أنماط شعرية دينامية في" انتظار الغريبة" للشاعر زاهي وهبي.
ضحى عبدالرؤوف المل
تتخطى الصورة الشعرية في ديوان الشاعر زاهي وهبي الأزمنة والأمكنة، لتتجه نحو مخيلة مفتوحة، تمنح الحس الأبعاد التصويرية المتعددة الإيحاء، حيث يبلغ المعنى الأقاصي المضمونية بميزة أسلوبية اعتمدت على منهج إيقاعي، تناغمت معه الكلمة وفق تدرجات أراد لها الالتزام بجمالية دينامية يبرز من خلالها التشكيلات اللغوية والموسيقية الموحية بانزياحات تستقر في ذهن القارئ، وفق توازنات مشهدية تتعدد في إيحاءاتها ومعانيها حيث" لا زينة غير ابتسامة" فالابتسامة تركها كنوع من الزينة الحسية التي تظهر جمال النفس، وقوة تأثيرها على الآخرين، لكنه ربطها بترك الأعباء الزمنية " متخففة من ماض مضى" حيث يتعلق الزمن بالماضي والحاضر معا، وكأنها ستغادر الزمن الذي يحيا فيه الشاعر، لكن الغريبة ستبقى معلقة زمنيا في لحظة بلا أمكنة، بلا مواقيت في انتظار غريبة تكونت داخل المعنى.
تلعب المعاني أدوارها المتناقضة، حيث الغموض في الأخيلة التي تتوارد صورها في الذهن، ليشعر القارئ بالانطباعات المتوازية بين الكلمة والمعنى ، والمضمون والأسلوب، إلا أن زاهي وهبي في كل مرة يترك للقارئ قدرة التحليق في مخيلته، ليتعمق في كل مشهد شعري يعيده إلى الواقع، وإلى معاني الفصول واختلافاتها الجوهرية، حيث فصل صيف يلتهب وخريف معتدل، ولكن للتحرش معان أراد لها إبراز قوة الاشتياق، كما أنه أظهر العناصر الفنية الموجودة في الطبيعة، والتي تتطابق مع مشاعر عاطفية تفاجئ الإنسان في لحظات تخيلية، وتأملية تنطلق منها إيقاعات قصيدة لم ينتظرها زاهي، إنما أتت مصادفة، فافتعل سؤالا، وتركنا في مهب سؤاله: من تكون؟ هل رآها أم نحن من عرف من تكون من خلال المعاني المرسومة داخل الكلمات المتعاكسة فنيا، ليتمم المعاني داخل ذهن المتلقي.
انطباعات حسية تضعنا أمام جوهر المعنى الكلي، والأضداد التي تأتي متسعة الرؤية، كلما تابعنا تسلسل القصيدة ، كاسرا جمود كل رتابة قد تتسرب إلى نفس القارئ" بالثرثرة نمحو عتم الليل، مطلع الفجر، تشرق علينا شمس، ينبت في نهارنا، حيث نلمح تتابع في الصورة المشهدية يكتمل تدريجيا، وكأنها في ولادة دائمة، فالاستمتاع التخيلي يؤدي إلى الخوض في كل فكرة تحررت من قيود اللغة، وكأن الكلمة هي كما صورها في قصيدته " وفي الخيال مهرة من لهب" فهل يخترع زاهي كل هذا ليكتب قصيدته؟ أم أن المخيلة الخصبة يتولد عنها فرحة، باكية، صامتة، ضاحكة، لينهي القصيدة بالانتظار حيث " أنتظرك يا غريبة وانتظرني ".لنتساءل مرة أخرى: من الغريب هو أم هي؟ أم أن لكليهما شجن الحياة الهاربة من واقعيتها؟.
مفارقات تقنية تستجيب لها المعاني التي تتعثر في مخيلة زاهي وهبي ليعطي الدلالات اللفظية حيوية ذهنية تعطي الأبعاد إيحاءات مجازية ، فتستوقفنا الافتراضات، حيث الإشارات الرمزية الممزوجة بالغموض" من هذه التي جعلت مقهاي حديقة" جسدي حديقة امرأة واحدة" فنتابع بشغف قصيدة تبلغ ذروتها التخيلية، كونها ارتبطت بتشبيه متتابع يأخذنا من صورة إلى صورة، لنتفاعل حسيا مع المشهد، ومن ثم يستجلب زاهي دهشة تترك القارئ في حيرة تماما، ليحاول إعادة القراءة من جديد، ويصل إلى دهشة تتكرر" ليس في المقهى أحد سواي! فأين هي من كل هذا؟ وهل ما اختزن في أذهاننا هو نفسه ما اختزن في مخيلة الشاعر؟.
فيض أنوثة يلملمه القارئ في أكثر من قصيدة ترك للحديقة فيها مكانا يتسع للجميع، فكلما لجأ إليها زاهي بدأنا بالبحث عن صفات جامعة لمكان ربما هو كالجسد تارة، وكالمقهى تارة أخرى، إذ تأتي المفردات منبعثة من قاموسه الشعري متآخية مع سياق النص، ومتمردة عليه أحيانا من حيث تقديم الصورة وتأخيرها، ومن حيث توأمة الفرح مع المستطيل في قصيدة ترك لطعم الملوحة بدايات تعيدنا إلى الواقع، والمعاناة، والشعراء الأشد مضاضة مع المقارنات الانعكاسية بين الآن هنا في المقهى الموعود، وبين طاولة هرمة، وطاولة اخضرت شوقا، وبين كأس يقدح شررا، وكأس يلمع من فضة النشوة، ورقة بيضاء متجهمة، وورقة بيضاء سعيدة، وفي هذا التقاط التضاد في الحياة، حتى في مخيلة حسية تنتقي صورها المحورية بأضداد تعيد القارئ إلى داخل الحديقة أو المقهى أو النفس الحقيقية التواقة للحياة المليئة بالجمال.
أفك تاءك المربوطة، جعلتني أبحث عن فلسفة تعيد للخط المستقيم اتجاهاته، وكأن الثيمة الفنية هي في تاء عاطفية تحنو وتقسو، وتترك للفراغ الزمني التائه فيه. زاهي وهبي كدرويش صوفي بلا رحمة العادل، وحيث للحواس موسيقاها، وكأن التاء هي أداة إيحاء تمكن من خلالها حصر الأنوثة بين مربوطة ومفتوحة، أو الكبت والتحرر، وبين الانحناءات العاطفية والاستقامة اللغوية التي وظفها تقنيا في تعاكس معنوي، نجد فيه الأمداء الرحبة لأفق لا متناه في قصيدة تنتمي إلى بحر يرفع راية الاستسلام، فهل رفع زاهي وهبي راية الاستسلام في ديوانه في انتظار الغريبة؟
Doha El Mol