مظاهر الحياة السينمائية من خلال السيرة الذاتية
ضحى عبدالرؤوف المل
استهل الناقد السينمائي "علاء المفرجي" كتابه الصادر عن "دار المدى" بعنوان "أفلام السيرة الذاتية" بقول أندريه موروا: "إن نقول الحقيقة كلها ليس بالأمر الجيد"، واستتبعها بكلمة لخورخي لويس بورخيس: "إن كلمة سينما هي أفضل من كلمة سيرة. الأخيرة تعني، إن لم يخنني حدسي في فهم لغة الإغريق، ترجمة حياة شخص، أما السابقة فتشير إلى الحركة. والفكرتان، رغم أنهما جدليتان قابلتان لاختصار ذات المعنى، فإنهما تستخدمان في توجهات مختلفة، وهو اختلاف يخولني التفريق بينهما وإرجاع معانيهما إلى السينما والأخرى إلى السيرة".
وبهذا، يمنح المفرجي القارئ معرفة عن مضمون يتناول أفلام السيرة الذاتية وقدرتها في تشكيل معرفة بصرية عن غموض حياة الأشخاص المشاهير، كنوع من الدراما الوثائقية أو الدراما الملحمية أو حتى رؤية تفاصيل حيوات أولئك بدرجات متفاوتة من الدقة. ليرصد لنا في كتابه بعض الأفلام التي تساعد في تكوين صورة سينمائية هي لب الفكرة التي تنطلق منها الفنون الأخرى التي تنبثق عن سيرة ذاتية يكتبها البعض، لتصبح فيما بعد فيلمًا سينمائيًا يتناول عدة مواضيع من خلال السيرة الذاتية وأهميتها تاريخيًا لاكتساب الخبرات الناتجة عن بيوغرافيا سينمائية تحتوي معارف وتجارب الآخرين من الأشخاص المشهورين الذين يتناول الفيلم حياتهم، إلى الأسلوب السينمائي الناجح أو الفاشل في تناول حياة هؤلاء في السينما.
وهذا ما شدد عليه المفرجي، وهو يتناول عدة أفلام سلط الضوء عليها تحت عنوان "الشخصيات التاريخية في أفلام السيرة الذاتية" من فيلم "الحياة الخاصة لهنري الثامن" 1933 وصولاً إلى فيلم عن حياة فرانكلين ديلانو روزفلت، وحتى فيلم روب كوهين، بما يقارب أكثر من عشرين فيلمًا رصدها، ليسأل بعدها: لماذا تجذبنا سير الحياة؟
يتتبع المفرجي حركة الأفلام السينمائية وأهميتها في تغذية وتثقيف المشاهد من زاوية تطلعاتها الأحادية أو المتغيرة، وذلك تبعًا للدولة المنتجة أو الدولة القائمة على إصدار الفيلم السينمائي. وببطء، يلتهم من خلاله تفاصيل أخرى تحظى بذات الأهمية عند الآخرين، وبتكافؤ مع الممثلين وقوة الأداء التي يفجرها المخرج. ليظهر مدى أهمية الشخصية التي وضعها الفيلم بصريًا أمام المشاهد الشغوف بسيرة حياة هؤلاء الذين قامت السينما بإنتاج سينمائي يهتم بسيرتهم الذاتية، مثل سيرة "كالهو وشانيل". هذه السيرة الممتدة بالكثير من أشكال الصراع مع الذات والآخر، مع الألم، مع الاحتفاظ بالتفاتة نقدية عن أفلام السيرة العربية وخضوعها للرقابة، مما يجعلها أسطورية في مزاياها في حالة الإجماع بالموافقة على إنتاجها كفيلم سينمائي يتطلع إلى إظهار هذه الشخصية وفق إيجابيات تقترب من جعلها أسطورية. وهذا يتناقض مع أفلام السيرة الغربية برأي الناقد "علاء المفرجي" الذي يحاول في كتابه رصد أفلام السيرة واستخراج الحيوي منها.
