها في تنفيذ تعليمات أصحابها، ولهذا ترك للعنوان "إبراهيم نصرالله": وجود تفاصيل صغيرة عن الحروب وأسبابها التافهة منذ العصور القديمة حتى الآن. إضافة إلى صفة الحيوان وهي حرب الكلب الثانية، مع العناوين الداخلية وتراتبيتها مثل موسم الضياع والاعتماد على الصور التخيلية المكثفة وقوة الاستبصار. "موسم الضياع... أدق الصور وضوحاً في المرايا لا يمكنها أن تريك الحقيقة". فهل الحقيقة في "حرب الكلب الثانية" هي حروب الخوف التي تشن على الإنسان؟
لم يخرج "إبراهيم نصرالله" من المألوف نحو الغرائبية أو الفانتازية أو الخيال العلمي أو الرواية المستقبلية دون أن يلتزم بالأسلوب الروائي القديم لهذا النوع من الروايات التي جددها في ظل عهد التقادم الروائي الحالي الذي نشعر به، ولكنه صمم لعبة ذهنية تراجيدية ذات أبعاد حركية مرتبطة بالتصورات التخيلية التي تعيدنا إلى العصر الذهبي لمثل هذه الروايات التحديثية المحاكية للغة الألعاب الإلكترونية أو الرقمية. لاحتوائها على التنظيم التخيلي الغامض للأحداث، وتقنيتها ضمن أسلوب حواري نتوحد معه رغم غرائبية السرد والهيكل القائم على عرض الأفكار من خلال التركيز على مغامرات "راشد" واكتشافاته المواجهة للإنسان وقضاياه المؤثرة على الخلل الطبيعي لوجود الإنسان المحاصر داخل ماضيه بعقله ووعيه المقيد ضمن الماضي الذي يتمحور على سلوكيات الإنسان، وردات فعله الطبيعية تجاه المخاطر التي يتوجس منها. وما الراصد الجوي في الرواية إلا الذات التي توسوس له عن قيمة أفعاله مع الآخرين ويخاف ارتدادها عليه، وهذا نوع من التحليل النفسي الذي اعتمد عليه "إبراهيم نصرالله" في الرواية، ليترك القارئ في حالة ذهول بعد دخول حلزوني إلى النفس بوعي كاتب اعتمد على ذهنية الرواية المستقبلية وقدرتها على الدخول إلى خبايا النفس الإنسانية وخوفها من تغيرات الطبيعة البشرية وسلبيتها على الحياة.
برؤية تحديثية أخرى تعتبر رواية "حرب الكلب الثانية" لإبراهيم نصرالله واحدة من الأعمال الروائية المتميزة التي تتناول موضوعات اجتماعية وإنسانية عميقة، في سياق تاريخي يمتد عبر العصور. يسعى نصرالله، من خلال هذه الرواية، إلى استكشاف تأثير العنف والتاريخ المأساوي على الهوية الإنسانية، مما يجعلها ليست مجرد سرد للأحداث، بل دراسة دقيقة للحالة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الفرد العربي في عالم متغير.
تتسم الرواية بالغموض المتوحش، الذي ينعكس في تفاعلات شخصياتها مع الأحداث التاريخية التي تعيد نفسها. هذا الغموض ليس مجرد عنصر جمالي، بل هو وسيلة لتعميق فهم القارئ للاضطرابات النفسية والاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات، خاصة في السياقات التي تعيشها المنطقة العربية. عبر هذا الأسلوب، يتمكن نصرالله من تقديم صورة حقيقية عن كيفية تأثير الظروف التاريخية على السلوك الإنساني.
الرواية تعكس صراعاً داخلياً يعاني منه الأفراد، حيث يتجلى الخوف من المستقبل في شخصيات مثل "راشد"، الذي يحاول الهروب من واقعه المأساوي، إلى جانب السرد حول العلاقات البشرية التي تتشكل في ظل ظروف قاسية. تعبر هذه العلاقات عن تطلعات الأفراد للعيش بكرامة وسط الفوضى والعنف. نصرالله يقدم لنا مشهداً مؤلماً، لكنه يحمل في طياته أمل الخلاص والتغيير.
يشير نصرالله إلى أن الهوية الإنسانية ليست ثابتة، بل هي نتيجة للتاريخ الذي يعيد نفسه باستمرار. من خلال تفاعلات الشخصيات مع ماضيهم، يظهر كيف أن التجارب القاسية يمكن أن تشكل الأفراد، مما يؤدي إلى انحدارهم نحو همجية بديلة. في هذا السياق، يطرح الكاتب سؤالاً محوريًا: هل يمكن أن يتعلم الإنسان من أخطاء الماضي، أم أنه محكوم بتكرارها؟
استخدم نصرالله تقنية السرد غير الخطّي، مما يتيح له استكشاف الزمن بطريقة جديدة. هذه التقنية تجعله يتجاوز الحدود الزمنية والمكانية، ويخلق تفاعلاً بين الماضي والحاضر، مما يسهم في تعزيز فكرة تكرار التاريخ. هذا السرد المتشابك يعكس تعقيدات الحياة الإنسانية، ويعكس بشكل جلي التوترات الداخلية والخارجية التي تعاني منها شخصيات الرواية.
يهدف نصرالله، من خلال هذه الرواية، إلى تقديم نقد اجتماعي يسلط الضوء على ما يعانيه المجتمع العربي من أزمات. هو ينبه القارئ إلى ضرورة الوعي بما يحدث حوله، ويحثه على التفاعل مع قضايا مجتمعه. في ختام الرواية، تبرز فكرة أن التغيير يبدأ من الفرد، وأن كل شخص لديه القدرة على كسر حلقات التكرار التاريخية، بل وخلق مستقبل مختلف.
"حرب الكلب الثانية" ليست مجرد رواية، بل هي دعوة للتفكير والتأمل في تجارب الإنسان، في سياقات تاريخية معقدة. نصرالله يقدم عملاً فنياً متكاملاً يدعو القارئ للغوص في أعماق النفس البشرية، مستعرضاً الصراعات الداخلية التي تواجهها الأجيال المتعاقبة. بموضوعية وانطباعية، تكشف الرواية عن الجوانب المظلمة من الهوية الإنسانية، لتبقي الأمل حياً في قلوب القراء.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com