عوالم خفية في دفاتر الحياة المنسية
ضحى عبدالرؤوف المل
فتح الفنان "عادل إمام" العوالم الخفية للكثير من ملفات الماضي المرتبطة بمافيات الفساد، التي تجعلنا نتساءل ألف مرة قبل أن تنتهي كل حلقة: ما الهدف؟ وماذا يريد الفنان "عادل إمام" من انتحار الفنانة التي ألقت بعوالمها الخفية في كتاب قبل أن تنهي الحياة وصراعاتها المتجددة في مجلدات موجودة مع غبار الماضي على رفوف موصدة لم تمت. بل! يبدو أنه يعيد مجد الصحافة الذي بدأ ينحسر بنبض الشعب كي لا يفتر، ولتبقى الصحافة محمية بالشعب الذي يحل الغاز كل مقال أو كل حدث أو كل رؤية يؤمن بها. كما فتح العام الماضي القراءة وأهميتها ضمن مكتبة وكتب استكملها هذا العام بالصحافة وعالم فك الألغاز.
دراما رمضانية محملة بالمواضيع الاجتماعية والسياسية والفنية، وعبر شبكة محاطة بمفاتيح انصهرت مع بعضها، وكأنها تقود إلى باب الفساد الكبير أو باب اللغز المعقد بحلوله المستعصية على الفهم. إذ لا تنتهي العقد في كل حلقة، ولا يرضى إلا بالاحتواء حتى لحفيده ومشاكله مع ابنته. ومع ذلك، اقترب في كل مرة من الأسرة العربية بكل تفاصيلها في شهر رمضان. إن بمشاكلها البسيطة وعسراتها، من دار الأيتام إلى الإنتاج الفني وصولاً إلى المخدرات ومشاكل الشباب.
فالنص الدرامي الذي كتبه "أمين جمال" و"محمد محرز" اتصف بالسهل الممتنع دون التخلي عن الكوميديا أو الضحكة المرنة التي تبلسم الموقف المؤلم. كما اتصف النص بالمآسي التي وقعت للفنانة مريم رياض، وإن تخلى عن الوجه الكوميدي نوعًا ما، إلا أنه تمسك بالمضحك المبكي الذي استغله كاتب النص لتمرير رسائل ملغزة مرسلة إلى مشاهد يرى الكثير من القضايا التي يطرحها من الماضي إلى الحاضر، ليحذرنا من مستقبل يجب تنظيفه من تاريخ طويل. لتكون بمثابة مجتمع يطرح الخير بعد شرور حملتها النفوس المتعلقة بمفاتيح اندفنت في الكثير من الأوراق المطوية، وبجرأة درامية تضحك وتبكي، وبتؤدة الفن المعمق بالمغزى والعبرة والمثل، وبواقع بات يعج بالمشكلات الاجتماعية التي تتسبب بها الأنفس المريضة بالجشع والطمع والإجرام.
فهل سيحمل "عادل إمام" رسالة الإصلاح من خلال الدراما الرمضانية التي يقدمها كل عام؟ وهل نحن في السباق الرمضاني أصبحنا ننتظر الفنان "عادل إمام" وقضاياه التي يعالجها بحنكة درامية مغلفة بكوميديا سوداء ساخرة من الوضع الذي وصلت إليه المجتمعات العربية؟
بلغت رمزية "عوالم خفية" حيوات مختلفة، ومضامين بلغت فيها جرأة الصحفي هلال معارضة الرأي بنبض الشعب، الجريدة التي حدثت فيها متغيرات في بداية الحلقات، وكأن ما يبهج يحزن والعكس. بمهمة حساسة وصلت لحد معالجة قضايا اللواط والمثليين والمخدرات والاتجار بحبوب الهلوسة، وبالأستاذ صاحب المثل الذي ينتهك الأدب بقلة الأدب، وهذه مهمة الصحافة التي مارسها الفنان "عادل إمام" في دراما تعيد إلى الشباب صورة الصحفي الراضي بشرف المهنة خدمة لمجتمع، وبقناعة المواطن العربي قبل المصري. أيضًا بتناقض جريء وتلقائي في كوميديا ساخرة بمواقفها البسيطة. ليكون محببًا من خلال التأثير النفسي على مشاهد ينتظر الضحكة من فنان يستنكر ما يحدث على أرض الواقع بالدراما، مؤكدًا على الغمامة السوداء التي يجب أن يزيلها الأفراد كل من موقعه ومسؤولياته، متمسكًا بالضرورة الهزلية للشخصيات دون مبالغة تحيط بها، كالضابط الجدي الذي يقاتل ليحصل على زوجته السابقة، والضابط الذي يمازح زوجته المتحمسة للزواج الذي يتعارض مع قيامه بمسؤولياته.
