معرض "زاد ملتقى" البصري أو المتحرر من أسطورة إله الشمس

ضحى عبدالرؤوف المل

تشرق شمس الحياة المتخيلة في معرض "زاد ملتقى" (Zad Moltaka) البصري، أو المتحرر من أسطورة إله الشمس، ليستعرض الشر والخير والظلم والإحسان، بإيحاءات الظل والحركة الحسية، لإلقاء الضوء على طقوس الفن الجديرة بالاهتمام لما تحمله من رموز تاريخية قديمة يتم دمجها لرفض العنف. وبعبارة حسية، تجتمع فيه المفاهيم المرئية واللامرئية، وهي من أجمل القطع البصرية المستوحاة من شماس أو إله الشمس في آلهة بلاد ما بين النهرين. وتلك القطع الفنية التي يعيدها "زاد ملتقى" بتحديث بصري ذي رؤى فنية مرتبطة بالأركان بتركيب إبداعي ذي شفافية تتجذر من تاريخ عريق.

يرى "زاد ملتقى" سحر الوجود، وبمشهد تخيلي ينمو بلحظة زمنية تختصر التاريخ كله بظلامه ونوره وحقيقة الوجود الكوني منذ أساطيره حتى حقيقته المطلقة، وكأن للغموض عند "زاد ملتقى" نغمة بصرية لها تراتيلها العميقة المدوزنة بالدهشة الحسية التي اعتمد عليها في معرضه هذا الذي يحاكي به كل من يتأمل الجوانب المضيئة أو المظلمة فيه، أو حتى الظل والحركة، وكل ما من شأنه أن يسلط الضوء على المعنى الحسي لتاريخ الإنسانية الحافل بالإبداع. فهل نحتاج إلى مئات السنين ليتم تحديث الشرائع والرسالات واكتشاف جوهرها الوجودي أو الفني الذي يجعلنا نكتشف قيمة كل ما من شأنه أن يقودنا إلى عمل إبداعي يستفز الخيال، ويجعلنا نتساءل: ما الوجود ومن نحن؟

مهد حضارات يستعرضها فنياً "زاد ملتقى" ليمحو الجهل بالمعرفة، والشر بالخير، والظلمة بالضوء الذي نرى من خلاله مفارقات الفكرة التحديثية القادرة على جمع خيوط التاريخ الخاصة بالعالم عامة، ومن ثم الشرق الأوسط خاصة. وإن إله الشمس هو فكرة العدالة القائمة على التناقضات المرتبطة بمصير الحياة أو مصير الإنسانية الراسخة بالمعتقدات بشكل عام، والتي تترجمها الآثار والأعمال الفنية، أو كل مخطوط أو حركة حياتية يقودها مستكشف أو مفكر أو عالم أو فنان أو حتى ناسك أو كاهن أو متصوف أو مستنير أو أي كائن حي يشير إلى قيمة الوجود الإنساني عبر التاريخ كله. لهذا يستجمع "زاد ملتقى" كل ما يضيء فكرته ويجعلها زاخرة بالقضايا الإنسانية عبر التاريخ، وبفن يجمع الماضي بالحاضر، والموسيقى البصرية بالحركة الحسية للضوء ومعانيه، وماديات الأشياء التي تزول ولا يبقى منها إلا ما هو حسي وتائه بين الأماكن والزمن والعنف والسلام، وقيمة المقدسات من كل ما هو ناتج عن عمل الإنسان المفعم بحب الخير والفن والجمال.

