تجارة الأخبار أو تجارة الأسرار

قراءة في رواية "جزء مؤلم من حكاية" للروائي "أمير تاج السر"

ضحى عبد الرؤوف المل

تتميز رواية "جزء مؤلم من حكاية" الصادرة عن "دار نوفل" للروائي "أمير تاج السر" بمزيج من التركيب الفني النابع من تهجين الخيال المعاصر بالتاريخ، وأهمية بث الأخبار والأسرار، وارتباطها بعالم الجريمة لما تحمله من خير أو شر. في كلتي الحالتين، أعادتني الواقعية السحرية في روايته هذه إلى بدايات الفكر السوسيولوجي في الرواية، وبمغناطيسية سحرية تجذب القارئ نحو لا نهاية الوصف والتحليل لشخصية تميل نحو العزلة، وسماتها تختلف بميولها نحو القتل والاعتداء والسرقة والتمائم، والانحراف الاجتماعي ما بين السيطرة والعدوانية والاستسلام للذة القتل التي تشعره بالنشوة. فالتطرف في كل شيء هو نوع من الشر الذي يصوره "أمير تاج السر" في روايته "جزء مؤلم من حكاية" بأسلوب نفسي في شخصية ذات ذكاء متوسط، إلا أنها تمتلك جاذبية خاصة رغم افتقارها للضمير الإنساني في مملكة قير، الشبيهة بالكثير من البلدان التي تعتبر من بلدان العالم الثالث، حيث ترتفع فيها نسبة القتل والجرائم المجهولة الأسباب. فالشيء المؤلم في الرواية هو أن تكون قاتلاً ولا تعرف لماذا تقتل؟ وما الأهداف الأساسية لذلك؟

رواية أسطورية وملحمية في بعدها التاريخي، ومعطياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتلاحمة مع بعضها. فأبطالها من الشخصيات ذات الصفات السايكوباتية بوجهين متناقضين في الحياة، وببراعة نفسية معقدة في تباينها السلوكي، مثل المريد مرجان الذائع الصيت في قدرته على بث الأخبار، وفي الوقت نفسه هو الملثم الليلي الذي يغتصب الأطفال ويتاجر بالأخبار والأسرار، وما شخصية ديباج إلا النفس الأمارة بالسوء، وهو المجرم الأكبر في الرواية المرتبطة بأنواع أفرادها المزروعين في بيئة معيشية ما هي إلا مملكة قير، المكان الذي خصصه لغموض وظيفة القتل أو إراحة الآخرين من الأولين. فهل يحاول "أمير تاج السر" إظهار سيرة الأولين من المجرمين ولعنتهم التي تلاحقنا أو التي احتفظ بها العالم الثالث وضعفه وعدم قدرته في محو الجرائم؟

تعقيد داخلي في نفس الشخصيات التي استكشفها "أمير تاج السر" بانصهار ذاتي، لإبراز الخفايا والعواطف الروحية لمن يسرق الأرواح من الأجساد بدم بارد أو بلذة سادية تحركها نوازعها غير المنظمة تنظيماً إجرامياً. فالجريمة المنظمة هي عالم لا يمكن الدخول إلى أسراره ما لم نفكك كنه الجزء المعقد منها أو العودة إلى أسسها وأسبابها وأهدافها، والتي منحها خاصية طفولية ذات خلل نفسي. "نحن نرى أطفالنا ما حسن من السلوك البشري ولا نريهم القبيح." فتفكيك البراءة في الرواية هو لتجسيد الشكوك المتخيلة في الشخصيات وتعقيداتها دون التراجع عن الحقائق النفسية الملازمة لديباج أو لتجريد القاتل من سذاجة يتصف بها بشكل عنكبوتي يرمز إلى هلاوس النفس دون احتكار للسرد وتقطعاته المختلفة للسيطرة على الأحداث، وبانسياب سردي يميل إلى الغموض في كثير منه، وإن بدا وضوح الشخصيات ومعاناتها كجزء من اللعبة الروائية التي التزم بها "أمير تاج السر" في هذه الرواية الحادة والغارقة في المكائد الغامضة. إذ لم تعرف أسباب الجرائم التي قام بها الأبطال إلا في نهاية ساخرة، هي جزء من حكاية التاريخ الذي يعيد نفسه فعلاً، من معركة هزم نابليون بونابرت فيها الأتراك في البحر إلى أبو قير، المنطقة البحرية المصرية التي تتصل بطيبة الفرعونية، وهي ممالك لأسَر فرعونية قديمة، وكأن شخوص روايته خرجوا من جدران الكهوف أو من آثار في أرض الصحراء أو من زمن في مجتمع أسطوري ما زلنا نحمل جيناته في دمائنا. فهل يعيدنا "أمير تاج السر" إلى الزمن الذي يعيد نفسه بسخرية الواقعية السحرية؟