لتكون بمثابة النموذج في أفلام كثيرة صنفها، وتحدث عنها باختزال نقدي لكل ما ينتج عنه رمزيات تكسر الحواجز، وتخفي الأقنعة عن أشخاص نسعى لمعرفتهم بشكل قوي لمعرفة غوامض حيواتهم من خلال أفلام السيرة الذاتية التي اشتهرت بفهم منطق العمل المرئي وفهم عمق الصورة التي ينتجها العقل. لأنها تزيل بعض الأقنعة التي كانت توضع على هؤلاء الذين استطعنا إعادة تشكيل الصور السينمائية لسيرتهم الذاتية التي نسج الكتاب حولها الكثير من الأقاويل قبل أن يتم تعريفها في السيرة الذاتية المكرسة لزاوية من زوايا حياتهم، وتبعا لرؤية الكاتب أو رؤية المخرج أو المنتج أو الجهة التي أرادت إلقاء الضوء على إحدى الشخصيات السياسية أو الاجتماعية أو الفنية أو ما إلى ذلك.
أفلام مستوحاة من حياة جورج السادس أو "ساعات فرجينيا وولف" أو "هيتشكوك" سيد الإثارة، وغيره كثر في هذا الكتاب الذي يرسم استراتيجيات تصوير المشاهير من زوايا مختلفة. لتمثل الصور الشفافية في هذه الأفلام مساحة كافية لاستيقاظ كل ما هو غافٍ في السيرة الذاتية نفسها، مما يضع المشاهد أمام مصداقية هذه الشخصية وجهًا لوجه في كتاب يجمع التفاصيل السينمائية لهذه الأفلام بأسلوب نقدي يجعلنا نرى العمالقة في الأدب والفن والسياسة، لأنها "تحفز على اكتشاف الذات، وستكتشف أفكارًا ومقاربات في حياتك الخاصة عبر قصص وتجارب الآخرين. منها نتعلم أكثر حول مواقف الناس، للبحث عن الإلهام من سلوكهم في المحنة، وتتيح لك رؤية العالم بطرق جديدة تختلف عن الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء. فالتعرف على شخصية ما من عصر مختلف، أو خلفية، أو موقع مختلف لتجارب الحياة، سوف يمنحك نظرة جديدة." فهل جوهر الأفلام المستوحاة من واقع شخصياتها حقيقية تمامًا أم تخفي الكثير في زواياها الأخرى؟
في القسم الأخير من الكتاب، وهو "مخرجون استهوتهم السيرة"، نجد الكسندر سوكوروف ومارتن سكورسزي وأوليفر ستون ويوسف شاهين، والفهم المتغاير للشخصيات من وجهة كل مخرج من خلال تجربتهم الخاصة في إخراج أفلام السيرة الذاتية، وهي جزء من مفهوم إخراجي مجازي وثائقي لإعادة بناء الوقائع الحياتية من خلال انفعالات الممثل والمخرج، وتأثرهما بحياة صاحب السيرة التي يتناولها الفيلم مع قدرة التعاطي مع شخصيات هذا الفيلم. "الفيلم إذن سيرة رجل من خلال سيرة حدث... وما كان لمخرج من طراز أوليفر ستون أن يخوض بتفاصيل مثل هذا الحادث الجلل في تاريخ أمريكا من دون أن يستنفر كل أدواته، والتي تقتصر أدواته كمبدع، بل تتعدى ذلك إلى أدواته كباحث ومؤرخ يتقصى الحقيقة." فهل أفلام السيرة الذاتية هي أداة للسينما التي تتميز بغزارة الشخصيات التي كرسها الفن لتحديد الظواهر الاجتماعية والسياسية والتاريخية وغيرها؟
برؤية أخرى تحديثية تحتل أفلام السيرة الذاتية مكانة متميزة في عالم السينما، حيث تمتزج فيها الحقائق بالدراما، ويبرز فيها التأثير العميق للأحداث التاريخية والشخصيات البارزة. في كتابه "أفلام السيرة الذاتية"، يقدم الناقد السينمائي علاء المفرجي تحليلاً شاملاً لكيفية تناول السينما لهذه الموضوعات المعقدة. تركز رؤيته النقدية على دور هذه الأفلام في تشكيل فهمنا للأفراد الذين تركوا بصماتهم على مجتمعاتهم، وكيف أن السرد السينمائي يمكن أن يساهم في إعادة صياغة الذاكرة الجماعية.