فلماذا أراد الفنان "عادل إمام" أن يدمج الماضي بالعالم المعاصر؟ ولماذا منح الشباب معالجة درامية تعيد لهم أولويتهم في الوجود الحياتي المعافى من سموم ماضٍ لم ينتبه له الجيل السابق؟ أو ربما كانت مخاوفه أكبر من تحدياته للظروف الأخرى التي مر بها، وكأن حداثة الزمن في خدمة الشباب على عكس الزمن القديم وغرابة أطواره في عوالم مخفية أعطتنا عدة أسباب مقنعة لرؤيته من خلال كتاب "مريم رياض" والألغاز المحبوكة التي دفعت الصحفي هلال لاستكشاف السلوك الإنساني المنحرف الذي أودى بحياتها. فهل يريد القول من خلال المسلسل إن ما يتم دفنه في زمن ما سيتم كشفه في أزمنة أخرى وما من حقيقة تموت؟
عوالم خفية في دفاتر الحياة المنسية، وابتسامة ساخرة أو احتواء بضحكة أو دعابة تمر لتخفف من ثقل الواقع الذي جعل من ابنة "مريم رياض" ضحية كأمها، كما جعلت من ابنة مندور ضحية أخرى، وابن الصحفي هلال الذي لم يستطع الاحتفاظ بابنه لأنه من حق أمه الروسية. والكثير الكثير من المواضيع المتشابكة، بعضها نجد له الحلول وبعضها الآخر معلق في زوايا القوانين المحتاجة لتحديث، لتتناسب مع الزمن الحديث الذي باتت فيه المعلومة عبر الإنترنت أسرع من صحفي يحتاج للشباب من حوله، ليضخ للصحافة الدم الجديد الذي تحتاجه. وهذا ما فعله عندما ترك لنهى كتابة مقالها عن دار الأيتام. وما بين التسامح والمحبة فسحة من أوجاع أحصاها اجتماعيًا وسياسيًا بحقيقة مرة لا يمكن تجاهلها، بل! فتحت الأبواب على مصاريعها.
لندخل في شهر الإنسانية على واقع حافل بمشاهد لا يمكن أن ينكرها كل عقل راشد ومتابع لواقع نعيش فيه، وبسخرية اختلطت بتحفيز الذهن على تحليل كل حدث نراه، وفهم خلفياته دون الاستهزاء به. وهذا ما جعل من "عوالم خفية" شبكة معقدة من قضايا سلط الزعيم "عادل إمام" الضوء عليها بفن إنساني بالدرجة الأولى، ومن ثم درامي لا يخلو من السخرية والضحكة المبطنة. فهل سيكمل "عادل إمام" رسالاته في كل شهر رمضاني ليعيد للأدب والفن المجد الذي يخدم الواقع؟ وهل الإخراج في مسلسلاته بات يحمل نكهة خاصة به تميل إلى المشهد المفتوح على مساحة خاصة بالوجوه الشبابية التي يمنحها من خبرته ما يضفي عليها الثقة؟
برؤية أخرى تحديثية في عالم الدراما، يظل العمل الفني مرآة تعكس واقع المجتمع وتناقضاته. ومع دخولنا إلى عوالم الأعمال الرمضانية، يتألق أسلوب الكوميديا الهادفة، وهو نمط فني يجمع بين الضحك والتأمل في قضايا إنسانية معقدة. وفي هذا السياق، يظهر الفنان "عادل إمام" كرمز لهذا النوع من الأعمال، حيث يجمع بين الكوميديا والعمق الدرامي، ليقدم للجمهور تجربة فريدة تثير التأمل وتدفع للتفكير.
من خلال عدسة الإخراج، نجد أن العمل يعتمد على توظيف عناصر الإخراج بشكل مدروس. اختيار الزوايا، الإضاءة، وتوزيع الشخصيات في المشهد يسهم في بناء جو متوازن بين الكوميديا والجدية. يبرز الإخراج استخدام الحركة الديناميكية، مما يمنح المشاهد إحساسًا بالتفاعل مع الأحداث، ويساعد في إبراز التوترات الدرامية دون الإخلال بالجانب الكوميدي. كما أن التصوير القريب للمشاعر الإنسانية يعمق من الارتباط بين المشاهد والشخصيات، مما يجعل التجربة أكثر تأثيرًا.
أما من ناحية الكتابة، فإن النصوص التي كتبها "أمين جمال" و"محمد محرز" تتسم بالذكاء والعمق. يتم تقديم القضايا الاجتماعية والسياسية بلغة سلسة وممتعة، تجعل المشاهد يشعر بالتفاعل مع الأحداث. تبرز الحوارات الذكية والفكاهة العفوية، مما يسهل على الجمهور فهم الرسائل المتعددة التي يحملها العمل. كما أن الانسيابية في السرد تعكس التوتر والدراما بأسلوب يجذب الانتباه.
الجماليات التعبيرية في العمل تأتي من التوازن بين العناصر البصرية والسمعية. الموسيقى التصويرية تساهم في خلق أجواء متباينة، من الفكاهة إلى اللحظات الدرامية المؤثرة. الألوان المستخدمة في المشاهد تضفي عمقًا بصريًا، حيث تعكس الفصول المختلفة للصراع الإنساني. وهذا يسهم في بناء تجربة شاملة تأسر الحواس.
يتجلى عنصر الكوميديا الهادفة من خلال المشاهد التي تتناول قضايا مجتمعية معقدة بطريقة خفيفة، دون أن تفقد الجدية في طرحها. يُظهر العمل كيف يمكن استخدام الضحك كأداة للتغيير، مما يجعل المشاهد يعيد التفكير في القضايا المطروحة. الشخصيات ذات الطابع الكوميدي تصبح مرآة لنقاط الضعف والقوة في المجتمع، مما يعزز الفهم والتعاطف.
في النهاية، يقدم هذا العمل نموذجًا مثاليًا للدراما الكوميدية الهادفة. يجمع بين عناصر الإخراج المتميزة، الكتابة الذكية، والجمالية التعبيرية، ليشكل تجربة فنية متكاملة. إن قدرة "عادل إمام" على تقديم الرسائل الاجتماعية بذكاء وفكاهة تظل علامة فارقة في المشهد الفني، مما يجعله واحدًا من أبرز رواد الكوميديا الهادفة في العالم العربي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com