يضعنا "أمير تاج السر" على حدود العوالم لمواجهة الحقائق، وبتقنية سردية تحبس الأنفاس، وإن اختلف أسلوبه في الشكل الفني الروائي الذي تعودنا عليه في رواياته السابقة، إلا أنه احتفظ بالدهشة في نهاية الرواية، وبهويات الأفراد الاجتماعية الذين ينتمون للحكاية، وفي خلق الحدث إلى أبعد من الوقائع وتصوراتها والقدرة على الخيال المرتبط بالشخصيات مثل كمانه وغيرها، وخفير والمريد مرجان، وبحدث حدد زمنه عام 1750، وبكل تشكلاته وحساسيته ووقته الخاص في مملكة قير وسياقها الزمني والتاريخي الذي يحتوي في الوقت نفسه على الشخصيات ورؤيتها الشعبية الهشة حتى فيما يخص الأمير كرم ولائحة الحقراء التي تضم أسماء المشتبه بهم في الجرائم، والعلاقات الاجتماعية فيما بينها وضمن نظام نفسي معقد من التأثر الزمني في جزء من حكاية هي الحدث الذي يحدث في جزء من زمن تشكل فيه المجتمع المريض والمتنوع بتنوع المرأة ومعاناتها أيضاً، ووضعه ضمن الواقع المدرك والشخصية المحورية حامل الرسالة ومرسلها، أي المرسل والمرسل إليه وعلاقته بالجريمة أو الجرائم التي ينفذها بقلب بارد والمستوحاة من جزء منها من قصة طرفة العبد في حمل الرسالة القاتلة له، وبأبعاد نفسية تجعل القارئ يتفكر ألف مرة بالكثير من الأحداث التاريخية التي تمر في مخيلته، وتستنبشها ذاكرته وهو يقرأ رواية تمثل في نهايتها صدمة مؤلمة لطفل رأى الجريمة وتفاعل معها وتأثر بها، ومضى ينظمها بقلب بارد ليعيش ذكرى طفولة مستمرة تعيد المشهد مع شخصيات يختارها لتموت بيد حامل الرسالة الذي ينتهي به المطاف إلى القتل أو توقف الزمن عند معرفة الحقيقة وإدراك الخطأ. فهل يحاول "أمير تاج السر" في روايته إثارة الانتباه لأهمية الطفولة في المجتمعات النامية، الهشة والضعيفة والمهددة بالانهيار الكامل؟ خاصة وأن تلك المجتمعات البشرية المتخيلة في الرواية هي المحرك الأكبر للأحداث. كما أن النسيج الوجودي لشخوص مريضة نفسياً هي أسس المآسي في الأحداث من حولنا. لهذا هو يدفعك لقراءة الرواية مرة أخرى بمتعة وبانتباه شديد للطفل الذي يختبئ فينا وفي أبطاله الروائية.

برؤية أخرى تحديثية تتجلى عبقرية أمير تاج السر في روايته "جزء مؤلم من حكاية" من خلال استنطاق عوالم النفس البشرية المعقدة، وعرضها عبر قضايا اجتماعية ملحة تعكس الواقع المعيش في المجتمعات المعاصرة، خاصة تلك التي تعاني من أزمات سياسية واجتماعية.

يسلط تاج السر الضوء على تعقيدات النفس البشرية من خلال شخصيات تمتاز بالازدواجية. فشخصية المريد مرجان، على سبيل المثال، تجمع بين القدرة على إبداع الأخبار وبين الجرائم النكراء، مما يعكس كيف يمكن للفرد أن يكون ضحية للظروف الاجتماعية والسياسية التي تحيط به. يبرز الكاتب هنا فكرة أن الشخصيات ليست بالأبيض والأسود، بل تتراوح بين درجات من الرمادي، مما يجعل القارئ يتفكر في الأسباب والدوافع وراء الأفعال.

يستخدم تاج السر التاريخ كخلفية لروايته، حيث يستحضر أحداثًا تاريخية مثل معركة أبو قير، ليربطها بالواقع المعاصر. هذا الربط يساعد على فهم كيف يمكن أن تعيد المجتمعات إنتاج نفسها عبر الأزمان، ويعكس التكرار المأساوي للجرائم والفشل في تحقيق العدالة. لذا، فإن الرواية لا تعكس فقط تجربة شخصية، بل تشير إلى قضايا اجتماعية أكبر تتعلق بهشاشة المجتمع وأزماته المتكررة.

تجسد الرواية واقع المجتمعات التي تعيش في حالة من الفوضى الاجتماعية والسياسية. تعكس الشخصيات المحورية، مثل ديباج، التحديات اليومية التي يواجهها الأفراد في مجتمع يعاني من ضعف الدولة، مما يجعلهم ضحايا للفساد والجريمة. من خلال تصوير هذا الواقع، يطرح تاج السر أسئلة حول الهوية والانتماء وكيف يمكن للأشخاص أن يتشكلوا وفقًا للبيئة التي يعيشون فيها.

تسعى الرواية إلى تحقيق مغزى أخلاقي، حيث تستكشف مفهوم الشر وتقدمه كظاهرة إنسانية قد تكون نتيجة للبيئة المحيطة، أكثر من كونها صفة فطرية. يطرح تاج السر تساؤلات عميقة حول معنى الإنسانية في ظل الظروف القاسية، مما يجعل القارئ يعيد التفكير في الأفكار المسبقة حول الخير والشر.

يمتاز أسلوب تاج السر بالسرد الغامض والطبقات المتعددة، مما يخلق أجواءً من الإثارة والتشويق. يستخدم تقنيات مثل الفلاش باك والتكرار لتقديم الحبكة بشكل غير خطي، مما يزيد من عمق الرواية ويعزز من شعور القارئ بالانغماس في عالم الشخصيات.

في "جزء مؤلم من حكاية"، لا يسعى أمير تاج السر فقط لتقديم رواية مثيرة، بل يحاول من خلال حبكة معقدة واستكشاف عميق للنفس البشرية، طرح تساؤلات حول المجتمع، التاريخ، والأخلاق. تعكس الرواية صراع الإنسان مع نفسه ومع مجتمعه، مما يجعلها عملًا أدبيًا يحمل في طياته العديد من المعاني والدلالات الاجتماعية العميقة، ويستحق القراءة والتأمل.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com