يبدأ المفرجي برسم الحدود بين مفهوم "السيرة" و"السينما"، مشيراً إلى أن كلمة "سيرة" تعني ترجمة حياة شخص، بينما تشير "السينما" إلى الحركة. هنا يكمن جوهر الصراع بين الحقيقة الفنية والواقع، وهو ما يدعو الناقد لاستكشافه. فهو لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يتناول التوجهات الفنية المتباينة التي تميز كل عمل، ويستخلص منها دروساً يمكن أن تفيدنا في فهم سلوكيات الأفراد والمجتمعات.
تتجلى أهمية أفلام السيرة الذاتية في قدرتها على فتح حوارات حول القضايا الإنسانية الأساسية، مثل الهوية، والمثابرة، والصراع. يؤكد المفرجي أن هذه الأفلام ليست مجرد سرد لقصص شخصيات شهيرة، بل هي عكس لواقع اجتماعي وثقافي معقد. ينبهنا إلى أن معالجة حياة هؤلاء الأفراد ليست دائماً دقيقة، بل قد تكتنفها بعض التحريفات أو المبالغات. لذلك، فإنها تتطلب من المشاهد أن يكون واعيًا لنقاط الضعف والقوة في السرد.
عند تناول المفرجي لأفلام معينة، يظهر حرصه على تسليط الضوء على الشخصيات التاريخية، مثل "هنري الثامن" و"فرانكلين ديلانو روزفلت"، مما يتيح لنا فرصة لاستكشاف الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الشخصيات. عبر مقارباته النقدية، يستدعي المفرجي ذكريات جماعية تتجاوز الزمن، مما يجعل من الأفلام أداة لفهم السياقات التاريخية والثقافية التي عايشتها هذه الشخصيات.
يستند تحليله إلى فكرة أن السينما تعمل كمرآة تعكس صراعات الأفراد مع ذواتهم ومع المجتمع، وتسلط الضوء على محطات حيوية في تاريخهم الشخصي. يسعى المفرجي لطرح تساؤلات حول كيفية تأثير هذه السرديات على تصوراتنا عن الهوية والمكانة الاجتماعية. ففي كل فيلم، يعيد المشاهد النظر في كيفية تشكيل الصور الذهنية عن الأبطال والنماذج التي تُقدم لنا، وكيف أن تلك الصور قد تؤثر على فهمنا للأحداث التاريخية.
كما لا يغفل المفرجي الإشارة إلى العلاقة بين السينما والرقابة، خاصة في السياق العربي. يُبرز كيف يمكن للرقابة أن تحد من قدرة الأفلام على تقديم سرديات حقيقية وشاملة، مما قد يؤدي إلى إنتاج أعمال أسطورية، تتجاوز الواقع وتفقد الاتصال بمشاعر المشاهدين.
في ختام تحليله، يؤكد المفرجي على أن أفلام السيرة الذاتية ليست فقط وسيلة لتوثيق تاريخ الأفراد، بل هي أيضًا دعوة لتأمل الذات والتفكير في السياقات الاجتماعية والسياسية التي نعيش فيها. تتجلى أهميتها في قدرتها على تحفيز النقاش وتوسيع آفاق الفهم لدى المشاهدين، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من الثقافة السينمائية.
إن هذا الكتاب لا يعد فقط مرجعًا للمهتمين بعالم السيرة الذاتية، بل يمثل أيضًا دعوة للتأمل في تجاربنا الخاصة وعلاقاتنا مع الشخصيات التي تُصوّر على الشاشة. في عالم يتغير بسرعة، تبقى أفلام السيرة الذاتية نافذة لفهم الماضي والتفاعل مع الحاضر.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9/