فهل فكرة المعرض هي فكرة السلام بعد الحروب، وفكرة النور بعد الظلام، وفكرة الرسالات وقيمتها التاريخية ما بين أسطورة وحقيقة ووجود مشحون بقدرة الإنسان على متابعة مسيرة الأجداد؟ أو الانتفاضة عليها بالرخاء الفني أو مسيرة كتابة الشرائع كشريعة حمورابي والآلهة، وما إلى ذلك من معتقدات قامت من أجلها الحروب وكتبت من أجلها قوانين العدالة وأضيئت لها شموع الوجود الحقيقي الذي يترجمه "زاد ملتقى" في هذا المعرض؟

تتجاوز الرغبة في السلام ما يواجهه المتلقي في المعرض، ليحس قلبه المتآزر مع مفردة "زاد ملتقى" الفنية أو الإبداعية ذات التركيب الذهني المستخلص من الأحداث التي تجري في منطقة الشرق الأوسط تحديداً، وهي المنطقة ذات الحضارات المليئة بالأساطير والحكايات، من أسطورة العجل الذهبي وصولاً إلى الشرائع، أو كل ما هو محفور في الذاكرة الإنسانية عبر مراحلها المختلفة من القديم إلى الحديث أو الزمن المعاصر. وكأنه يحاور الأزمنة والأمكنة بشمسه التي يضيئها في معرضه هذا، من خلال التركيب الفني المدعم بالحركة البصرية ذات المستويات المختلفة من الحس إلى البصر والعكس. ليكون المتلقي بعيداً عن المادة، وإن عبر فضاءات الخيال الناتجة عن تكوين فني إبداعي قام به ليحاكي به حضارة جديدة، هي استكمال لحضارات سابقة وحضارات لاحقة. فهل هذه فلسفة حضارية فنية نشأت من فكرة واحدة؟

برؤية أخرى تتسم الأعمال الفنية التي تتناول موضوعات غامضة بعالمٍ مليء بالإيحاءات والدلالات التي تتجاوز المعاني السطحية. هذه الأعمال تدعو المتلقي إلى استكشاف عمق المشاعر والأفكار التي تحملها، مما يمنحها بعدًا نفسيًا وجماليًا مميزًا. التعبيرات الغامضة في الفن يمكن أن تظهر من خلال الألوان غير المتوقعة، الأشكال غير المألوفة، أو حتى التركيب المعقد الذي يثير تساؤلات عدة. هذه التعبيرات تخاطب اللاوعي، مما يجعل المتلقي يواجه مشاعر مختلطة من الانجذاب والارتباك.

تتداخل الأفكار في الأعمال الفنية الغامضة، حيث تتجسد الرؤى في أشكال بصرية مشوشة. هذه الرؤى قد تعكس التوترات الداخلية أو الصراعات النفسية، مما يسمح للفنان بالتعبير عن مشاعر عدم اليقين أو البحث عن الهوية. مثلاً، استخدام الظل والنور بشكل غير متوازن يمكن أن يرمز إلى الصراع بين الخير والشر.

الجمال في هذه الأعمال لا يتجلى فقط في الشكل، بل في العمق النفسي الذي تقدمه. الأعمال التي تحتوي على طبقات من الرموز تتطلب من المتلقي الغوص في معانيها، مما يخلق تجربة جمالية غنية. هذا النوع من الجمال يكون عادةً غير متوقع، ويتحدى المفاهيم التقليدية للجمال.الأعمال الفنية الغامضة تعمل كمرآة للروح البشرية. في بعض الأحيان، تعكس مشاعر الوحدة، الحزن، أو حتى الأمل. تلك المشاعر تؤثر على الحالة النفسية للمتلقي، حيث يشعر أنه في مواجهة مع ذاته، مما يدفعه إلى التفكير في تجاربه الخاصة.

الفن الغامض يفتح بابًا للحوار الداخلي. عندما يتفاعل المتلقي مع هذه الأعمال، يتم تحفيز مخيلته، مما يخلق تجارب فردية فريدة. كل مشاهد قد يجد معنى خاصًا في العمل، مما يجعل التجربة شخصية وذات مغزى. الفن الغامض يحمل في طياته عمقًا نفسيًا وجماليًا يجعله مثيرًا للتفكير. من خلال التعبيرات الغامضة والرؤى البصرية المعقدة، يمكن أن يصبح العمل الفني وسيلة للتأمل في الذات والعالم. هذا النوع من الفن لا يقتصر على إثارة المشاعر، بل يسعى أيضًا إلى توسيع آفاق الفهم الجمالي، مما يجعله تجربة لا تُنسى.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81-%D8%B3%D8%B1%D8%B3%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%B3/